جريمة الإتجار بالبشر في فلسطين.. حقيقة أم اختلاق!

جريمة الإتجار بالبشر في فلسطين.. حقيقة أم اختلاق!
خاص دنيا الوطن- محمود الفطافطة
رغم الحديث عن مخاطر جريمة الإتجار بالبشر في العالم واعتبارها ظاهرة عالمية تهدد الأوطان وأمنها الاجتماعي والقومي إلا أن الاهتمام بها إعلامياً ومحاربتها ما زال ضعيفاً، في حين أن الحديث عنها يمثل أمراً  "محرماً" في بعض الدول والمجتمعات.

في هذا التقرير، سنتطرق أولاً إلى بعض المعطيات التي تتناول هذه الظاهرة عالمياً، ومن ثم سنركز على دراسة علمية أعدتها باحثة فلسطينية حول هذه الجريمة في فلسطين، وكذلك الإشارة إلى تقرير أعدته مؤسسة " سوا" حول الموضوع ذاته.

المفهوم والانتشار!

يُعرف كتاب (جرائم الإتجار بالبشر، لمؤلفه أكرم المشهداني،2013) "الإتجار بالأشخاص" بأنه "تجنيد أشخاص أو نقلهم أو إيوائهم أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو إساءه استعمال السلطة، أو إساءه استغلال حالة الاستضعاف، ويشمل الاستغلال كحد أدنى، استغلال دعارة الغير أو سائر أشكال الاستغلال الجنسي، أو السخرة أو الخدمة قسراً، أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق، أو الاستعباد أو نزع الأعضاء".

ويذكر المؤلف أنه يوجد تقارير دولية تحذر من تنامي مخاطر الجريمة المنظمة في مجال الإتجار بالبشر وخاصة النساء والأطفال، وفي مجال المتاجرة بالأعضاء البشرية خلال السنوات الأخيرة. كما تحذر هذه التقارير من أن مئات الآلاف من النساء والأطفال والرجال قد دفعتهم الظروف الاقتصادية السيئة والكوارث الطبيعية أو مجرد الرغبة في حياة أفضل، إلى أن يكونوا محلاً للإتجار والاستغلال من أجل الجنس أو السخرة في العمل.

 ويسلط المؤلف الضوء على ظاهرة اختطاف الأطفال والمشردين والمجانين، كي تنزع منهم الأعضاء البشرية المطلوبة بعد قتلهم، وتبيع هذه العصابات تلك القطع من أعضاء الجسم بمبالغ خيالية طائلة، كما تقوم بسرقة جثث المحكوم عليهم بالإعدام ولا يوجد من يتسلمها، أو سرقة الجثث بعد دفنها.

ويؤكد المؤلف أن الإتجار بالبشر هو ثالث أكبر تجارة إجرامية في العالم بعد تجارة المخدرات، وتجارة السلاح، وهي تشكل بالنسبة لعصابات الإجرام المنظم مخاطر أقل من تجارتي المخدرات والأسلحة، متوقعاً أن تتقدم تجارة الأشخاص على تجارة الأسلحة في المستقبل القريب. وينوه إلى أنه نادراً ما تجد دولة لا تعاني من ظاهرة الإتجار بالبشر، سواء كانت الدولة مصدرة للضحايا أم كانت مسرحاً لمزاولة الاستغلال الجنسي أو العمل القسري. 

أين فلسطين من هذه الجريمة؟!

إلى ذلك، كشفت دراسة حديثة، أعدتها الباحثة الفلسطينية المحامية آلاء ربعي، ونشرت في مجلة تسامح الصادرة عن مركز رام الله لحقوق الانسان في عددها الحادي والأربعين، أن جريمة الاتجار بالبشر في فلسطين تتزايد رغم غياب الاحصاءات الدقيقة بشأنها، وأن مظاهرها تتمثل في تجارة الأعضاء عبر سرقة الاحتلال الإسرائيلي لأعضاء الشهداء الفلسطينيين، والتجارة لأغراض جنسية من خلال دخول الوافدات الأجنبيات إلى أراضي السلطة الفلسطينية وصعوبة التعرف عليهن لفقدان سيطرة السلطة على المعابر والحدود الخارجية والبينية بين المدن الفلسطينية.

وبينت الدراسة أن واقع الاتجار بالبشر في فلسطين لا يختلف عن غيره من الاتجار بالبشر في مختلف دول العالم من حيث الأساليب والنتائج، غير أن لفلسطين خصوصية تتعلق بوقوعها تحت الاحتلال الإسرائيلي، مما يحول دون متابعة عملية دخول الوافدات الأجنبيات من شرق آسيا وسواها عبر مطارات "إسرائيل"، ومن ثم عبر الحدود البينية لمناطق السلطة الوطنية لأغراض الجنس.

وتذكر الباحثة قصة قيام فتيات فلسطينيات تتراوح أعمارهن بين 14 ـــ 28 سنة تم جلبهن من الضفة الغربية وقطاع غزة بشكل غير قانوني إلى أحد الفنادق الذي كان يعاني من ازمة مالية بحيث أخذن يعملن في التسول نهاراً والبغاء ليلاً مقابل مبالغة مالية زهيدة، علاوة على ذلك تسرد الباحثة قصة قيام أب فلسطيني يعمل في سوق الخضار ببيع ابنتيه البالغتين من العمر 13 و 14 سنة الى أخوين يبلغان 16 و17 سنة يعملان في نفس المكان مقابل مبلغ مقداره 1150 ديناراً حيث جرى الاعتداء جنسياً على إحداهن .

حالات أم شبكات؟

وتشير المحامية ربعي في دراستها إلى أن شقق البغاء السرية تعتبر أحد الظواهر الأكثر لفتاً للانتباه في تطور البغاء محلياً في الأراضي الفلسطينية، منوهة إلى عدم وجود شبكات بغاء منظمة وواسعة النطاق، وتبين أنه ومنذ العام 2001 اكتشفت الشرطة الفلسطينية 8 بيوت بغاء في رام الله وأن هذا الرقم يتزايد مع عدم وجود أية تقديرات دقيقة عن عددها.

وتفيد الدراسة أن الشرطة الفلسطينية تصر وبشكل تقليدي على أن جميع النساء المشاركات في بيوت البغاء يقدمن على ذلك بكامل إرادتهن الذاتية مقابل أقلية تجبر على ذلك نتيجة الوضع الاقتصادي السيئ، وأن هذه النظرة تقلل من أهمية وجدية ملاحقة رجال إنفاذ القانون لهذه الجريمة ، وتساعد ممارسي الإتجار على مواصلة عملهم بحصانة دائمة لاسيما في ظل عدم بوح الضحايا بما جرى.

الدراسة تخرج بجملة توصيات حول جريمة الإتجار بالبشر فلسطينيا، أهمها: ضرورة تجريم كافة أشكال وصور الإتجار بالبشر من خلال عمل قانون عقوبات فلسطيني، إعداد قانون لحماية ضحايا الإتجار بالبشر، تعزيز التعاون الدولي والإقليمي للتصدي لهذه الظاهرة، إنشاء وحدة متخصصة بمكافحة الإتجار بالبشر داخل الشرطة الفلسطينية،  والعمل على زيادة البيوت الآمنة وتوزيعها على مختلف محافظات الوطن.

وفي السياق ذاته، تبين دراسة "سوا" أنه حسب بيانات الأمم المتحدة، فإن (161)  دولة في العالم تعاني من قضية الإتجار بالبشر وأن الفرق بين هذه الدول أنه يوجد جزء منها يعترف بهذه القضية وأخرى تنكر، وبالتالي تتفاقم هذه القضية لديها وأن حجم الأرباح التي تجنى من الإتجار بالبشر يصل في العالم إلى (32)  مليار دولار سنويا منها (1.5) مليار في العالم العربي.

عوامل ومواجهة!

وبخصوص العوامل التي تساهم في خلق وزيادة هذه الجريمة فإن دراسة المؤسسة تجملها في: غياب الأمان الاجتماعي والاقتصادي وارتفاع مستويات البطالة والفقر وقلة البيوت الآمنة، هذه العوامل (حسب الدراسة) تدفع الفتيات إلى ممارسة البغاء أو جعلهن معرضات للاستغلال على يد أشخاص يجندونهن لذلك أو يتجرن بهن. كما أن عدم وجود تشريعات فلسطينية واضحة وصريحة تجرم هذه الجريمة العابرة للحدود يزيد من انتشارها، كما تذكر الباحثة.

بدوره مدير عام المنظمات غير الحكومية في وزارة الداخلية عبد الناصر الصيرفي قال" أنه قد يكون موضوع الإتجار بالبشر غير ظاهر في مجتمعنا، ولكن بالوضع المركب الذي نعيشه تحت الاحتلال الإسرائيلي فإننا نعاني من هذه الظاهرة، فهناك استغلال للعمال والتحكم بالأجور وغيرها الكثير من المظاهر. وأضاف " بات من الضروري تشكيل شركة أمان لضمان عدم انتشار هذه الظاهرة في مجتمعنا الفلسطيني بشكل كبير" .

وتحدث السيد محمد الخطيب من وزارة الشؤون الاجتماعية، عن ظاهرة استغلال أطفال جنوب الخليل بالعمل داخل "الخط الأخضر"، حيث إن هناك عدداً ليس بالقليل من الأطفال يعملون داخل "الخط الأخضر" ويتعرضون لشتى أشكال الخطر.
وأضاف الخطيب، تتمثل هذه الظاهرة بقيام مجموعة من الأطفال والذين تتراوح أعمارهم من 4-15 سنة بالدخول إلى "إسرائيل" بطريقة ينظمها أشخاص بالغين من سكان نفس المنطقة، وهؤلاء سماسرة لمتعهدين متواجدين داخل الخط الأخضر، يعمل السماسرة على استدراج الأطفال بالعمل في داخل إسرائيل بمبالغ مغرية، وبعد موافقة أهاليهم تتم عملية تهريب الأطفال إلى "إسرائيل"، وهناك يتم تشغيلهم واستغلالهم في ظروف خطرة تهدد سلامتهم ومستقبلهم .

وأضاف الخطيب عند عودتهم إلى بلدتهم يطلب المشغل من الأطفال أن يسلموا أنفسهم للشرطة الإسرائيلية التي تنقلهم ليس إلى منطقة قريبة من مكان سكناهم في جنوب الضفة، بل ترمي بهم على حاجز الجلمة الواقع إلى الشمال من جنين، حيث تستلمهم الشرطة الفلسطينية.

وأعرب الخطيب، إن استغلال الأطفال يتم بالشراكة أحياناً مع الأهل الذين يتواطؤون مع السماسرة والمشغلين الذين يتاجرون بإستغلال الأطفال في مجالات شتى منها استغلالهم في ظروف عمل قاسية وفي مناطق يتعرضون فيها للمخاطر، كما يمكن استغلالهم بالسرقة وتجارة المخدرات أو الدعارة أو الإسقاط الأمني، وهذه الظروف التي يتعرض لها الأطفال من أقصى درجات الإساءة وأشد أشكال الإهمال والاستغلال تجعل الأطفال في أشد درجات الخطورة. 

وتحدثت مسؤولة وحدة النوع الاجتماعي في وزارة الداخلية نهاد وهدان، عن التدابير الوقائية التي اتخذت لمكافحة الإتجار بالبشر في فلسطين فقالت، لا يوجد قانون أو تشريع جرم الإتجار بالبشر بشكل مباشر وصريح ولكن هناك بعض النصوص القانونية الشحيحة، يمكن أن نعتبرها ضمن المستوى الوقائي للظاهرة، في قانون العقوبات الأردني (16) لسنة  1960 الساري في الأراضي الفلسطينية الذي تناول استغلال النساء في الدعارة.

وأضافت تم تشكل فريق يضم عدداً من الوزارات لمكافحة مختلف أشكال الجريمة منها مكافحة الإتجار بالبشر، الذي شكل له لجنة خاصة، والجرائم الاقتصادية، الجرائم الإلكترونية، الفساد وغيرها حيث بلغ عدد الفرق المتخصصة (18) فريقاً يضم كافة الشركاء الوطنيين ذات العلاقة في كل مجال على حدة.

خلاصة القول: وفقاًً للتعريف المتداول عالمياً لمفهوم "الاتجار بالبشر"، فإن الاحتلال الإسرائيلي يمثل عاملاً رئيساً في هذه الجريمة، نظراً إلى استغلاله لجثث الشهداء الفلسطينيين، وممارسة أبشع الإجراءات العنيفة بحق المواطنين والعمال الفلسطينيين، إلى جانب العمل على تسويق الممارسات المنحرفة في المجتمع الفلسطيني. 

هذا من جانب، أما في الصورة الأخرى، فإن بعض الممارسات غير القانونية وغير الأخلاقية التي تمارس هنا وهناك في المجتمع الفلسطيني تمثل صورة من صور هذه الجريمة.

استناداَ إلى ذلك، لا يمكن لنا أن نصف هذه الجريمة بالظاهرة فلسطينياً، ولكن المطلوب محاربة أسبابها وذيولها ودوافعها حتى لا تصبح ظاهراً أو وباء فتاكاً لا يمكن مواجهته أو القضاء عليه.