أبو نضال.. أغناهُ عقلهُ عن بصره

أبو نضال.. أغناهُ عقلهُ عن بصره
الحاج أبو نضال
خاص دنيا الوطن- روزين أبو طيون
بشعره الأشيب وتفاصيل وجههِ بتجاعيدهِ التي تروي ألف قصةٍ وحكاية، تلك التفاصيل التي طغى عليها مشاعرُ الحزنِ والألمِ، وبعضٍ من السعادة، ومع ذلك ينبع الأمل من قلبه، فبرغم الظروف التي مرت عليه وبرغم فقده لبصره إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يعيش حياته ولا يستسلم، كافح ليبني لنفسه شيئاً يُذكر، دون أن يطلب أي مساعدة، ليس لديه سوى عقله وصوته الجميل في تلاوة القرآن.  

فتحي قنديل (أبو نضال) في التاسعة والستين من عمره، من سكان مخيم عسكر القديم بنابلس، فقد بصره في بداية عمره، بعد أن أنهى الثانوية العامة، والسبب رمد في عينيه.

قصة حياته بعد عام 67

حديث: إن الله عز وجل قال: "إذا ابتَليتُ عبدي بحبيبتَيه فصبَر، عوَّضته منهما الجنة"، بسبب هذا الحديث زاد صبر أبو نضال، وإصراره على أن يقدم الأفضل لحياته.  

 بذاكرته القوية بدأ أبو نضال بسرد قصة حياته بتفاصيلها فيقول: "فقدت نظري في بداية عمري بسبب رمد في عينيّ، وقبلت بأمر الله وبدأت حياتي بشكلٍ جديد، وبدأت بالعمل بمعهد المكفوفين، واستطعت حفظ القرآن الكريم كاملاً ثم شَققت طريقي وبدأت بالبيع على عربة، أبيع كل ما يخطر في البال من نثرياتٍ وغيرها".

يكمل أبو نضال: "في بداية عملي كان شابٌ يساعدني مقابل مبلغٍ معين، وبعد أن أتقنت البيع والشراء، شققت طريقي في العمل لوحدي".

 بعد حرب ال67 قرر أهل قنديل اللجوء إلى الأردن ولكن فتحي رفض الذهاب معهم، وقرر أن يبقى في بيته صامداً متمسكاً بأرضه، وعاش لوحدهِ مدة 13 عاماً، يقوم بخدمة نفسه دون مساعدة.

يقول أبو نضال: "تزوجت وبقيت أبيع على العربة، حتى رزقني الله بتسعة أولاد، وعندما كبروا وبدؤوا بمساعدتي تم اعتقالهم جميعاً على فتراتٍ مختلفة، وفي 2004 فتحت محلي، وأعمل به لوحدي، وأتواصل مع التجار لوحدي". 


الإنسان الذي عقله سليم يصنع المستحيل

ويتابع أبو نضال: "كل ما لدي هو عقلي، وهو ما أغناني عن بصري، بسببه شققت طريقي في العمل وفي الحياة دون مساعدة من أي أحد، حتى أولادي وحتى هذا اليوم لم أرد الاعتماد على أولادي كثيراً، فأنا أريد منهم أن يشقوا طريقهم في الحياة، وأن يتعلموا مني الصبر والاعتماد على النفس".

ضوءُ شمس

كل ما يراه أبو نضال هو ضوء الشمس عند شروقها، وظلال البشر. 

تقول أم أسامة إحدى جاراته: "أعرف أبو نضال وأنا طفلة، كنت أراه يومياً بعربته يجول بها لكسب رزقه، ويبدو أنه أعمى العنين ومفتح القلب، فقد كنت أطلب منه مثلاً اللون الآخر من شيء معين فكان يلبي الطلب دون أن أساعده".

تكمل: "وهو أيضا حافظٌ لطرق نابلس، فأذكر ذات مرة آتى شخصٌ غريب يسأل عن صيدلية فسمعه وقال له تعال سوف أساعدك، فأجابه الغريب أنت يا أعمى ستساعدني، وبالفعل دله على المكان المطلوب".

لعائلته حكايةٌ أخرى

بتنهيدةٍ يخفي بها وجعَه، بدأ  أبو نضال بسرد قصة عائلته "كل أولادي تم سجنهم حتى ابنتي الكبرى ولم يبق سواي أنا وابنتي الصغرى".

ويكمل: "تم سجن ابني شريف بتاريخ 26/2 وتم الحكم عليه لمدة 23 عاماً، وبسنة 2006 استشهد ابني تامر، وبنفس السنة تم سجن ابنتي الكبرى شيرين لمدة 3 سنوات، وذلك بسبب اتهامها بمحاولة الثأر لأخيها، وكان ذلك اتهاماً باطلاً".

ويشير أبو نضال إلى أنه تقبل سَجن أولاده بصدرٍ رحب، وذلك لأنهم ليسوا الوحيدين الذين تم اعتقالهم، وأن هذا زاد من شدة إيمانه وصبره، فإن أحب الله عبداً ابتلاه.  

بحرقة قلبه الكبرى على توأمة روحه ورفيقة دربه فيقول: "بعد 24 يوماً من إجراء زوجتي لعملية في قدمها سنة 2003، كنت أنا وزوجتي جالسين في البيت وتوفيت وهي واضعةً رأسها على كتفي، وكانت هذه آخر مرة أشعر بسعادتها".

يكمل  أبو نضال"واضطررت للزواج بعد ذلك، لأن أولادي قسام، ونعيم، وروان، كانوا صغاراً وبحاجة إلى الرعاية".


وقبل يومين من إجراء اللقاء مع أبو نضال تم اعتقال ابنه ثائر، بعد قيام قوات الاحتلال الإسرائيلي بإطلاق نار على البيت وتخريبه.