حلب ... وما بعدها
د. عبير عبد الرحمن ثابت
خمس سنوات ونيف وما زالت الأزمة السورية تحصد آلاف الأبرياء ما بين قتيل وأسير ومشرد، سوريا قلب الشام بموقعها الجغرافى وتاريخها السياسى والحضارى الطويل، والذى جعل منها محط أنظار وأطماع كل الإمبراطوريات المتعاقبة على المنطقة بأسرها، فهى حلقة العبور بين الشرق الأدنى وأوروبا، وهى الساحل الشرقى الدافىء للمتوسط ليس الدافىء بمناخه فحسب ولكن بثرواته وتاريخه، وعلى مر التاريخ كانت المنطقة الممتدة ما بين حلب ودمشق في الجنوب دوما نواة الشام، وحتى الرجلان سايكس وبيكو لم يتجرئا على فصلهما عندما رسما حدود التقسيم، واكتفيا باستقطاع جزء من الساحل الغربى(لبنان) نظراً للارتباط التاريخى العميق هناك . كانت بلاد الشام عامة مركز للتنوع الثقافى والإثنى على مر التاريخ ومركز للتعايش بين كل تلك الفسيفساء الاثنية والمذهبية والطائفية، وكان بمقدور قرون التعايش تلك أن تطوق أى صراعات إثنية أو مذهبية أو طائفية يفتعلها الغزاة والمستعمرين، وتعيد البوصلة إلى اتجاهها التاريخى المعهود بالتعايش والسلم الاجتماعى، وبقيت الدولة السورية لقرابة الثمانى عقود صامدة عصية على الانحدار نحو تفكك تلك الفسيفساء التاريخية.
وكان بمقدور الرئيس السورى بشار الأسد ردم تلك الفجوات لو أنه تدارك أحداث درعه في حينه واستمر في طريق الاصلاح الذى بدأه بوتيرة بطيئة قبل نحو خمس سنوات من أحداث درعه، لكنه اختار الحل الأمنى والذى تحول لاحقاً إلى الحل العسكرى ، ولم يدرك خطورة هذا الحل على الفسيفساء السورية التاريخية، وقد أدرك متأخراً أن تفكك تلك الفسيفساء كان مطلب استعماري قديم واسرائيلي مُلح الآن، وشرط أساسى في ترتيب جديد للمنطقة من شأنه إعادة رسم خارطة الشام من جديد وبما يتناسب مع طبيعة ورؤية اسرائيل بصفتها لاعب إقليمي أساسى في المنطقة.
وهنا عند نقطة معينة لم يكن أمام الأسد من خيار إلا فتح الباب واسعاً للتدخل الروسى والإيرانى بعدما فشل التدخل الإقليمى من الحلفاء في وقف الانهيار العسكرى للجيش السورى بحكم الدعم اللامحدود الذى حظى به معارضيه المسلحين، وهنا علينا أن نشير لسذاجة وقصر نظر المعارضة السورية التى سمحت لكل الأطراف المعادية لسوريا بالانخراط في الصراع الداخلى وتحويله لحرب أهلية أفقدت المعارضة كل مؤيديها وحولت القضية من قضية ثورة سورية شرعية إلى قضية جماعات مسلحة إرهابية، وأصبحت تمثل فيها المعارضة السورية خطراً على الاقليم والعالم بأسره مما دفع الكثير من داعميها على إعادة النظر في دعمها، وأصبحت المعارضة الوطنية ممثلة بالائتلاف السورى والجيش السورى الحر الأقل تأثيراً والأضعف في المشهد العسكرى المفكك والهمجى والفوضوى والذى استفاد منه النظام السورى وحلفائه الروس في تحقيق انتصارات على الأرض كان أخرها السيطرة على حلب .
لقد سيطرت قوات النظام السورى على حلب وستسيطر على مناطق أخرى ما بين حلب ودمشق وفق المخطط الروسى الأمريكى لرسم مستقبل سوريا القادم، وما غض الطرف الأمريكى والدولى والإقليمى عن سقوط حلب وما صاحبه من مجازر يندى لها جبين الانسانية إلا توطئة لما يليه من تقسيمات قادمة على أساس مذهبى وطائفى وعقائدى في كل الإقليم، ومقدمة لتطبيع الوجود الاسرائيلى ولتسوية دولية تدمج ما بين حل الصراعات في الاقليم وبين تسوية الصراع الفلسطينى والعربى الاسرائيلى سياسياً وديمغرافيا أيضاً، وهنا يجب أن نربط ما يحدث في سوريا والعراق من تغير ديمغرافى قسرى وبما تقوم به اسرائيل من استيطان وتشريع بؤر استيطانية في القدس والضفة الغربية يستهدف الوجود الفلسطينى السياسى والثقافى .
إن التغير الديمغرافى هنا وهناك هو لنفس الهدف وهو فرض واقع على الأرض يسهل شرعنته لاحقا في أى تسويات قادمة جماعية أو متدرجة تشرع فيها الأولى لما يليها، وهذا يفسر رفض إسرائيل لمؤتمر باريس وإعراضها عن الشروع في أى تسوية منفردة مع الفلسطينيين الآن، لأن الوقت لم يحن بعد لإتمام ما هو قائم على قدم وساق في الضفة وكذلك في سوريا والعراق، وشبه انتهى الشعور بأن اسرائيل هى العدو على الأقل في محيطها بحكم العداء الذى وجد فيما بين المتقاتلين الأشقاء في الساحات العربية .
لقد كسرت الحرب فسيفساء التعايش السورية التى صمدت لقرون بفعل بحور الدم الذى سالت، ولن يكون بمقدور الأسد حكم سوريا التى حكمها قبل 2011 وإن استطاع اقناع الروس بضرورة بقاءه فهو بالكاد سيحكم سوريا شكليا ولفترة انتقالية مؤقتة لحفظ مياه وجه روسيا فقط، ولكن الخشية هنا أن يرسم السوريين هذه المرة خارطة التقسيم الثقافية والاجتماعية بأيديهم فما لم يجرئا عليه سايكس وبيكوا يصبح اليوم واقعاً موجوداً على الأرض .
أستاذ علوم سياسية وعلاقات دولية
خمس سنوات ونيف وما زالت الأزمة السورية تحصد آلاف الأبرياء ما بين قتيل وأسير ومشرد، سوريا قلب الشام بموقعها الجغرافى وتاريخها السياسى والحضارى الطويل، والذى جعل منها محط أنظار وأطماع كل الإمبراطوريات المتعاقبة على المنطقة بأسرها، فهى حلقة العبور بين الشرق الأدنى وأوروبا، وهى الساحل الشرقى الدافىء للمتوسط ليس الدافىء بمناخه فحسب ولكن بثرواته وتاريخه، وعلى مر التاريخ كانت المنطقة الممتدة ما بين حلب ودمشق في الجنوب دوما نواة الشام، وحتى الرجلان سايكس وبيكو لم يتجرئا على فصلهما عندما رسما حدود التقسيم، واكتفيا باستقطاع جزء من الساحل الغربى(لبنان) نظراً للارتباط التاريخى العميق هناك . كانت بلاد الشام عامة مركز للتنوع الثقافى والإثنى على مر التاريخ ومركز للتعايش بين كل تلك الفسيفساء الاثنية والمذهبية والطائفية، وكان بمقدور قرون التعايش تلك أن تطوق أى صراعات إثنية أو مذهبية أو طائفية يفتعلها الغزاة والمستعمرين، وتعيد البوصلة إلى اتجاهها التاريخى المعهود بالتعايش والسلم الاجتماعى، وبقيت الدولة السورية لقرابة الثمانى عقود صامدة عصية على الانحدار نحو تفكك تلك الفسيفساء التاريخية.
وكان بمقدور الرئيس السورى بشار الأسد ردم تلك الفجوات لو أنه تدارك أحداث درعه في حينه واستمر في طريق الاصلاح الذى بدأه بوتيرة بطيئة قبل نحو خمس سنوات من أحداث درعه، لكنه اختار الحل الأمنى والذى تحول لاحقاً إلى الحل العسكرى ، ولم يدرك خطورة هذا الحل على الفسيفساء السورية التاريخية، وقد أدرك متأخراً أن تفكك تلك الفسيفساء كان مطلب استعماري قديم واسرائيلي مُلح الآن، وشرط أساسى في ترتيب جديد للمنطقة من شأنه إعادة رسم خارطة الشام من جديد وبما يتناسب مع طبيعة ورؤية اسرائيل بصفتها لاعب إقليمي أساسى في المنطقة.
وهنا عند نقطة معينة لم يكن أمام الأسد من خيار إلا فتح الباب واسعاً للتدخل الروسى والإيرانى بعدما فشل التدخل الإقليمى من الحلفاء في وقف الانهيار العسكرى للجيش السورى بحكم الدعم اللامحدود الذى حظى به معارضيه المسلحين، وهنا علينا أن نشير لسذاجة وقصر نظر المعارضة السورية التى سمحت لكل الأطراف المعادية لسوريا بالانخراط في الصراع الداخلى وتحويله لحرب أهلية أفقدت المعارضة كل مؤيديها وحولت القضية من قضية ثورة سورية شرعية إلى قضية جماعات مسلحة إرهابية، وأصبحت تمثل فيها المعارضة السورية خطراً على الاقليم والعالم بأسره مما دفع الكثير من داعميها على إعادة النظر في دعمها، وأصبحت المعارضة الوطنية ممثلة بالائتلاف السورى والجيش السورى الحر الأقل تأثيراً والأضعف في المشهد العسكرى المفكك والهمجى والفوضوى والذى استفاد منه النظام السورى وحلفائه الروس في تحقيق انتصارات على الأرض كان أخرها السيطرة على حلب .
لقد سيطرت قوات النظام السورى على حلب وستسيطر على مناطق أخرى ما بين حلب ودمشق وفق المخطط الروسى الأمريكى لرسم مستقبل سوريا القادم، وما غض الطرف الأمريكى والدولى والإقليمى عن سقوط حلب وما صاحبه من مجازر يندى لها جبين الانسانية إلا توطئة لما يليه من تقسيمات قادمة على أساس مذهبى وطائفى وعقائدى في كل الإقليم، ومقدمة لتطبيع الوجود الاسرائيلى ولتسوية دولية تدمج ما بين حل الصراعات في الاقليم وبين تسوية الصراع الفلسطينى والعربى الاسرائيلى سياسياً وديمغرافيا أيضاً، وهنا يجب أن نربط ما يحدث في سوريا والعراق من تغير ديمغرافى قسرى وبما تقوم به اسرائيل من استيطان وتشريع بؤر استيطانية في القدس والضفة الغربية يستهدف الوجود الفلسطينى السياسى والثقافى .
إن التغير الديمغرافى هنا وهناك هو لنفس الهدف وهو فرض واقع على الأرض يسهل شرعنته لاحقا في أى تسويات قادمة جماعية أو متدرجة تشرع فيها الأولى لما يليها، وهذا يفسر رفض إسرائيل لمؤتمر باريس وإعراضها عن الشروع في أى تسوية منفردة مع الفلسطينيين الآن، لأن الوقت لم يحن بعد لإتمام ما هو قائم على قدم وساق في الضفة وكذلك في سوريا والعراق، وشبه انتهى الشعور بأن اسرائيل هى العدو على الأقل في محيطها بحكم العداء الذى وجد فيما بين المتقاتلين الأشقاء في الساحات العربية .
لقد كسرت الحرب فسيفساء التعايش السورية التى صمدت لقرون بفعل بحور الدم الذى سالت، ولن يكون بمقدور الأسد حكم سوريا التى حكمها قبل 2011 وإن استطاع اقناع الروس بضرورة بقاءه فهو بالكاد سيحكم سوريا شكليا ولفترة انتقالية مؤقتة لحفظ مياه وجه روسيا فقط، ولكن الخشية هنا أن يرسم السوريين هذه المرة خارطة التقسيم الثقافية والاجتماعية بأيديهم فما لم يجرئا عليه سايكس وبيكوا يصبح اليوم واقعاً موجوداً على الأرض .
أستاذ علوم سياسية وعلاقات دولية
