الوفاء للوالدين وبرهما يلزم الأبناء بتحمل الأعباء المالية عنهما

الوفاء للوالدين وبرهما يلزم الأبناء بتحمل الأعباء المالية عنهما
خاص دنيا الوطن- إسلام الخالدي
أقعدته الحيرة، فأجهش قلبه بالبكاء قبل عينيه، لا يعرف ماذا يفعل؟ تلقى صدمته الأولى، عندما أفصح له والده عن خسارته لكل أمواله، وراتبه الذي سيتقاضاه من معاشه؛ لتراكم ديون عليه لم يكن يفصح عنها من قبل.

وتنعكس بعض الظروف المالية للآباء على الأبناء؛ فتلزمهم بتحملها نتيجة تراكم تلك الديون، ورغبة الأبناء بمساعدة آبائهم حتى لا يوصموا بالعقوق ونكران الجميل، محمد سليم (27 عاماً) أحد الشباب الذين كانت لهم تلك الظروف الصعبة، يروي تفاصيل قصته لــ "دنيا الوطن".

الحقيقة موجعة

يقول محمد سليم: "والدي كان يعمل في منصب كبير ويتقاضى معاشاً كبيراً، تعرض لقضية نصب واحتيال، جعلته يخسر كل أمواله، وظل ملاحقاً للناس بالديون التي يجب عليه سدادها، ولأنني الابن الأكبر، حدثني بما حصل وهنا كانت الكارثة، وحينها لم يتمالك الجميع نفسه، بالرغم من إيمانهم بالقضاء والقدر، ولكن الحقيقة موجعة أكثر، فالعاقبة على نفوسهم أشد وطأة وألماً، مضيفاً "تمالكت نفسي لكي أنهض وأقف أمام هذه المصيبة، قلت لابد من تحمل ذلك، أبي رجل عظيم لم يقصر بنا يوماً، وحان الآن دوري لرد المعروف له ولو بجزء بسيط بأن نتحمل عنه بعضاً من المسؤولية".

ويقول: "بذلت قصارى جهدي وعملت ليلاً ونهاراً، لأتمكن من فهم ما حل بنا وكيف أمشي على الطريق السليم للخروج من المأزق بدون خسائر جديدة تجبرنا على تكبدها، وبقيت على هذا الحال ست سنوات أصارع المشكلة، حتى خرجنا منها بديون نستطيع تحملها هذه الأيام".

حالة أخرى للشاب نبيل حمادة (38عاماً) يقول: "كان لدينا محل لبيع الدواجن، وكانت أمورنا على ما يرام، تسير على أكمل وجه، ولكن في ظروف غامضة، خسرنا أموالنا عند موت الدواجن بصورة مفاجئة لأكثر من مرة بنفس الحادثة، مما كبدنا خسارة فادحة بما يقرب من خمسين ألف دولار، مؤكداً أنه تقاسم المبلغ مع إخوانه لسداد الديون عن أبيهم.

ويشير حمادة إلى أنهم مازالوا إلى هذه اللحظة يعانون من أثر هذه الحادثة، التي أرهقتهم تفكيراً ووجعاً، لفرض الواقع عليهم مسؤولية أكبر من طاقتهم، منوهاً إلى أن الأثر النفسي ما زال يؤرقهم، كلما تذكروا ما حل بهم.

حياة صعبة ومسؤولية كبيرة

أما الشابة مرام محمد (28 عاماً) تقول: "أنا أكبر أخواتي البنات، والدي كبير بالعمر، لاتستطيع قدماه أن تحمله للعمل، نظراً لوضعه الصحي، وأتقاضى معاشي الذي يغطي جزءاً من متطلبات الحياة اليومية والآخر يذهب في سبيل العلاج".

وتوضح بأن والدها كان يعمل سائقاً، وقد تعرض لحادث سير أودى بسيارته إلى الدمار، ومن يومها تحملت المصروف ومتطلبات المنزل، مبينة أنها تذرف الدموع ليلاً عندما يهل آخر الشهر لعدم توفر المبلغ الذي يكفي احتياجاتهم، مشيرة إلى الديون التي ما زالت تسدد أقساطها، جراء استدانة والدها من أصحابه لسد احتياجات منزلهم، وتسديد أقساط المنزل الذي يقطنون به، مؤكدة أنها أصبحت ضعيفة أمام كل ذلك، هذا شيء صعب على فتاة لوحدها.

الأثر النفسي

د. درداح الشاعر المختص النفسي والخبير الاجتماعي، أكد أن القدرة على إدارة الجانب المالي والتحكم بمصاريف الأسرة يختلف من شخص لآخر، وليس غريباً أن يقع أي شخص في الديون نتيجة احتياجات الأسرة الكثيرة والمتتابعة، مشيراً إلى أن وقوع رب الأسرة في الديون قد يسبب له العديد من المتاعب والمشاكل، الأمر الذي ينعكس على الجو الأسري وتحديداً على الأبناء.

وأوضح الشاعر لــ"دنيا الوطن" أن تراكم الديون على رب الأسرة ينعكس على الناحية النفسية والاجتماعية لهؤلاء الأبناء، ويشكل عقبة على مستوى الاستقرار بينهم وبين والدهم، باعتبار أن العامل الاقتصادي مهم في الأسرة، ومبيناً أن التبعات النفسية تكمن في الشعور بالحرمان والنقص والشعور بالضغط النفسي والتوتر، وإيجاد طرق بديلة للحصول على المال، قد تكون غير مشروعة. 

وبين أن هذا الضغط النفسي، ينعكس على الناحية الاجتماعية أيضاً لما يسببه من توتر العلاقات ونشوب المشاكل بين أفراد الأسرة وبين الدائن والمدين، وذلك لعدم القدرة على سداد الدين، منوهاً إلى أنه لو استمر تراكم الديون لفترة طويلة، فقد يدفع الأبناء إلى طرق سلبية كالسرقة والنهب والاحتيال من أجل الحصول على المال وتلبية لوازمهم، مشيراً إلى أنه قد لا يكون الأب المتسبب الأول في هذه الديون، ولذا يتوجب على الأبناء والأم تفهم الأمور والتعاون لمعالجتها، لأن استمرارها قد يؤثر على جميع مناحي الحياة الأسرية ومنها الطلاق والتفكك الأسري، وذلك لأن المال من مقومات الأساسية للأسرة.

ونوه د. الشاعر إلى أنه يتوجب على رب الأسرة في هذه الناحية إيجاد طرق لتخفيف العبء المالي عن الأسرة، ولسد الديون المتراكمة من خلال إيجاد عمل آخر وتنظيم عملية السداد، لافتاً إلى ضرورة موازنة تفاصيل الحياة وإدارتها، والتصرف بحكمة وعقلانية، خاصة في عملية الدين، لأن كثيراً من الأشخاص يلجؤون للديون ولا يكون لديهم مخارج أخر.