70 عاما بلا وطن - الشتات الثاني - حلب

70 عاما بلا وطن - الشتات الثاني - حلب
قيس مراد قدري

الطفولة الأولى ظلت مرسومة كما الوشم في أفئدتنا ونحن نغادر غزة متجهين الى القاهرة فالاسكندرية ثم على ظهر الباخرة التركية سامسون الى بيروت ومنها الى مدينة حلب شمال سوريا .

حلب هي من أكبر المدن السورية وجذورها ضاربة في التاريخ ؛ ويقول المؤرخون أنها بنيت قبل 12200 قبل الميلاد أي أنها أقدم من مدينتي دمشق وأريحا.

أهل حلب معرفون بالطيبة والكرم وحب الحياة والطرب الأصيل ولهم لهجة خاصة بهم تختلف عن بقية لهجات المدن السورية الأخرى كونها تحوي الكثير من الكلمات التركية المعربة بحكم القرب الجغرافي . لذا ؛ كنا نحتاج بعض الوقت لتعلمها والتأقلم مع مجتمعها .

 لهجتنا الغزية شبهها الحلبيون باللهجة المصرية فأطلقوا علينا لقب المصريين ( بضم الميم ) وهي التسمية التي لحقتنا في المرحلة الابتدائية في مدرسة الوليد بن عبد الملك.

 حي الحريري حيث مسكننا الأول في بيت جدي كان قريبا من مدخل مدينة حلب الشمالي وسكانه يعتبرون من أبناء الطبقة الوسطى ونحن كنا الأسرة الفلسطينية الوحيدة بينهم . 

بعد أقل من شهرين قام الجيش الاسرائيلي باحتلال قطاع غزة  في اطار مشاركته في العدوان الثلاثي على مصر ردا على تأميم قناة السويس . غزة كانت ما تزال حاضرة عندنا وكنا نتابع أخبارها عبر الصحافة ؛ أذكر أن والدتي أجهشت بالبكاء عندما وصلتنا صورة للأستاذ صلاح اللبابيدي وزوجته مقتولان بدم بارد وبطريقة بشعة من قبل الجيش الاسرائيلي في نفس البيت الذي كان أول مسكن مستقل لنا بعد مغادرة بيت العائلة في غزة.

بعد عامين من وصولنا الى حلب تمت الوحدة بين مصر وسوريا  وفي أول زيارة للرئيس جمال عبد الناصر خرجت حلب عن بكرة أبيها لاستقباله ؛ كنت وقتها ملتحقا بفريق كشافة المدرسة وحدد لنا الوقوف عند الطريق القريبة من مطار النيرب المتاخيم  لمخيم اللآجئين الفلسطينيين  .

 الموكب كان يسير كالسلحفاة ولا أبالغ ان قلت أن كل عشرة أمتار كانت الذبائح تنحر تحية للضيف الكبير حتى أن الجماهير ومن فرط حبها له حملت السيارة بمن فيها أكثر من مرة . كما أن كثيرون  باتوا عدة ليال أمام مكان اقامته قبل وصوله ليكونوا الأقرب عند القائه خطابه الأول من قصر رجل الأعمال سامي صائم الدهر . يومها حالفني الحظ في لمس يد عبد الناصر وشعرت وقتها كمن امتلك الكون كله. حلب كانت مدينة ناصرية الهوى بامتياز.

أنهيت المرحلة الابتدائية بتقدير عال خولني الالتحاق بثانوية المأمون لاستكمال المرحلتين : الاعدادية والثانوية . هذه المدرسة ومرادفتها ثانوية معاوية للبنات تعتبران من أهم ثانويات سوريا كونهما معقل العمل النضالي وطليعة قيادة التظاهرات التي كثرت في تلك الآونة خصوصا بعد وقوع الانقلاب العسكري عام 1961 الذي أدى الى فصم عرى الوحدة بين مصر وسوريا. قاد الانقلاب العقيد عبد الكريم النحلاوي والعقيد طيار موفق عصاصة وحيدر الكزبري وعفيف البزري ومن الجانب المدني ناظم القدسي الذي أصبح رئيسا للبلاد وخالد العظم ومعروف الدواليبي وهو من قيادات حركة الاخوان المسلمين . من اللحظة الأولى كان واضحا أن قادة الانفصال هم من أنصار حلف بغداد اليميني الذي كان يضم الباكستان وتركيا والعراق والموالي للمعسكر الغربي المعادي لعبد الناصر بشخصه وفكره الوحدوي . 

التيارات السياسية  التي ناوأت الحكومة الانفصالية كانت قومية التوجه  مثل حزب البعث العربي الاشتراكي بقيادة ميشيل عفلق وصلاح البيطار وأكرم الحوراني ؛ وحركة القوميين العرب بزعامة الدكتور جورج حبش وهاني الهندي ؛ وكذا الحزب الشيوعي بقيادة خالد بكداش . 

من حي الحريري انتقلنا الى وسط المدينة في واحدة من أكبر العمارات السكنية وأحدثها ( عمارة الأوقاف ) التي تعتبر الأكثر استراتيجية من حيث الموقع ؛ اذ كانت تطل على ساحة سعد الله الجابري وتبعد خطوات عن مبنى الاذاعة والتلفزيون ؛ وفي الطابق السفلي منها مركز للمخابرات العامة ؛ وفي الخلف مركز قيادة المنطقة الشمالية.

حلب وعدة محافظات أخرى تمردت على حكومة دمشق  بقيادة  العقيد جاسم علوان والمقدم محمد عمران وانضم اليهم لؤي الأتاسي وكانت تبث أناشيد الوحدة وكأنها ما تزال جزء منها وسط  تأييد شعبي عارم ومظاهرات حاشدة تطالب بالعودة الفورية للوحدة بين مصر وسوريا . الدبابات وناقلات الجند كانت منتشرة في كافة الأحياء الرئيسة الا أن هذا التمرد على سلطة الانفصال لم يدم طويلا بعد أن قام الطيران بقصف مقر الاذاعة ووصول كتيبة مدرعات بقيادة حمد عبيد تمركزت عند مدخل حلب من جانب الكلية الأمريكية موجهة مدافعها نحو مدينة حلب الرابضة تحتها . فشل التمرد وظل الشارع الحلبي مواليا للوحدة وحدثت الكثير من القلاقل في تلك الآونة الى أن  جاء يوم الثامن من أذار من العام 1963 حيث نجح الانقلاب العسكري الذي قاده الضابطان محمد عمران وصلاح جديد وهما من أصحاب التوجهات القومية أوهكذا كان يظن  .

 من اللحظة الأولى بدأ البعثيون الاستئثار بالسلطة وخلال أشهر قليلة عين ابن حلب محمد أمين الحافظ رئيسا للبلاد وجرت حملة تسريح أعداد كبيرة من الضباط الوحدويين من الجيش بالترافق مع حملة اعتقالات طالت كل التيارات السياسية الوطنية الأخرى .

تلك كانت المرة الأولى التي عرفت فيها معنى الاعتقال السياسي ؛ يومها اقتادوني الى مركز المخابرات العامة لكنه كان مليئا بالموقوفين وما كان بالامكان استيعابي ثم توجهوا بي الى الشعبة السياسية في منطقة العزيزية فكان الأمر كسابقه وانتهى بهم االمطاف الى ايداعي مؤقتا في السجن العسكري المخصص للهاربين من خدمة العلم . بعد بضع ساعات تمت اعادتي الى الشعبة السياسية حيث كان هناك عدد كبير من الشباب وبينهم صديقي وزميل الدراسة الشاعر عبد الرزاق اسماعيل الذي كان من أكبر محركي التظاهرات بشعره الحماسي .

في الشعبة السياسية دخل علينا ضابط  قصير القامة تفحصنا واحدا واحدا ثم نادى شابا كان يرتدي قميصا أحمر اللون وقام بصفعة صفعة قوية ارتعدت معها فرائصنا من عزمها وشدتها ثم وجه كلامه لنا قائلا: سأحقق معكم تباعا يا كلاب . قلت في نفسي يبدو أن القادم لا يبشر بخير ؛ وهو ما حصل فعلا .

في اليوم الأول اقتادوني منفردا للاطلاع على آخر ما توصلوا له من أدوات التعذيب . كان هناك الدولاب ؛ وعلاقات الشبح ؛ وكرسي التقييد المكهرب ؛ عدة الفلق ومن ثم السياط المصنوعة من جدائل خيوط نحاسية .أي ان لم أتعاون معهم سينتهي الأمر بي بتذوق بعض مما رأيت.

مر اليوم الأول بسلام ولم استدعى للتحقيق لكن رئيس اتحاد الطلبة حسين غازي وهو بعثي الانتماء وأصبح بعد وزيرا للشباب ؛ جاء الى الشعبة السياسية وطلب مني أن أسجل أسماء أعضاء الخلية التي ارئسها والخلية التي أتبعها مقابل الافراج عني . كنت وقتها نصيرا لحركة القوميين العرب وعلاقتي لم تتجاوز تزويدي بمنشورات الحركة وبعض الكتب التي كان يتداولها أبناء الحركة فيما بينهم لتهيئتي للانخراط الكلي . تم الافراج عن أغلب الموقوفين وبقيت أنا وصديقي عبد الرزاق اسماعيل الذي كنت اسمع عن قرب تأوهاته أثناء تعذيبه كونه اعتقل أكثر من مرة سابقا.

في اليوم التالي استدعيت لمكتب الضابط اياه وخلفي وقف اثنان من رجال الأمن . سألني : هل كتبت الأسماء المطلوبة ؟ أجبت بالنفي . لم أتذكر سوى الصفعة الأولى ووجدت نفسي بعدها في مهجع الاعتقال ووجهي منتفخ وبالكاد استطيع فتح عيني فأدركت أني كنت قد فقدت الوعي أثناء التحقيق .

لسبب أو لآخر أفرج عني في اليوم الثالث بعد أن وقعت على ورقة تعهد لم أقرأ حرفا واحدا منها . صحيح أنني لم أمكث طويلا في الاعتقال لكن هذه التجربة تركت أثرا عميقا في نفسي طوال حياتي جعلتني أكره كل أجهزة المخابرات أيا كان موطنها . 

عام 1967 وقعت النكسة وكانت مشاركتي فيها عبر تدريب ما عرف في حينه بالجيش الشعبي كخط دفاع خلفي على استعمال البندقية التشيكية عيار 7-62 التي وزعت للمتطوعين من أبناء حلب.

في بلاد الأنظمة الديكتاتورية من يملك ملفا سياسيا لدى الأجهزة الأمنية توصد في وجهه كل السبل وتتوقف أحلامه المستقبلية وتضيق مساحة خيارته ولا خلاص الا بالخروج بحثا عن الحرية في مكان آخر ؛ وهذا ما كان ؛ ومنذ ذلك التاريخ لم أعد الى سوريا.

( يتبع الهروب الكبير بأوراق ثبوتية مزورة ).