بالفيديو.. غزة: "كرامات" مجسمات لبقايا الحرب يشكلها نحّات

بالفيديو.. غزة: "كرامات" مجسمات لبقايا الحرب يشكلها نحّات
مجسم
خاص دنيا الوطن - سوزان الصوراني 
أصوات القصف، يليها بنايات تهدم على رؤوس أصحابها، صراخ يتعالى، أوسيارات تحترق وتنفجر بمن فيها، لتتناثر أشلاء أطفال ورجال ونساء، لم يكن لهم ذنب بأن يقتلوا في لحظة صمت، أو أن يقتلوا بهذه الطريقة، أجواء وحشية وهمجية، بعيدة عن كل البعد عن الإنسانية التي يدعونها في المحافل الدولية.

هذه الأجواء وأكثر لم تغب عن ذاكرة عربي وطني، منذ بدء القضية الفلسطينية، لم يعشها بحق أي أحد كالذي فقد ابنه أو زوجه أو شقيقه، تماماً كما حدث مع محمد.

تبدأ الحكاية منذ صيف 2014 في مدينة غزة على الساحل الشرقي الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط، فقد محمد أبو حشيش أخاه هاني خلال الحرب الهمجية على قطاع غزة، والتي أودت بحياة مايزيد عن ألفي شهيد، وعشرة آلاف جريح، كان أبو حشيش واحداُ من الشهداء الكثيرين الذين فقدت أطرافهم بعد استهدافهم خلال الحرب.

كرامة الموت بدأت منذ دفن طائر الغراب لميته، وكان ملهماً لقابيل بدفن أخيه هابيل بعد قتله، وأصبح دفن الإنسان كرامة له بعد الموت قائمة حول العالم وفي كل الديانات السماوية، وهذه الكرامة أيضاً هي نفسها التي تقضي بدفن الإنسان كاملاً.

ماسبق، لم يراعه الاحتلال الإسرائيلي فقتل وهاجم وبعثر أشلاء الشهداء وأطرافهم، كان ولايزال استهداف قوات الاحتلال للفلسطينيين داخل الأراضي الفلسطينية بهمجية شرسة، فحينما وصلت جثة هاني، كانت دون أطراف، ومن هنا انطلقت كرامات، معرض الأعمال النحتية الذي يقدم أطراف بشر آدمية نفذها محمد أبو حشيش باستخدام مواد مختلفة، أبرزها شمع النحل والألمنيوم والجبس ومن ثم تثبيتها على قواعد خشبية.

رسم أبو حشيش الأطراف كـ "اسكتش" تخطيطي لما تخيله حول إخراج الأطراف النحتية، عملية نحت الجبس أو صقل المعدن أو نحت شمع النحل، كل ماسبق هي مواد خام تحتاج درجة عالية من التركيز والدقة والمجهود، لاسيما عامين من العمل.

أطراف الخلية

الزاوية الأولى التي يمكنك أن تتأمل فكرتها لوقت طويل، لا نحصره بزمن معين، فلك أن تتخيل أن شمع النحل مادة سهلة وبسيطة التشكيل، استخدمها أبو حشيش لتجسد أطراف الكثيرين ممن فقدوها، ولك أن تتصور ما الذي كانت تفعله في آخر لحظة تشتت لها، يقول أبو حشيش: "6 قطع من شمع النحل، انطلاقاً من كون الشمع هو الأساس لخلية النحل الكاملة، وكونها مادة سهلة التشكيل، هذه الأطراف أصبحت مجهولة المصير، هي أيد وأقدام لأناس رحلوا في الحروب على غزة دون أن تدفن معهم".

وعن فنية أطراف الخلية، أشار أبو حشيش إلى استخدامه تقنية الضغط والتشكيل الحر، وتم اختيار مادة شمع النحل لأنها يمكن أن تدوم فترة طويلة من الزمن مع الحفاظ على الجو المناسب للشمع من حيث الرطوبة والحرارة.

عاشق ومعشوق

الكثيرون اضطروا لترك عشاقهم للنجاة أو الموت أو للغربة القاسية، العمل يتحدث عن فراق العاشق والمعشوق قرباً وجسداً لا حياة، المعشوق ملتصق بك أينما ذهبت.

عاشق ومعشوق هو عمل من منتج الألمنيوم المنصهر بحسب ما ذكر أبو حشيش في زاوية من زوايا كتيّب تعريفي صغير حول المعرض، ويضيف أبو حشيش: "الألمنيوم المصقول يعطي قيمة كبيرة للعمل الفني، ويضمن ديمومته لعشرات السنين دون تلف".

نخوة فطرية

هي الأيدي الممدودة لنجدة ضحايا الحرب والمنكوبين، إنهم الأحياء القادرون على القيام بهذا الدور، بهذا التعبير استطاع أبو حشيش وصف عمله الثالث، المنتج من معدن الألمنيوم المنصهر، باستخدام تقنية القوالب السالبة المصنوعة من الفخار والجبس، حتى يعطي ديمومة للعمل لعشرات السنين دون تلف.

إخلاء

تراكيب مجسمة صنعت من مادة الجيس وبتقنية الصب داخل قوالب سالبة مصنوعة من الجبس للحصول على أكبر عدد من الأقدام، بعددها أو أكثر، كانت تلك الأقدام تهرول في محاولة للنجاة بنفسها بدقيقة أو دقائق لإخلاء البيت قبل تدميره، إنها لحظة الهروب للنزول على الدرج في محاولة للنجاة من الموت.
اكتمال القطع وترتيبها هو أمر جمالي تركه أبو حشيش للمشاهد، ليترجمه كل واحد منا بحسب رؤيته للمشهد، وكما التفاصيل التي عاشها خلال تلك الأحداث الأليمة على حد تعبيره.