حكومات متعاقبة وأزمة الخريجين متراكمة

حكومات متعاقبة وأزمة الخريجين متراكمة
ياسر عبد الله

تتعاقب الحكومات الفلسطينية ومنذ العام (1993) وحتى بداية العام 2017 (2017) تشكل سبعة عشرَ حكومة كان اخرها الحكومة الحالية، التي ما زالت تمارس اعملها حتى الان، وقد تسلمت الحكومة ملف الخريجين، وبطالتهم خصوصا في قطاع التعليم بعدد (34000) خريج في العام (2013) وقد وصل العدد إلى أكثرَ من (47000) خريج في العام (2016)، إضافة الى البطالة في القطاعات المختلفة للخريجين؛ المهندسين، الصيادلة، الطب المخبري، الأخصائيين الاجتماعين ...الخ. وغابت الحلول والسياسيات للحد من الكارثة المتراكمة والتي تدفع بالشباب الفلسطيني إلى الانغماس في مشاكل اجتماعية مختلفة بدأَ من المخدرات الى الإدمان على الانترنت والإسقاط الأمني وصولا إلى فوضى السلاح كل هذا انعكاسات للبطالة في صوف خريجي الجامعات.
وفي ظل انتشار الظاهرة واستفحالها، تشكل المجلس الاستشاري للإحصاء المركزي الفلسطيني من مجموعة من النخب داخل المجتمع الفلسطيني، ويمثل المؤسسات الحكومية والخاصة والأهلية، إلا أن المجلس لا يضم ممثلي عن قطاع الخريجين العاطلين عن العمل، وكذلك الاتحاد العام للعاملين، ويغيب أيضا الباحثين وممثلي الجامعات الوطنية وهم جزء من المنظومة التي تعني بقضية الخريجين بلا عمل.
إن تشكيل مثل هذا المجلس يعد مبادرة جيدة قام بها جهاز الإحصاء، وإن التعديل على عضويتهِ، وإضافة أصحاب العلاقات، والمصالح، والمتضررين من سوء السياسات التوظيفية ومخرجات الجامعات لعدم مواءمتها مع سوق العمل، أن هذا التعديل يخدم بناء المجتمع الفلسطيني، ويُسهِم في إيجاد حلول لازمة الخريجين المتزايدة عام تلو الأخر ، بهذا فإن إنشاء "هيئة شؤون الخريجين"  يعتبر المخرج لحل الأزمة، وتعد هذه الخطوة بمشاركة أصحاب العلاقات والمصالحة هي الداعم الحقيقي لتحقيق العدالة الاجتماعية، وتشكل قوة ضاغطة على أصحاب القرار من اجل إعطاء قضية بطالة الخريجين أهمية حقيقية؛ تحسبا لأي خطر متوقع من الانعكاسات التي تسببها قضية البطالة في صفوف الشباب الفلسطيني؛ خريجي الجامعات .
وتعد مشاركة تلك النخب الوطنية في المجلس الاستشاري مبادرة ذكية من جهاز الإحصاء الفلسطيني كي يكونوا مطلعين على الإحصاءات المتعلقة بالقضايا الاجتماعية المختلفة، وفي مقدمتها قضية بطالة خريجي الجامعات، وكان قد نشر مركز الإحصاء الفلسطيني إحصائية حول بطالة الخريجين وكانت النسبة الأكبر والمخيفة هي بطالة الخريجين في قطاع العلوم التربوية حيث بلغت اكثر من (64%)، وان قرار الحكومة بمحاسبة موظفي القطاع الحكومي الذي يعملون في أكثر من وظيفة ،قرار لا يخدم ازمة الخريجين فهناك حلول أخرى اكثر نجاعة ومنطقية؛ فمن المعروف ان من يعمل بوظيفتين هم الفئة الدنيا من الموظفين، والذين يعانون من ضيق الحال وعدم مقدرتهم على تلبية احتياجات اسرهم من حراس، وسائقين، وموظفي استقبال، ومعلمين ..الخ وجميعاً يعانوا من رواتب متدنية لا تكفيهم للعيش بحياة كريمة ، وحل مشكلة البطالة في صفوف الخريجين تكمن في المواءمة بين المخرجات وسوق العمل الفلسطيني .
يخلص القول إلى  إن الإحصاء المركزي قام بعمل عظيم حين شكل المجلس الاستشاري، ولكنه لا يملك السلطة التنفيذية لتحويل الإحصائيات الى ارقام ـ غير أن من هم أعضاء في المجلس لديهم السلطة للعمل على ذلك إلا أنَ الواقع بعيد تمام فمنذ العام (2013) قد تم تشكيل الحكومة خلفا لسلام فياض ، وفي العام  (2014)تم إعادة صياغتها بتشكيل حكومة الوفاق ، ومنذ ذلك الحين نضع احصائيات بطالة الخريجين أمام أصحاب القرار، فقد كانت احصاءات الخريجين بلا عمل في قطاع التعليم قد بلغ (21000) خريج في العام   (2010-2011) وأصبحت في العام(2012) اكثر من  (24000)خريج بلا عمل وفي العام  (2013) ومع تشكيل الحكومة الحالية  كان عدد الخريجين بلا عمل قد وصل الى  (34614)، واستمرت معاناة الخريجين حتى العام  (2015)حيث تقدم لامتحان التوظيف في قطاع التعليم اكثر من (43383) خريج وخريجة وفي العام  (2016)شكل الخريجين تجمعا لهم محاولين  اتخاذ خطوات عملية لحل مشكلة الخريجين الا ان الجميع تنصل عن مسؤولياته اتجاه بطالة الخريجين.
يعني ذلك انه وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات والدخول في العام الرابع لهذه الحكومة بقيت تقف عاجزة عن حل مشكلة الخريجين والبطالة او الحد منها على الأقل؛ وهنا إشارة تعجب واشارة استفهام يجب وضعها على مهام الحكومات المتتالية، والتي عجزت جميعها عن الحد من النزيف الدموي في بطالة الخريجين، ومن المسؤول عن هذا الفشل؟ وأين المحاسبة والمساءلة المجتمعية؟ وهل ستستمر معاناة الخريجين مع عجز الحكومات المتعاقبة على وقف نزيف البطالة او الحد منه؟ أسئلة كثير تطرح في أذهان الشباب دون إجابات او حلول؛ فهل الثورة الأخلاقية هي خيار المرحلة القادمة ام مزيج بين الثورة الأخلاقية والأخلاقية في ظل الخلافات الحزبية –أيضا-والتي تعصف بالتنظيمات الفلسطينية.
فالبطالة سوف تدمر النسيج الاجتماعي الفلسطيني وسوف تدمر معنويات الشباب وتحبطهم، يرافقها مشاكل اجتماعية متنوعة في مقدمتها الإدمان على الانترنت – وبهذا الشباب أصبحوا هدف للوحدة 8200" وحد التجنيد الالكتروني في جيش الاحتلال – ومن ثم مشكلة تعاطي المخدرات – وقد بدأت بالتحول الى ظاهرة في أوساط الشباب في الجامعات والمدارس – ومشكلة الهجرة؛ وهي حديث كل شاب خريج بلا عمل. ومشكلة العزوف عن الزواج التي تؤدي الى تراجع في معدل الخصوبة في فلسطين، مقارنة بالزيادة في المجتمع الإسرائيلي، وهذا يخلق حالة من عدم التوازن الديمغرافي.
وان استمرت هذه الأحداث ووفق ما تحدث عنه عالم الانثروبولوجيا الشهير "غوستاف لوبون" في كتابه سيكولوجيا الجماهير عن تزييف العقول والكتلة الحرجة ؛ فان عملية خداع الشباب من قبل  الحكومات المتعاقبة والتلاعب بمستقبلهم لن تستمر طويلا، فالظلم ومع التراكم في الإهمال ومحاولات الخداع والتلاعب بالعقول سوف يشكل الكتلة الحرجة ؛ وهي خروج الشباب الخريجين عن صمتهم، والتعبير عنه بكافة الوسائل التي يعتقدوا انها مخرج لازمتهم ؛ وما زال الحل ممكن اذا توفرت الرغبة من أي حكومة سوء حالية او قادمة في أحداث " طفرة" إيجابية لحل هذا المعضلة التي تتنامى يوم تلو الاخر وتهدد الاستقرار الفلسطيني وتفتك بالنسيج الاجتماعي وتترك الشباب فريسة لكل المتربصين بالوطن .