70 عاما بلا وطن / الشتات الأول - غزة
قيس مراد قدري
ماذا يعني أن تعيش حياتك كلها بلا وطن تعود اليه كلما شدك الحنين للأهل والصحبة ولأول منزل أبصرت فيه النور ؟ لا أحد يعرف معنى وقيمة الوطن الا من يفقده . عالم بأكمله تآمر وتكالب على شعب أعزل وانتزعه من أرضه وأحل مكانه شذاذ آفاق جاءوا بهم من كل أصقاع الأرض تحت دعاوى ميثولوجية كاذبة تخفي وراءها أجندات كولونيالية ونحن كنا الضحية.
حدث هذا عام 1948 من القرن الماضي ؛ وبدلا من أن يكون يوم 15 أيار هو يوم استقلال للفلسطينيين والاحتفال بخروج آخر جندي بريطاني عن أرضهم ؛ وقعت النكبة ؛ ودمرت وأحرقت مدنا وقرى وارتكبت العديد من المجازر بحق السكان الأصليين على يد عصابات صهيونية كانت تمتلك كل أدوات الانتصار على شعب لا يملك ما يدافع فيه عن نفسه في ظل واقع عربي ضعيف ومهلهل ؛ بعضه كان حديث الاستقلال وحكومات في جلها كانت صنيعة استعمارية ؛ وبدلا من أن ينتصروا لشقيقتهم الصغرى فلسطين ساهموا في نكبتها وما زال الفلسطينيون يتجرعون مرارة تلك المؤامرة.
عندما وقعت النكبة لم أكن بعد قد أكملت عامي الثاني وما كان بمقدوري تذكر يوم مولدي في حيفا ولا ادرك ما جرى ويجري حولي ؛ والرواية الحقيقية هي ما رواها لنا الأهل عندما اشتد عودنا وأصبحنا ندرك المأساة التي ورثناها عنهم .
حدثتني والدتي اذ قالت : أنا كنا نسكن في مجدل عسقلان بحكم عمل الوالد مفتشا عاما للصحة وفي يوم رمضاني من عام النكبة حضرت عمتي من القدس مع أبنائها لمشاركتنا في طقوس الشهر الفضيل . صلاح كان أصغر ذكورها ولم يكمل عقده الأول ؛ كان يومها واقفا على الشرفة بانتظار سماع مدفع الافطار عندما أسقطت طائرة اسرائيلية ( قازان ) أي برميل كبير مليء بالغاز المضغوط انفجر بالقرب من منزلنا أدى الى سحب عيني صلاح من محجريهما فكان ذلك آخر يوم في حياته مبصرا لما حوله.
في الدور الأرضي من مسكننا أدى الانفجار الى تكسر مرآة كبيرة ذبحت شظاياها ربة البيت من الوريد الى الوريد وأصابت من تبقى من الأسرة بجراح متفاوتة.
أمام بشاعة ودموية المشهد كان لابد من النجاة بالنفس من موت كان محقق ؛ وبدأت رحلة التشرد والشتات الأول . أسرتنا حملت ما تيسر وسارت مدة ستة أيام هائمة على وجهها بين الحقول قاصدين قطاع غزة الى ما سمي بيت العائلة في حي الزيتون في قطاع غزة ( بيت شقيق جدتي لوالدي الأميرلاي محمود عادل البورنو ( أميرلاي هي رتبة من مخلفات العهد العثماني ).
كان البيت كبيرا ونزلاؤه تقاطروا من كل المدن الفلسطينية . عماتي الثلاث وأبنائهم وأزواجهم والكل كان يظن واهما أن اقامتهم مؤقتة بانتظار قيام جيش الانقاذ العربي المشكل من ثمان دول عربية بقيادة الضابط السوري فوزي القاوقجي والذي كان أقل عددا وعتادا من القوات الصهيونية بتحريرالبلاد وعودة الجميع الى منازلهم الأولى .
طال الانتظار ورحل الرعيل الأول والثاني حتى نحن أصبحنا مشاريع رحيل ولما يتحقق حلم العودة بعد .
الطفولة الأولى
أول بيت استقرت فيه أسرتنا الصغيرة كان في حي الصبرة حيث أقمنا فيه عدة سنوات ؛وتنقلنا فيه بين منزلين لازلت أذكر بعضا من صور ذلك الماضي البعيد . كان المنزل مطلا على شارع الثلاثين الممتد من جبهة القتال مع العدو الاسرائيلي حتى شاطيء البحر .
في هذا الشارع كنا نرقب ناقلات الجند المتجهة نحو جبهة القتال أو العائدة منها . وهو نفس الطريق الذي الذي كانت تسلكه قوات الهجانة السودانية الذين كانوا يمتطون ظهور الجمال ؛ وبدون سابق انذار ما عدنا نراهم ؛ وقد قيل في حينها أن القوات الاسرائيلية قد داهمت معسكرهم وذبحتهم عن بكرة أبيهم وهم نيام في خيامهم ( مذبحة الكونتيلا ).
ككل الأطفال لم نكن آبهين بم آل اليه حالنا بسبب النكبة التي حلت بالبلاد وكان لا بد من تفريغ طاقاتنا المختزنة عن طريق اللعب . ألعابنا كلها كانت من صنع أيدينا . الدحيلة : وهي عبارة عن القسم المعدني من اطار دراجة هوائية نجرها أمامنا بسلك مقوس عند طرفها يساعد على التحكم فيها أثناء الانطلاق بها جريا . أو لعبة ال 7 حجار ( السفطة ) التي تحتاج الى فريقين ؛ حيث تنضد الأحجار فوق بعضها البعض ويتم ضربها بكرة غالبا ما تكون مصنوعة من جوارب قديمة لتسقط وتتبعثر ويحاول أحد الفريقين اعادة موضعتها متفاديا الاصابة بالكرة كي لا يمنى بالخسارة . المحظوظ بيننا هو من كان يصنع دراجة ببيليا مستوردة من السويد تشبه الى حد كبير ما يستعمله أطفال هذه الأيام لكن بتقنية بدائية . هناك ألعاب أخرى موسمية الطابع مثل نوى المشمش والبنانير وسواها ... قمة الفرح كانت عند الذهاب في نهاية الأسبوع الى سينما السامر واستتباعها بأكلة بوظة من محل كاظم ومن ثم ارتياد شاطيء الليدو للسباحة في البحر .
في المساء كانت تمر من أمام بيتنا عراضات زفة العريس ؛ كنا نسميها " فدعوس " وعرفت مؤخرا أن كلمة فدعوس لا تعني الزفة نفسها بل هي كناية عن العائلة التي تتعهد الفعالية . في الزفة كان العريس وأسرته والمقربين وآل العروس يجوبون الشوارع متأبطين ذراع العريس وحاملين ( لوكسات اضاءه ) يتقدمهم عازفي طبول ؛ وكلما مروا من أمام منزل تتم المباركة اما برش الأرز أو بسكب الروائح العطرية على العريس ؛ وهو ما كان يفعله والدي الذي كان يخزن الكثير من زجاجات عطر ال 555 المشهور في تلك الأيام .
الاذاعة الاسرائيلية كانت تبث برنامج " سفينة نوح " وهو برنامج فكاهي باللهجة الفلسطينية العامية لكنه كان برنامجا مسيسا ؛ والفلسطينيون كانوا يستمتعون بسماع خراريف أبو طافش وأبو خليل . لكن عندما كان والدي ينهال بالسباب أعرف أنه كان يستمع للمعلق اليهودي الأخنف داوود الناطور واسمه الحقيقي الياهو ناوي وهو من مواليد البصرة كونه كان يتهكم على الفلسطينيين بشكل خاص وعلى العرب والاسلام والمسلمين .
مدارس وكالة غوث اللآجئين الفلسطينيين ( الأنروا ) كان لها طقوس معينة ؛ ففي مطلع كل عام دراسي الكل حليق الشعر على الزيرو ؛ ثم رش كل طالب على حدة بمادة ال د د ت تحت الملابس بعدها نجبرعلى شرب حليب الوكالة وتناول حبوب زيت السمك والأسوأ عندما لا تتوفر الكبسولات المجلتنة وعلينا تناولها سائلة بالملعقة .
في مدرسة الامام الشافعي الابتدائية كانت بداية تحسس النكبة التي حلت في فلسطين اذ كان لكل فصل من فصولها خندق في ملعب المدرسة نهرع اليه كلما أغارت الطائرات الاسرائيلية على القطاع .
ونحن أطفال صغار كنا نشعر بكثير الفخر والاعتزاز برؤية طلاب ثانوية فلسطين وهم يتمخترون ببذاتهم العسكرية لأننا كنا نرى فيهم طلائع التحرير لاستعادة حقوقنا المسلوبة .
المرة الأولى التي سمعت فيها اسم معين بسيسو كان عام 1953 اذ برز كأحد القيادات الطلابية عندما خرجت مظاهرات ضخمة في كل أنحاء القطاع وأضرمت النار في مقار الأنروا .
( علاقتي بمعين توطدت بعد أكثر من نصف قرن من الزمان في بيروت عندما أصبح رئيس تحرير مجلة لوتس لاتحاد الكتاب والصحفيين الآفرو- آسيويين حيث عهد لي ترجمة كل قصائد الرئيس أوغستينو نيتو في أول اصدار للمجلة باللغة العربية ).
في تلك الأيام كانت وتيرة الأعمال الفدائية في تزايد مستمر بقيادة العميد مصطفى حافظ ؛ وهو ضابط مخابرات مصري أوفده الرئيس جمال عبد الناصر للقيام بهذه المهمة . العمليات الفدائية أرقت الكيان الصهيوني كثيرا وكبدته خسائر كبيرة في العتاد والأرواح لذا كان الاسرائيليون يعتبرون مصطفى حافظ عدوهم الأول ولا بد من تصفيته جسديا ؛ وهو ما تحقق لهم عام 1956 عندما دبروا له مكيدة محكمة أدت الى اغتياله بواسطة طرد ملغم بعد أن رصدت لذلك مبلغ 10000 دولار ؛ وهو مبلغ كبير جدا في مقاييس ذلك الزمان .
برحيله خسرت المقاومة الفلسطينية قائدا فذا لعب دورا محوريا في تأسيس العمل الفدائي والكفاح المسلح . وعندما اجتاحت القوات الاسرائيلية قطاع غزة لاحقا في ذلك العام وجدت داخل أكثر البيوت التي داهمتها صورا للشهيد مصطفى حافظ معلقة على الجدران .
في نفس العام توفي والدي ومع رحيله كانت نهاية شتاتنا الأول وبداية الشتات الثاني .
( يتبع ؛ الشتات الثاني – حلب )
ماذا يعني أن تعيش حياتك كلها بلا وطن تعود اليه كلما شدك الحنين للأهل والصحبة ولأول منزل أبصرت فيه النور ؟ لا أحد يعرف معنى وقيمة الوطن الا من يفقده . عالم بأكمله تآمر وتكالب على شعب أعزل وانتزعه من أرضه وأحل مكانه شذاذ آفاق جاءوا بهم من كل أصقاع الأرض تحت دعاوى ميثولوجية كاذبة تخفي وراءها أجندات كولونيالية ونحن كنا الضحية.
حدث هذا عام 1948 من القرن الماضي ؛ وبدلا من أن يكون يوم 15 أيار هو يوم استقلال للفلسطينيين والاحتفال بخروج آخر جندي بريطاني عن أرضهم ؛ وقعت النكبة ؛ ودمرت وأحرقت مدنا وقرى وارتكبت العديد من المجازر بحق السكان الأصليين على يد عصابات صهيونية كانت تمتلك كل أدوات الانتصار على شعب لا يملك ما يدافع فيه عن نفسه في ظل واقع عربي ضعيف ومهلهل ؛ بعضه كان حديث الاستقلال وحكومات في جلها كانت صنيعة استعمارية ؛ وبدلا من أن ينتصروا لشقيقتهم الصغرى فلسطين ساهموا في نكبتها وما زال الفلسطينيون يتجرعون مرارة تلك المؤامرة.
عندما وقعت النكبة لم أكن بعد قد أكملت عامي الثاني وما كان بمقدوري تذكر يوم مولدي في حيفا ولا ادرك ما جرى ويجري حولي ؛ والرواية الحقيقية هي ما رواها لنا الأهل عندما اشتد عودنا وأصبحنا ندرك المأساة التي ورثناها عنهم .
حدثتني والدتي اذ قالت : أنا كنا نسكن في مجدل عسقلان بحكم عمل الوالد مفتشا عاما للصحة وفي يوم رمضاني من عام النكبة حضرت عمتي من القدس مع أبنائها لمشاركتنا في طقوس الشهر الفضيل . صلاح كان أصغر ذكورها ولم يكمل عقده الأول ؛ كان يومها واقفا على الشرفة بانتظار سماع مدفع الافطار عندما أسقطت طائرة اسرائيلية ( قازان ) أي برميل كبير مليء بالغاز المضغوط انفجر بالقرب من منزلنا أدى الى سحب عيني صلاح من محجريهما فكان ذلك آخر يوم في حياته مبصرا لما حوله.
في الدور الأرضي من مسكننا أدى الانفجار الى تكسر مرآة كبيرة ذبحت شظاياها ربة البيت من الوريد الى الوريد وأصابت من تبقى من الأسرة بجراح متفاوتة.
أمام بشاعة ودموية المشهد كان لابد من النجاة بالنفس من موت كان محقق ؛ وبدأت رحلة التشرد والشتات الأول . أسرتنا حملت ما تيسر وسارت مدة ستة أيام هائمة على وجهها بين الحقول قاصدين قطاع غزة الى ما سمي بيت العائلة في حي الزيتون في قطاع غزة ( بيت شقيق جدتي لوالدي الأميرلاي محمود عادل البورنو ( أميرلاي هي رتبة من مخلفات العهد العثماني ).
كان البيت كبيرا ونزلاؤه تقاطروا من كل المدن الفلسطينية . عماتي الثلاث وأبنائهم وأزواجهم والكل كان يظن واهما أن اقامتهم مؤقتة بانتظار قيام جيش الانقاذ العربي المشكل من ثمان دول عربية بقيادة الضابط السوري فوزي القاوقجي والذي كان أقل عددا وعتادا من القوات الصهيونية بتحريرالبلاد وعودة الجميع الى منازلهم الأولى .
طال الانتظار ورحل الرعيل الأول والثاني حتى نحن أصبحنا مشاريع رحيل ولما يتحقق حلم العودة بعد .
الطفولة الأولى
أول بيت استقرت فيه أسرتنا الصغيرة كان في حي الصبرة حيث أقمنا فيه عدة سنوات ؛وتنقلنا فيه بين منزلين لازلت أذكر بعضا من صور ذلك الماضي البعيد . كان المنزل مطلا على شارع الثلاثين الممتد من جبهة القتال مع العدو الاسرائيلي حتى شاطيء البحر .
في هذا الشارع كنا نرقب ناقلات الجند المتجهة نحو جبهة القتال أو العائدة منها . وهو نفس الطريق الذي الذي كانت تسلكه قوات الهجانة السودانية الذين كانوا يمتطون ظهور الجمال ؛ وبدون سابق انذار ما عدنا نراهم ؛ وقد قيل في حينها أن القوات الاسرائيلية قد داهمت معسكرهم وذبحتهم عن بكرة أبيهم وهم نيام في خيامهم ( مذبحة الكونتيلا ).
ككل الأطفال لم نكن آبهين بم آل اليه حالنا بسبب النكبة التي حلت بالبلاد وكان لا بد من تفريغ طاقاتنا المختزنة عن طريق اللعب . ألعابنا كلها كانت من صنع أيدينا . الدحيلة : وهي عبارة عن القسم المعدني من اطار دراجة هوائية نجرها أمامنا بسلك مقوس عند طرفها يساعد على التحكم فيها أثناء الانطلاق بها جريا . أو لعبة ال 7 حجار ( السفطة ) التي تحتاج الى فريقين ؛ حيث تنضد الأحجار فوق بعضها البعض ويتم ضربها بكرة غالبا ما تكون مصنوعة من جوارب قديمة لتسقط وتتبعثر ويحاول أحد الفريقين اعادة موضعتها متفاديا الاصابة بالكرة كي لا يمنى بالخسارة . المحظوظ بيننا هو من كان يصنع دراجة ببيليا مستوردة من السويد تشبه الى حد كبير ما يستعمله أطفال هذه الأيام لكن بتقنية بدائية . هناك ألعاب أخرى موسمية الطابع مثل نوى المشمش والبنانير وسواها ... قمة الفرح كانت عند الذهاب في نهاية الأسبوع الى سينما السامر واستتباعها بأكلة بوظة من محل كاظم ومن ثم ارتياد شاطيء الليدو للسباحة في البحر .
في المساء كانت تمر من أمام بيتنا عراضات زفة العريس ؛ كنا نسميها " فدعوس " وعرفت مؤخرا أن كلمة فدعوس لا تعني الزفة نفسها بل هي كناية عن العائلة التي تتعهد الفعالية . في الزفة كان العريس وأسرته والمقربين وآل العروس يجوبون الشوارع متأبطين ذراع العريس وحاملين ( لوكسات اضاءه ) يتقدمهم عازفي طبول ؛ وكلما مروا من أمام منزل تتم المباركة اما برش الأرز أو بسكب الروائح العطرية على العريس ؛ وهو ما كان يفعله والدي الذي كان يخزن الكثير من زجاجات عطر ال 555 المشهور في تلك الأيام .
الاذاعة الاسرائيلية كانت تبث برنامج " سفينة نوح " وهو برنامج فكاهي باللهجة الفلسطينية العامية لكنه كان برنامجا مسيسا ؛ والفلسطينيون كانوا يستمتعون بسماع خراريف أبو طافش وأبو خليل . لكن عندما كان والدي ينهال بالسباب أعرف أنه كان يستمع للمعلق اليهودي الأخنف داوود الناطور واسمه الحقيقي الياهو ناوي وهو من مواليد البصرة كونه كان يتهكم على الفلسطينيين بشكل خاص وعلى العرب والاسلام والمسلمين .
مدارس وكالة غوث اللآجئين الفلسطينيين ( الأنروا ) كان لها طقوس معينة ؛ ففي مطلع كل عام دراسي الكل حليق الشعر على الزيرو ؛ ثم رش كل طالب على حدة بمادة ال د د ت تحت الملابس بعدها نجبرعلى شرب حليب الوكالة وتناول حبوب زيت السمك والأسوأ عندما لا تتوفر الكبسولات المجلتنة وعلينا تناولها سائلة بالملعقة .
في مدرسة الامام الشافعي الابتدائية كانت بداية تحسس النكبة التي حلت في فلسطين اذ كان لكل فصل من فصولها خندق في ملعب المدرسة نهرع اليه كلما أغارت الطائرات الاسرائيلية على القطاع .
ونحن أطفال صغار كنا نشعر بكثير الفخر والاعتزاز برؤية طلاب ثانوية فلسطين وهم يتمخترون ببذاتهم العسكرية لأننا كنا نرى فيهم طلائع التحرير لاستعادة حقوقنا المسلوبة .
المرة الأولى التي سمعت فيها اسم معين بسيسو كان عام 1953 اذ برز كأحد القيادات الطلابية عندما خرجت مظاهرات ضخمة في كل أنحاء القطاع وأضرمت النار في مقار الأنروا .
( علاقتي بمعين توطدت بعد أكثر من نصف قرن من الزمان في بيروت عندما أصبح رئيس تحرير مجلة لوتس لاتحاد الكتاب والصحفيين الآفرو- آسيويين حيث عهد لي ترجمة كل قصائد الرئيس أوغستينو نيتو في أول اصدار للمجلة باللغة العربية ).
في تلك الأيام كانت وتيرة الأعمال الفدائية في تزايد مستمر بقيادة العميد مصطفى حافظ ؛ وهو ضابط مخابرات مصري أوفده الرئيس جمال عبد الناصر للقيام بهذه المهمة . العمليات الفدائية أرقت الكيان الصهيوني كثيرا وكبدته خسائر كبيرة في العتاد والأرواح لذا كان الاسرائيليون يعتبرون مصطفى حافظ عدوهم الأول ولا بد من تصفيته جسديا ؛ وهو ما تحقق لهم عام 1956 عندما دبروا له مكيدة محكمة أدت الى اغتياله بواسطة طرد ملغم بعد أن رصدت لذلك مبلغ 10000 دولار ؛ وهو مبلغ كبير جدا في مقاييس ذلك الزمان .
برحيله خسرت المقاومة الفلسطينية قائدا فذا لعب دورا محوريا في تأسيس العمل الفدائي والكفاح المسلح . وعندما اجتاحت القوات الاسرائيلية قطاع غزة لاحقا في ذلك العام وجدت داخل أكثر البيوت التي داهمتها صورا للشهيد مصطفى حافظ معلقة على الجدران .
في نفس العام توفي والدي ومع رحيله كانت نهاية شتاتنا الأول وبداية الشتات الثاني .
( يتبع ؛ الشتات الثاني – حلب )
