موائمة مخططات البناء مسؤولية اجتماعية لضمان حق ذوي الإعاقة في الوصول

موائمة مخططات البناء مسؤولية اجتماعية لضمان حق ذوي الإعاقة في الوصول
رام الله - دنيا الوطن - سالم الريس
يعاني الأشخاص من ذوي الإعاقة في قطاع غزة، العديد من المشاكل الحياتية. وذلك بسبب الجهل وقلة الثقافة المجتمعية بقضايا ذوي الإعاقة ومتطلباتهم من أجل حياة كريمة عادلة. وتقع ضمن المشاكل اليومية التي يواجهها ذوي الإعاقة من عدم موائمة للأماكن والمباني العامة والخاصة بما يتناسب مع احتياجات مختلف أنواع الإعاقات.

المواطن أثناء تجوله في شوارع مدن وقرى القطاع، يلاحظ وجود المنحدرات على مداخل البنايات العامة وبعض البنايات الخاصة بمقاسات وأحجام وأشكال مختلفة، فيعتقد بأن وجودهم كافي لتسهيل وصول الأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن.

ولكن هل فعلاً المنحدرات التي نراها تناسب الأشخاص ذوي الإعاقة؟ وهل تلك المنحدرات والتدابير كافية وملبية لاحتياجات جميع أنواع الإعاقات؟ ومن هي الجهة التي يقع على عاتقها فرض الموائمة المناسبة في المباني والأماكن العامة "البلديات، وزارة الحكم المحلي، نقابة المهندسين"؟.

نقابة المهندسين

تعتبر نقابة المهندسين هي الجهة الرقابية على عمل المكاتب الهندسية التي تقوم برسم تصميمات وخرائط المباني الجديدة، حيث تقوم النقابة بتدقيق ومراقبة مخططات المهندسين من خلال لجنة تدقيق فنية متواجدة في النقابة تتألف من جميع التخصصات.

المهندس حسن المدهون من نقابة المهندسين، قال "تدقق اللجنة الفنية المخططات من الناحية الهندسية ومن ناحية مطابقتها للمعايير، آخذة بعين الاعتبار موائمة مخططات المباني مع احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة"، مفرقاً بين المبنى العام والخاص "إذا كان المبنى خاص لا نتدخل كثيراً ونكتفي بالنصيحة، في حين أننا ندقق على المباني العامة والاستثمارية ونلزم المهندسين بالموائمة في مخططاتهم".

وأكد على أن الجهات المنفذة للمباني العامة غالباً ما يأخذوا بعين الاعتبار موائمة المباني بما يتناسب مع الأشخاص ذوي الإعاقة، ولكن في المباني الاستثمارية غالباً ما يتجنبوا تنفيذ الموائمة الموضحة ضمن المخططات الهندسية على أرض الواقع.

وأصدرت نقابة المهندسين قبل سنوات كتيب يحتوي على إرشادات ومقاسات خاصة للموائمة بما يتناسب مع ذوي الإعاقة، بحيث يتم تشجيع المهندسين على الموائمة في مخططاتهم من خلال توفير المقاسات الصحيحة، بالإضافة إلى عملها جولات ميدانية للمهندسين على بعض الأماكن الموائمة لاطلاعهم عليها بشكل عملي.

ونوه المدهون إلى أن نقابة المهندسين تشجع على موائمة المباني بما يتناسب مع ذوي الإعاقة، إلا أنها لا تمتلك إلزام المواطنين بالموائمة، ويعتقد أن مشكلة عدم الالتزام بالموائمة في أساسها توعوية وثقافية وليست مادية، حيث أن التكلفة المادية لا تعد عائقاً أمام المستثمرين أو الجهات الداعمة والمانحة للمباني العامة.

دور البلديات

من المتعارف عليه بين المواطنين أن من يقرر انشاء مبنى جديد سواء كان مبنى خاص أو عام، عليه أن يتوجه لدائرة التنظيم والتخطيط العمراني في البلدية، لتقديم المخططات الهندسية المصممة حسب شروط البلدية بهدف استصدار ترخيص للبناء.

إلا أن المهندس مؤنس فارس مدير دائرة التنظيم والتخطيط العمراني في بلدية غزة، أكد على أن الشروط التي تطلبها البلدية في المباني، دائماً ما تكون شروط تنظيمية، أما بخصوص شروط موائمة المباني للأشخاص ذوي الإعاقة، قال "يتم تطبيق ذلك في المباني العامة فقط حتى اللحظة، أما في المباني الخاصة أو الاستثمارية فلا يتم اشتراط الموائمة تلك المباني".

وأوضح إلى أن البلدية تضع بعض الشروط الخاصة في المباني العامة، مثل الممرات والمنحدرات والأدراج والمصاعد والحمامات الخاصة بذوي الإعاقة ومواقف السيارات حسب مواصفات معينة، إلى جانب تحديد مواقع الأبواب وارتفاع يد الباب والشبابيك وصالات المداخل واللوحات الارشادية للأماكن.

وأشار فارس إلى أن البلدية تحاول توفير بعض شروط الموائمة الخاصة لاستخدامات الأشخاص ذوي الإعاقة في أرصفة الشوارع والحدائق العامة والممرات العامة بهدف تسهيل حركة وصول ذوي الإعاقة إلى جميع الأماكن العامة.

بلدية غزة ومنذ العام 2000م وضعت بعض الشروط العامة لموائمة المباني والأماكن العامة، حيث حددت نسبة الميل في المنحدرات والتي يجب ألا تزيد عن 6% وألا يقل عرض المنحدرات عن 90سم للكرسي الواحد و180 للكرسيين وتزويد المنحدرات بدربزين بارتفاع 95سم.

ويعتقد مدير دائرة التنظيم والتخطيط، أن موائمة المباني تحتاج إلى تكلفة مادية، وهو الأمر الذي يدفع أصحاب المباني الاستثمارية إلى عدم التنفيذ أو تنفيذ بعض الأساسيات، في حين أن المباني العامة مثل المستشفيات والمساجد تضع الموائمة بعين الاعتبار لأن تمويلها خارجي ويستخدمها جميع الفئات من المجتمع.

 

من جانبه قال المهندس فراس الشيخ علي في دائرة التنظيم والتخطيط في بلدية النصيرات "دورنا فحص المخططات الهندسية والأبعاد القانونية للمباني السكنية، ولا نطالب بالموائمة لأنها بنايات خاصة، في حين نشترط وجود منحدرات في المباني الحكومية والمساجد وإضافة المصاعد في المباني المرتفعة".

وأشار إلى أن اشتراطاتهم لا تفرض أي مقاييس على المنحدرات والمصاعد لعدم وجود قوانين تحدد ذلك، منوهاً إلى أن البلدية لا تعير موضوع الموائمة كثيراً بسبب أن مدينتهم شبه خالية من المباني الحكومية والأماكن العامة، كما أن غالبية المباني بها ليست مرتفعة.

الحكم المحلي

المهندس صبحي سكيك المدير العام للتخطيط والتنظيم في وزارة الحكم المحلي، أشار إلى أن وزارته ومنذ العام 2012م، أولت موضوع موائمة المباني للأشخاص ذوي الإعاقة أولوية كبيرة، حيث أصدرت اللجنة المركزية بالوزارة "وهي أعلى لجنة تنظيم على مستوى محافظات غزة" قرار تعميم على جميع بلديات القطاع قرار رقم 28/2012.

ينص القرار على ضرورة مراعاة احتياجات وموائمة المباني الحكومية للأشخاص ذوي الإعاقة، موضحاً القرار العديد من الاشتراطات، مثل توفير المداخل والممرات ودورات المياه وموقف للسيارات خاص بذوي الإعاقة.

وبناءً على قرار العام 2012 تم منع ترخيص أي مبنى حكومي دون توفير تلك الاشتراطات، وباتت المشكلة في المباني الحكومية التي بنيت قبل ذلك القرار، هنا طلبت الدائرة العامة للتخطيط العمراني بالوزارة تشكيل لجنة مشتركة بين الوزارة والبلديات وكل بلدية على حدا حتى يتم حصر المؤسسات الحكومية القائمة التي لا يسري عليها قرار الملائمة.

وأوضح سكيك أن الهدف هو حصر المباني وتحديد الجوانب الغير موائمة في كل مبنى من خلال تصاميم جديدة كمرحلة أولى، يتم بعد ذلك بحث كيفية موائمة كل مبنى على حدا في مراحل متقدمة.

بعد دراسة قرار اللجنة المركزية رقم 28/2012 من قبل الإدارة العامة للتخطيط العمراني في الوزارة، وجدوا أنه غير كافي وبحاجة إلى تفاصيل أكثر في المواصفات، وقدموا لوكيل الوزارة دراسة فنية لتثري القرارات متعمقين في أدق التفاصيل ومراعين ظروف جميع أنواع الإعاقات "حركية، بصرية، سمعية".

وقال سكيك "من خلال الدراسة الفني سعينا إلى تحقيق مستقبل البيئة المستقبلية المستدامة بمعنى أن ندخل في تخطيط الشوارع والأرصفة واشارات المرور والحدائق والمولات والمساجد وجميع المباني والأماكن، وجهزنا الدراسة الفنية حتى نعطي الموضوع قيمة واهتمام أكبر".

وأوضح إلى أن الدراسة الفنية تعتمد على تعميمها من اللجنة المركزية على المهندسين والبلديات والمؤسسات الحكومية والداعمة أيضاً، يسبب أن المانحين هم الأساس حالياً فإذا اشترط المانح موافقة اللجنة المركزية في حينها ستجبر البلدية على الرجوع للوزارة والموافقة على اشتراطاتنا وتوضيحاتنا بما يتلائم مع موائمة الأماكن بشكل دقيق وستلتزم البلدية.

ونوه سكيك، إلى أن وزارته مسئولة على حدود الشارع ومساحته فقط، في حين أن كل ما يقع ضمن مساحة الشارع مثل إشارات المرور والأرصفة وغيره هو من مسئولية البلدية، ولكن ضمن اقتراحات الدائرة العامة للتخطيط وبعد الموافقة على مخطط الشارع سيتم طلب مخطط تصميم للشارع من البلدية كي يتم مراعاة الميول والأرصفة والاتجاهات بما يوائم الأشخاص ذوي الإعاقة على مختلف إعاقاتهم.

الرقابة على المباني

وحول الدور الرقابي للنقابة على عملية الموائمة، أوضح المهندس المدهون أن الدور الرقابي للنقابة يتوقف على المخططات الهندسية فقط، مضيفاً بأن المشكلة تقع أثناء تنفيذ المخططات والتي لا تملك النقابة حينها أي دور رقابي أو إلزامي.

ورأى بأنه لا يوجد دور رقابي فعلي في الوقت الحالي، مرجعاً ذلك إلى اعتبار موائمة المباني من الكماليات وليس من الأساسيات في نظر المؤسسات الرسمية والحكومية، وقال "هذه المنطقة المعتبرة من الكماليات لا يوجد من يراقب عليها".

أما المهندس سكيك، قال إن الحكم المحلي جهة إشرافية وليست جهة تنفيذية مثل وزارة الأشغال والبلديات، حيث لا تستطيع الوزارة إلزام البلديات تنفيذ ما تطالبهم به، مشدداً على أن التنفيذ على أرض الواقع من يلام عليه هو الجهة التي أشرفت على التنفيذ، وهي البلدية أو المانح، في حين أن الوزارة لا تلام لأنها لا تصدر أي تراخيص بناء تكون مخططاتها الهندسية غير موائمة.

وبحسب المهندس فارس فإن الدور الرقابي للبلديات هو دور جزئي، وذلك بسبب أن دورهم يتعلق بالتنظيم والتخطيط والترخيص، وضمن آلية عملهم يجب على صاحب البناية أن يقدم ضمن الأوراق المطلوبة للترخيص عقد إشراف من مكتب هندسي وهو من يقوم بالالتزام بالإشراف على تنفيذ البناية حسب المخططات المرخصة من البلدية، محملاً مسئولية تنفيذ المخططات من عدمها إلى المهندس المشرف بحسب العقد المقدم لهم.

وكشف عن وجود جلسات حالية بين بلدية غزة ونقابة المهندسين لمناقشة عقد الاشراف مع المكاتب الهندسية، والذي تسعى من خلاله البلدية إلى تقسيم عقد الإشراف إلى مراحل بحيث تستطيع البلدية تدارك الأخطاء في البنايات في كل مرحلة يتم الانتهاء منها من خلال دورها الرقابي.

معضلات تعيق الموائمة

رغم إشارة ممثلي البلديات والحكم المحلي ونقابة المهندسين إلى أن هناك موائمة مطبقة على المخططات الهندسية وفي المنشآت العامة، إلا أن عبد الرحمن المزعنن مدير مؤسسة بيتنا رأى وجود معضلة حقيقية على أرض الواقع تتمثل في عدم وجود خطة تنمية مستدامة.

وأوضح أن الموائمة المنصوصة في القانون شبه غير مطبقة على أرض الواقع، رغم توقيع البلديات ميثاق شرف أدبي مع مؤسسات ذوي الإعاقة يلزمها بإصدار التعليمات لدوائرها الهندسية بتطبيق الموائمة، منوهاً إلى ضرورة مراقبة وزارة الحكم المحلي ووزارة الشئون الاجتماعية الراعية لقانون الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 4 لعام 1999 ومجموعة من المؤسسات الأهلية الفاعلة الممثلة لذوي الإعاقة.

ورغم عقد العديد من النقاشات والحوارات التفاكرية حول آلية تطبيق الموائمة بين المؤسسات الأهلية والحكومية إلا أن المشكلة الحقيقية تتمثل في عجز بالإمكانيات في آليات المتابعة وهي من أهم المعضلات التي تواجه الأشخاص ذوي الإعاقة بحسب المزعنن.

وأضاف "لدينا فهم منقوص لمسألة الموائمة جميع المتحدثين عن الموائمة مروراً بالجسم الحكومي والمؤسسات الأهلية، تفهم الموائمة فقط موائمة للإعاقة الحركية، ولكن الموائمة هو مفهوم شامل يتعلق بسهولة الوصول جميع أنواع الاعاقات البصرية والسمعية والحركية وغيرها".

وأشار إلى أن هناك معايير دولية للموائمة ويجب أن تطبق في قطاع غزة كون فلسطين أصبحت دولة، ووقعت على ميثاق الاتفاقية الدولية للأشخاص ذوي الإعاقة، موضحاً وجود جزء من المعايير الدولية تتعارض مع القانون الفلسطيني لذوي الإعاقة يجب تعديلها قانونياً.

ومن جانبها أشارت حنين السماك مناصرة وخبيرة في قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة، إلى وجود تجاوب من قبل البلديات في قطاع غزة في قضايا موائمة المباني للأشخاص ذوي الإعاقة في الفترة الأخيرة، معتقدة أن الإشكاليات الحالية تتمثل في آليات التنفيذ، وسببها عدم معرفة ووعي مهندسي البلدية في الموائمة وأساسياتها إضافة إلى تعاملهم مع الموائمة على أنها موضوع ثانوي غير ذات أهمية.

وقالت "عندما تقدم المخططات الهندسية للمباني من أشخاص ذوي إعاقة أو من أسرهم يتم التعامل معها، ولكن لا تفرض البلدية على أي جهة موائمة مبانيها الجديدة"، وتابعت "بعض البلديات لا تضع معايير الموائمة في منشئاتها على الرغم أن الممول يفرضها في بعض المجالات، ولكنهم لا يطبقونها".

واتفقت السماك مع المزعنن على ضرورة وضع خطة تنمية مستدامة بمشاركة كافة المؤسسات الحكومية والدولية والمؤسسات الأهلية المعنية بذوي الإعاقة بالإضافة إلي ذوي الإعاقة أنفسهم، بهدف الوصول لحلول مشتركة وتوزيع الأدوار للخروج من المأزق الحالي الذي يعاني بسببه ذوي الإعاقة من عدم تطبيق الموائمة.