الهروب شبح الموت إلى توقع الموت

الهروب شبح الموت إلى توقع الموت
 سلامة عودة

الإنسانية حق للشعوب ،والموت والحياة قيم عامة،يشترك فيها الناس على اختلاف أجناسهم ،وقد كفلتها المواثيق الدولية ، وتأسس وفق ذلك الصليب الأحمر وهو علم سويسرا الذي كان صليبا أبيض على خلفية حمراء ، وإكراما للأنسان الذي هب لنجدة المحتاجين من جرحى وجياع ، خلد الصليب بلون أحمر على خلفية بيضاء ، وتزامنا مع الدولة العثمانية التي كانت سائدة في تلك الحقبة التاريخية وكان علمها يتفق مع الأحمر والأبيض لذا تأسس الهلال الأحمر ، والحروب دائرة رحاها على مر الأزمان وكرور الأيام ، وعمل اللجان الدولية ناشط في هذا الخضم ، لتلافي إلحاق مزيد من التنكيل والقتل للمدنيين في أثناء الحروب ، وهم أعيا ن مدنية ، ولئلا يصبحوا وقود الحرب أو يتخذوا دروعا بشرية ، ولا ذنب لهم سوى أنهم بين فكي الرحى الدائرة .

وحتى يتمكن هؤلاء المدنيون من اللواذ بأنفسهم من ويلات الحروب ، وضروسها التي تطالهم ، فقد تملكهم الخوف على حياتهم وأبنائهم ، وبدأوا باللجوء إلى أرض آمنة ، ريثما تضع الحرب أوزارها ، ويعودون إلى ديارهم وممتلكاتهم ، وأمامهم أمران لا ثالث لهما ، فإما أن يتحصنوا بالبر من خلال الدول المجاورة ، لينالوا الأمن والأمان ، وإما أن يركبوا موج البحر بحثا عن يابسة خلف هذا البحر .

يتربص بهؤلاء اللاجئين تجار أو قراصنة البحر ، فهم ملهوفون للنجاة ، وتجار البحر يترقبونهم كي يكونوا فريستهم إلى المال ، والغاية تبرر الوسيلة ، وتكون نعوشهم من خلال قوارب غير مراقبة من حيث الجودة والحمول ، تقلهم إلى أرض الخلاص في الدول المجاورة ، ونظرا لأنهم هاربون من موت الحروب ، لا يهمهم ما ينتظرهم من جشع التجار ، ولو كان حمولة القوارب تزيد عن ذلك بمئات الأشخاص ، ونظرا لقلة خبرتهم في البحر يكون همهم الوصول بغض النظر عن الوسيلة .

تشرع القوارب في مخر عباب البحر ، عباب الموت ، وتبدأ الأمواج بالارتفاع ، والعواصف الهوجاء ، ولكن أمام هذه الأعداد الهائلة ، وقلة وسائل الحماية ، تكون رحلتهم في مهب الريح بكل ما في الكلمة من معنى .

ولا يكتفي التجار بهذا الجشع ، وإنما يلقى بهم على أقرب يابسة يطأونها ، ويترك لهم العنان كي يكونوا عميان في أرض لا يعرفونها ، وتتلقفهم خفر السواحل لتضعهم في خيام اللجوء ، ولله در خيام اللجوء فهي هي منذ أمد بعيد ، منذ اقتلع الفلسطيني من أرضه كان مصيره الخيام .

وحتى تؤدي المنظمات الدولية التي ترعى حقوق الإنسان دورها ، فلا يكتفى بالرصد والتوثيق ، وإنما بالوقوف إلى جانب هؤلاء الحائرين ، كي تشعل سراج الإنسانية منذ بدايته ، لا حتى تقع الفأس في الرأس ، ثم يبدأ عملها ، ولا تزهق الأرواح جراء رحلات الموت هذه .

فالشعوب لا تخلو من الحروب ، وما يصنع مع هؤلاء الهاربين ، يصنع مع شعوب الأرض قاطبة ، ويصبح العمل الإنساني شاملا لشعوب الأرض ، ومن أنقذ نفسا أنقد الناس جميعا.