الأخفش والصبانة وماضٍ قد يندثر

الأخفش والصبانة وماضٍ قد يندثر
الأعفش
خاص دنيا الوطن- روزين أبو طيون

يجلس خلف مكتبه بملابسه الرمادية متكئاً على الطاولة في مصبنته، وعلى إذاعة القرآن يبدأ يومه، يضع بيده اليمنى فنجان قهوتهِ المرة وباليسرى سيجارته، يبتسم لا يعلم ملامح المتحدث، لكن يميزهُ من صوته ويتخيله، يأخذ رشفةً من فنجانه؛ ليبدأ حديثه عن حياتهِ وعن المصبنة التي هي جزء منه، برغم ما سببته له من معاناة.

وضاح محمد أبو الروس مواليد 1957 من سكان مدينة نابلس، صاحب مصبنة "أبو الروس" التي ورثها عن أبيه التي تم افتتاحها عام 1924 على يد محمد أبو الروس التي كان حينها من أغنياء نابلس.  لم تتم للمصبنة أي عملية ترميم منذ أن بنيت وهي على حالها، بحجارتها القديمة ورائحة الصابون التي تعبق داخل المكان وسقفها الذي صبغه الزمن باللون الأسود، تصعد طابقها الثاني فتجده مُعبأً بالصابون بأشكاله المربعة والدائرية، وتغمر أنفك بأجمل رائحةٍ تكاد لا تنسى.

بدايةُ حياةٍ جديدة 

بدأ وضاح العمل في المصبنة سنة 1977, كان يقوم على إرشاد العمال على طريقة العمل من ورقةٍ يحملها مكتوبٌ عليها كل الطرق اللازمة حتى حفظ ما فيها عن ظهر قلب، وفي ذات يوم سنة 1978 حدث خرابٌ في "الماطور" كَكُلِ مرة، فحاول إصلاحه، فاكتشف أن الصودا والخميرة تضغط على "الماطور" فقام بإغلاقه بالغطاء، وعند عملية تنفيس الهواء انضغطت وتطايرت الصودا حتى ملأت ملابسه وأصابة عينيه.

يقول "كنت حينها في التاسعة عشرة من عمري, بدأت بفرك عيني من شدة الحرقة حتى لم أستطع رؤية شيء، فأخذوني إلى المستشفى في نابلس بعدها توجهت إلى القدس، وروسيا، ولندن وغيرها من البلدان وكله على حساب عائلتي، وتمت لي 6 عمليات لكن كانت القرنية قد انحرقت، ولإيماني بالله أنا الآن أقفُ أمامك".

وضاح بالرغم مما حصل معه إلا أنه عاد للعمل في المصبنة، ولم يدع اليأس يدخل حياته فيكمل: "في البداية واجهةت صعوبة في المشي داخل المصبنة أو حتى في البيت، ولكن بدأت بإعادة صورة البيت والمصبنة داخل عقلي حتى تذكرتهما بالتفصيل، وهكذا أصبحت أتحرك وحدي دون مساعدةِ أحد".

تاريخ الصنعة وانهيارها

لمصبنة أبو الروس تاريخها العريق فيقول وضاح: "كنا نصدر لعدة دول عربية وأجنبية أيضاً، وكان للصابونة النابلسية تاريخها العريق، فقد كانت موجودة في كل بيت، ولكن الآن قل الطلب عليها كثيراً حتى كاد أن ينعدم، وللأسف لا يوجد دعم للصناعات التقليدية بعكس الدول الأوربية التي تهتم بهذه الصناعات وترفع عنهم الضرائب".

"هناك عدة أسباب لتراجع صناعة الصابونة النابلسية ومنها ارتفاع سعر الزيت، وعدم وجود دعم، وظهور الصابونة الجديدة ولجوء الناس لها كبديل عن الصابونة النابلسية، ولزيادة الضرائب".

في نهاية الحديث، اعتبر وضاح نفسه إنساناً عادياً ولم يهتم بما أصابه بقدر اهتمامه بما حل بصنعة الصابون النابلسي، وتمنى لو أن يتم تقدير هذه الصنعة والاهتمام بها، وأن تهتم الدولة بهذه الصناعات وإعادتها إلى السوق كما سبق بشكلٍ واسع.

وضاح محمد أبو الروس "أبو ماهر" هو الآن في عمر الستين وأبٌ لولدين، درس تجارة وتخرج من الجامعة في لبنان، يعيش حياة بسيطة وسعيدة، ويحاول أن يقدم لأولاده كل ما يتمنونه لتكون حياتهم سعيدة، ويعمل في المصبنة لعلها ذات يوم تعود هذه الصنعة لما كانت عليه.