نساء مكلومات.. يلاحقهن القهرُ والفقرُ

نساء مكلومات.. يلاحقهن القهرُ والفقرُ
خاص دنيا الوطن- نرمين الجدي
تتنقل بخفةٍ من غرفة إلى أخرى ومن قسم إلى آخر، تسحب خلفها عربة صغيرة، تنوعت فيها المعقمات ومواد التنظيف، بالإضافة إلى دلو ماء وممسحة، تستخدمها في تنظيف غرف المرضي داخل المستشفى، تتحرك داخل قسم جراحة العظام لتلملم ما ألقي في سلال المرضى، تتفقد المرافق وغرف المرضى، ترتبها وتنظفها، ترتاح لدقائق بجسدها النحيل المنهك، ووجها الشاحب، ومن ثم تعود إلى عملها في قسم آخر.
                                               
إنها سميرة عبد الكريم ابنة الأربعين عاماً، وهي أم لثمانية أطفال أصغرهم وردة ابنة الأربعة أعوام، تقطن في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة بأزقته الضيقة واكتظاظ سكانه، في بيت مستأجر مكون من غرفة ودورة مياه ومطبخ، مغطى بألواح معدنية تزيد من حرارة الصيف، وتدلف مطراً في الشتاء، تقول وقد نقش الدهر على وجهها ما يكفي من الألم والحرمان: "يا ليت أسكن بغرفة ملك ولا بيوت الإيجار، كان عندي عمارة ملك، ولكن ضحك عليا زوجي وأخذها ليتزوج بثمنها".

تكمل سميرة: "كنت أعيش مع أسرتي في جو تملؤه السعادة في بيت اشتريته من صيغتي، قبل أن يأتي اليوم الذي أتفاجأ فيه بزوجي يطردنا أنا وأطفالي من البيت إلي الشارع في منتصف الليل لسبب نجهله، لنصبح بين ليلةٍ وضحاها بدون مأوى أو رجل يحمينا ولا نملك المال أو طعام، فأشارت لي صديقتي بالتوجه للعمل في المستشفى، لتوفير احتياجات أطفالي.

تتحدث بروية: "لم أنس تلك الليلة الباردة ونظرات الجيران إلينا في محاولة منهم لمساعدتنا، لم نكن نرتدي أنا وأطفالي ما يحمينا من برد الشتاء القارس، بقينا في الشارع حتى الفجر ونحن نتوسد الرصيف، وجاء إمام مسجد وسألنا عن سبب جلوسنا في الشارع في هذا الوقت؟ أخبرناه عن المصيبة التي ألمت بنا، أتذكر ليلتها أنه اصطحبنا لبدروم المسجد لقضاء باقي الليل فيه حتى يطلع الصباح".

تشعر سميرة بالألم حين تتذكر عطف الجيران عليها وعلى أطفالها فتقول: "ما أسوأ ذلك الشعور حين تتحول من إنسان لك بيتك وطعامك وملابسك إلى أنسان بلا مأوى، تجردت من كل ذلك بلمح البصر، وتكمل: "بقينا في المسجد عدة أيام حتى يهدأ زوجي ويعود لصوابه على حد قول إمام المسجد، حيث كان يوفر لنا كل ما يلزم من ملابس وطعام وفراش حتى نستطيع البقاء إلى حين العودة لبيتي كما كنت أظن".

تضيف سميرة: "بعد أسبوع من بقائي في بدروم المسجد، قررت العودة إلى بيتي وقلت في داخلي: إنه بعد وقت سوف يعود زوجي إلى صوابه وسنعرف سبب عصبيته الشديدة ونرجع إلى بيتنا، لأنه لا مكان غيره يؤويني وأطفالي، فبيت أهلي قد قصف في الحرب الأخيرة، وزوج أختي مريض فلا تستطيع إعالتي، يكفيها زوجها وأطفالها والفقر الذي يحيطهم".

وفي محاولة يائسة لحبس دموعها: "طرقت باب البيت وإذ بفتاه سمراء متزينة متوسطة الطول تفتح لي باب منزلي، لم أتردد في سؤالها من تكونين؟ فترد أنا إيمان زوجة أحمد! لتعود فتسألني من تكونين ؟ تكمل: " كادت الصدمة تقتلني، أردت الدخول لبيتي رغم إرادتها إلا أني تفاجأت بزوجي ينهال علي بالضرب، ويقول لي كيف تدفعينها إنها زوجتي، ولم يمنعه شيء عن دفعي وضربي وطردي من بيتي مرةً أخرى للخارج".

وتقول: "ينظر أغلب الأقارب والجيران إلينا بالشفقة، فلا بيت يسترنا أو زوج يعيلنا" أو يضمد بعضاً من جروحنا النازفة، وقد مر على مصيبتي أربع سنوات هي عمر صغيرتي وردة، وفي كل جمعة يقوم إمام المسجد بجمع التبرعات بعد كل صلاة، ليدفع لنا إيجار بيت صغير كان قد استأجره منذ ذلك الحين".

وتضيف، "مرت أربعة أعوام كنت قد طرقت أبواب الجيران كثيراً، كي أحصل على قليل من الطعام، كم رغيف من ذلك المنزل، وجبة طعام من آخر، لأن زوجي رفض إرسال النقود لنا كي تعيلنا وتكمل، "لم أمانع حينها في العمل في شركات التنظيف، وداومت يومياً على العمل وأحصل على وجبات طعام  من المستشفى، أعود بها إلى البيت لأسد جوع أطفالي".

تكمل سميرة بألم :"الراتب القليل الذي اتقاضاه مقابل عملي، لا يكفي لتلبية احتياجات أطفالي، فسبعة منهم يذهبون للمدارس ولهم متطلباتهم, أما صغيرتي وردة، فيحتضنها والدها وزوجته حتى ينتهي عملي ويرسلها مع أخواتها، ويتقاضي مقابل ذلك أجراً عندما أستلم راتبي، وتكمل بسخرية مغلفة بالألم، لم أر وجه زوجي منذ أربع سنوات، فهو مشغول  بزوجاته الثلاث".

تقول الأخصائية الاجتماعية أ. غادة الصوص، من مركز الأبحاث والاستشارات القانونية للمرأة: "تتنوع الحالات التي تشابه وضع سميرة، ولكل حالة طريقة مختلفة لمعالجة مشكلاتها ربما تستمر لمدة عامين وأكثر، أو يقوم المركز بحلها بشكل ودّي بين الطرفين مع احتفاظ المرأة بكامل حقوقها، إلا إذا قامت المرأة بالتنازل عن حقها  بكامل رضاها لحل المعضلة.

وفي الحالات التي تشابه حالة سميرة، أنصح المرأة التي تعاني وتتعرض لانتهاك حقوقها بالتوجه إلى مركز الأبحاث والاستشارات القانونية، لتقدم طلب شكوى فتقوم بتسجيل بياناتها والإلمام بطبيعة الشكوى، ويكون المركز على دراية بموضوعها ووضعها، ويجب عليها أن توضح طبيعة المشكلة وضعها النهائي، وسبب خروجها من المنزل.

وتضيف: في حال موافقة سميرة على الخطوات التالية للمركز لمساعدتها في حل مشكلتها، يتم الاتصال على الزوج لحل المشكلة بشكل ودي، أما في حالة رفض الزوج يقوم المركز برفع قضايا على الزوج منها قضية نفقة الزوجة والأطفال وعفش البيت وغير ذلك، والاتفاق بعد ذلك على الطلاق في حال طلبت ذلك الزوجة، وفي كل الحالات  تسترد المرأة حقها حتى على المدى البعيد.