تطبيقاً للعهدة العمرية.. ألفة ومحبة بين مسلمي ومسيحي غزة.. وكنيسة تحتضن مئذنة

تطبيقاً للعهدة العمرية.. ألفة ومحبة بين مسلمي ومسيحي غزة.. وكنيسة تحتضن مئذنة
خاص دنيا الوطن- علاء الهجين
عندما يعبر المشاة أزقة البلدة القديمة بحي الزيتون وسط مدينة غزة وتحديداً بشارع الطالع المتفرع من شارع عمر المختار الرئيسي، يرون معلماً اثرياً قديماً مبنياً بحجارة قديمة تبهر وتسحر مشاهديه و تعيدهم للماضي مئات السنين وتكفل لهم ملامسة عبق التاريخ العريق لمدينة غزة.

إنه جامع كاتب ولاية، والذي  يعتبر من المساجد الأثرية الهامة بقطاع غزة, وهو المسجد الوحيد الملاصق تماماً لكنيسة الروم الأرثوذكس، حيث تتجاور مئذنة المسجد مع أجراس الكنيسةـ لتعبر عن مدى المحبة والألفة بين المسلمين والمسحيين.

نص العهدة العمرية

وتنص العهدة العمرية على: هذا ما أعطى عبد الله، عمر، أمير المؤمنين، أهل إيليا من الأمان, أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها, أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينقص منها ولا من حيِّزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يضارّ أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود.

وعلى الرغم من صغر مساحة غزة, إلا أنها كانت مركزاً للعديد من الحضارات التي تركت بصمة لم يكن تقادم السنين قادراً على مسحها أو إزالتها. وكان لكل حضارة أثراً ومعلماً أثرياً وتاريخياً في غزة، منها ما كان مسجدا أو كنيسة أو منزلاً.

وتبلغ مساحة المسجد حوالي 377 مرتاً مربعاً ويرجع تاريخ بناء المسجد إلى زمن حكم الناصر محمد بن قلاوون خلال ولايته الثالثة عام1309-1341 م ويدلل على ذلك وجود اللوحة التأسيسية أسفل المئذنة التي تذكر أن الأشرف السيفي أفنان العلائي نائب السلطنة الشريفة بغزة بذلك الوقت أمر بناء المئذنة ابتغاء لوجه الله تعالى في مستهل شهر ذي الحجة عام 1325م زمن حكم الناصر محمد بن قلاوون.

أما كنيسة القديس برفيريوس فتقع على مساحة ما يقارب ( 216 متراً مربعاً) في أحد أقدم الأحياء الشعبية بغزة وهو حي الزيتون, حيث إنها بنيت معانقةً جامع كاتب ولايات في هذا الحي العريق.

 ولها بابان رئيسيان: الباب الغربي المؤدي إلى المدخل الرئيسي للكنيسة والباب الشمالي، وقد فتح لها باب إضافي حل محل الشباك الجنوبي من أعلى، وذلك ليكون مدخلاً ثالثاً للكنيسة يؤدي إلى الطابق العلوي عبر درجين يمتدان نزولاً إلى قاعة المدخل الرئيس التي تمتد إلى الهيكل.

 وقد استغرق بناء هذه الكنيسة ما يقارب الخمس سنوات من عام 402م وحتى عام 407م حيث دشنت هذه الكنيسة باسم كنيسة أفظوكسيياني نسبة إلى الإمبراطورة أفظوكسييا، وبعد موت القديس البار سميت باسم كنيسة القديس ( برفيريوس ).

القديـس برفيريـوس

ولـــد القديس برفيريوس في مدينة سالونيك في اليونان سنة 347م بعد الميلاد وعند بلوغه سن الثلاثين ذهب إلى مصر وعاش خمس سنوات ناسكًا، ومن ثم ذهب إلى القدس وزار الأماكن المقدسة فيها.

وتوضح المتخصصة في الآثار بوزارة السياحة والآثار هيام البيطار، أن سبب تسمية المسجد يعود عندما دمر وأمر بإنشائه وتجديده مرة أخرى الوالي العثماني احمد بيك كاتب الولاية زمن السلطان مراد بن سليم الثاني عام 1587 م  كما هو منقوش على بابه, وبعد الحرب العالمية الأولى زيد ارتفاع مئذنته وجددت قصارته.

وتوضح البيطار أن الجامع يتكون من مصلى رئيس به عمودان رخاميان يعلوهما تيجان بزخارف كورنثية، يحملان ستة عقود متقاطعة تكون رواقين، والمنبر يحتوي على بقايا أحجار مزخرفة بنيت فوق باب الروضة التي أزيلت معظم  نقوشها، أما المئذنة فهي قائمة على قاعدة مربعة الشكل يعلوها بدن مثمن يتخلله شبابيك مستطيلة، وفي الوسط يوجد فتحات دائرية صغيرة في بعض أضلاعه، أما أعلى البدن فهناك فتحات مستطيلة يليها مشرفة معروشة للمؤذن مستندة على دعائم  حجرية، تسمى بـ "الجوسق".

وتبين أن ما يميز الجامع تجاوره مع كنيسة الروم الأرثوذكس– كنيسة القديس بيرفيريوس، وتلاقي المئذنة مع الصليب في مكان واحد، مما يدل على التسامح الديني الذي تمتع به المسيحيون في فلسطين على مر العصور إلى يومنا هذا.

وتؤكد البيطار أن المسجد متاح لجميع المواطنين سواء للزيارة أو الصلاة فيه بأي وقت يشاؤون الذهاب إليه فهو مفتوح الأبواب بكل الأوقات.

أراء علماء الدين

من جهته يوضح رئيس لجنة الإفتاء بالجامعة الإسلامية أ.د مازن هنية أنه تسود بين مسلمي ومسيحي قطاع غزة علاقة مودة ومحبة وألفة وتعتبر علاقة نموذجية, وأنهما يعيشان ببقعة جغرافية داخل غزة كالجسد الواحد.

ويؤكد هنية أن المسيحيين شاركوا المسلمين على مدار تاريخ قضية الفلسطينية النضال والدفاع عن فلسطين بشكل عام, فهم جزء أصيل من الشعب الفلسطيني.

ويضيف: "عندما قابلت بعض أشخاص مسيحيين أوضحوا لي أنهم بالرغم من تمسكهم بدين المسيح إلا أن ثقافتهم إسلامية بحتة, وإنهم فتحوا أبواب الكنائس للفلسطينيين الذين دمرت بيوتهم على مدار الحروب الثلاثة على قطاع غزة".