مدن بلا حديد! .. "خردة الحديد" مهنة للمُضطر أم خطر على المجتمع؟

مدن بلا حديد! .. "خردة الحديد" مهنة للمُضطر أم خطر على المجتمع؟
صورة توضيحيه
خاص دنيا الوطن ــ محمود الفطافطة
أمر شرعي، بل ومطلوب أن يبحث الإنسان عن فرصة عمل يواجه من خلالها متطلبات الحياة ومستلزمات عائلته، ولكن شرعية هذا العمل تنتفي، أو يعتريها شيئ من الشك والتخوف عندما يتحول عدد من القائمين على ممارسة هذه المهنة إلى لصوص، يتسلقون جدران المنازل في غياب أهلها ليسرقوا إسطوانة غاز، أو شباك البيت، أو قطع ثقيلة من الحديد وسواها.

المهنة التي نتحدث عنها هنا هي مهنة جمع وبيع المادة الأولية للحديد المعروفة بـ "حديد الخردة"، والتي أصبح الآلاف من الفلسطينيين، خاصة في القرى والمخيمات يمتهنونها بإستمرار، كوسيلة دخل مقبولة نسبياً، خصوصاً في ظل الظروف المالية والمعيشية الخانقة التي تمر بها عائلات فلسطينية كثيرة.

في هذا التقرير سنسلط الضوء على هذه المهنة (جمع الخردة)، وعلى تلك الظاهرة (سرقة الحديد لُيصبح خردة). ومن هنا سنسأل: ما هو واقع تجارة الخردة في فلسطين؟ وما هي أهم المناطق التي تنتشر فيها؟ وما هي أسباب العمل بها؟ وما هي آثارها الإيجابية والسلبية؟ وما هي السبل الكفيلة لمواجهة تجليات هذه الظاهرة السلبية؟

الحالة والانتشار!

بداية، سنتطرق إلى واقع هذه القضية، لنشير إلى ما جاء في تقرير أصدره مركز المعلومات الفلسطيني، حيث بين أن العمل بتجارة الخردة في فلسطين ظهر منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي، ثم انتشرت مع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000م في العديد من المدن والبلدات والمخيمات الفلسطينية؛ لا سيما في الضفة الغربية، وتحديداً في محافظة الخليل، التي تستأثر بنسبة 40% من حجم هذه التجارة (حسب إحصاءات غرفة صناعة وتجارة الخليل عام 2014م)؛ في حين شكلت تجارة الخردة 60% من اقتصاد بلدة إذنا في العام 2014 (حسب مجلسها البلدي)؛ أما إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فأظهرت  أن  أهم السلع الصادرة من فلسطين كانت أحجار البناء (بنسبة 29%)؛ يليها خردة الحديد بنسبة 18% من إجمالي قيمة الصادرات لعام 2011م.

وتعتمد هذه المهنة على شراء الأجهزة المعدنية والبلاستيكية التالفة كالثلاجات، والغسالات، والسيارات، ومولداتها، وكوابل الكهرباء، والأواني المنزلية والكراسي وغيرها من أحياء ومدن الضفة الغربية، إضافة إلى استيرادها من داخل إسرائيل؛ ثم تجميعها في مجمعات خاصة تعمل على  إعادة فرزها وتنظيفها، تمهيداً لتصديرها إلى مصانع الصهر في إسرائيل؛ بهدف إعادة تدويرها.

وتقدر كمية هذه المخلفات بآلاف الأطنان، وتضم: الألمنيوم بأنواعه، والحديد، والنحاس، والنيكل، والرصاص، والقصدير، وغيرها من المعادن؛ بالإضافة إلى البلاستيك.

 وبخصوص أماكن الخردة، ذكر التقرير أنه تتواجد في مجمعات كبيرة مثل: إذنا، ودير سامت، وبيت عوا في محافظة الخليل، وفي منطقة قصر الهوى بين قرية ارطاس وبيت لحم في محافظة بيت لحم، وفي منطقة المشتل مدخل بلدة العيزرية، وفي منطقة البستان، وفي طريق وادي النار في محافظة القدس، وفي منطقة كتف الواد  قرب الشارع الالتفافي في محافظة أريحا، وفي المنطقة الصناعية في البيرة في محافظة رام الله والبيرة، ومنطقة الدوير في محافظة سلفيت، وفي المنطقة الصناعية قرب مخيم عسكر الجديد في محافظة نابلس، وفي وادي دعوق، والمنطقة الصناعية في شارع الناصرة في محافظة جنين، وبالقرب من مخيم طولكرم، وفي قرية أرتاح في محافظة طولكرم، وفي شارع نابلس صوفين في محافظة قلقيلية، أما محافظة طوباس فلا يوجد فيها مجمعات للخردة، وتشحن الخردة منها إلى منطقة عسكر في محافظة نابلس وفي بعض المحافظات في قطاع غزة.

الأسباب والأسعار

أما أسباب انتشار هذه التجارة فتتمثل في: ارتفاع نسبة البطالة بين الفلسطينيين، وانحسار فرص العمل في السوق المحلي الفلسطيني، العائد المادي المجدي الناتج عن هذه المهنة، لا سيما لأصحاب مجمعات الخردة، بالرغم من أن إسرائيل هي الرابح الأكبر من هذه التجارة، لأنها تستأثر بمجمل المعادن بعد فرزها وتنظيفها لصالح إعادة صهرها وتدويرها في مصانعها، القوانين الإسرائيلية التي تحظر وجود مثل هذه المجمعات داخل إسرائيل، لما تلحقه من أضرار في البيئة، لتجد إسرائيل ضالتها في الأراضي الفلسطينية.

هذه المهنة كما يقول عزام كرامة صاحب "شركة النور لتجارة الحديد" في مدينة الخليل أصبحت ظاهرة واسعة في المحافظة، ويقدر من يعتاش على دخلها بنحو 10 آلاف نسمة من أبناء محافظة الخليل لوحدها، مبيناً أن عملية جمع وبيع حديد الخردة كانت خلال السنوات الماضية محدودة، بينما تحولت خلال الفترة الماضية إلى ظاهرة واسعة، وعمل من لا عمل له.

وكما يقال: لكل نوع من التجارة أصناف وأسعار، فالطن الواحد من (حديد الخردة) كما يبين كرامه يتراوح ما بين (400 ــــ 750) شيقلاً، وذلك حسب طبيعة الأدوات وحداثتها، فمثلاً سعر الكيلو من علب الكوكا كولا أو الفاصوليا الصدئة ليس كسعر الكيلو من قطع حديد شاحنة ليست بالقديمة، ولكنها معطلة ولا أمل في إصلاحها.

 ولا تقتصر عملية جمع الخردة هذه من مناطق الضفة فحسب، بل وتشمل مناطق في داخل إسرائيل، حيث يقول شحدة فايز (تاجر): يوجد الكثير من العمال الذين يتسللون داخل إسرائيل لجمع كميات كبيرة من الحديد، مركزين على قطع ثقيلة.

تجارة رابحة ولكن!

كل من يريد التخلص من سيارته التي لا أمل في تصليحها، أو من (باقره) القديم المتعطل، هو المستفيد من هذه التجارة، إلى جانب التجار الكبار الذين يملكون مصانع أو محال واسعة لشراء خردة الحديد وتسويقها إلى إسرائيل، فصاحب السيارة قد يجني مبلغاً يتراوح بين (5 ـــ 8 ) آلاف شيقل، في حين مالك (الباقر) قد يحصل على مبلغ يتجاوز ألـ (20) ألف شيقل.أما التجار فيجنون مبالغ طائلة، فمحل كرامة مثلاً يشتري شهرياً أكثر من 2 طن، بينما مصنع الائتلاف للصلب والحديد بأريحا يشتري في الشهر نحو 20 طناً.

ولكن مقابل ذلك، يشتكي العمال العاديون الذين يجمعون "خردة الحديد" بسبب السعر القليل جداً للكيلو الواحد كما يقولون، فأبو حسين يتذمر من هذه المهنة ومردودها، فيقول: الحاجة الماسة لتوفير ضرورات العائلة، وعدم إيجاد عمل مناسب، هما اللذان أجبراني على الاشتغال بمثل هذا العمل الذي كثر أفراده، وقلت وفرته، وتدنت أسعاره.

السرقة: طرائف وقصص

 تتنوع السرقات من حيث طبيعة الحديد المسروق والمكان الذي تم سرقته، فمن سرقة أربع حاويات تابعة لبلدية حلحول ومحاولة بيعها لمحل كرامة، إلى سرقة اسطوانتي غاز وزن 12 كيلو من بيت أبو سعيد في مدينة الخليل، ومن سرقة ثلاث شبابيك من ساحة أحد منازل مواطني قرى نابلس، إلى سرقة أعمدة كهرباء وأسلاكها في بعض قرى منطقة الخليل.

فكثير من المحال الكبيرة والمعروفة في شراء "خردة الحديد" تقوم بالتنسيق مع الشرطة وذلك تحوطاً للحيلولة دون وقوع أصحابها في مشاكل هم في غنى عنها، فشركة كرامة لديها كاميرا كبيرة تقوم بتصوير الشخص البائع والأدوات التي يريد بيعها في نفس الوقت، إلى جانب تصوير بطاقة هويته وعنوان إقامته ورقم الاتصال به، فضلاً عن المطالبة الشديدة للبائع لمعرفة حقيقة ومصدر بضاعته.

وفي الوقت الذي رفضت فيه شركة كرامة شراء الحاويات المسروقة والذي اعتقل سارقها فوراً نتيجة التبليغ عن عملية السرقة، نجد أن أناس قد قدموا إلى مصنع الائتلاف يسألون عن سيارة سرقت وبيعت إلى المصنع بعد أن تم (تشقيفها)، الأمر الذي استدعى الشرطة للتحقيق ومعرفة الجناة.

أين تذهب خردة الحديد؟

نتيجة لعدم وجود مصنع صهر حديد في فلسطين، فإن معظم التجار يقومون بتصدير ما يشترونه من خردة إلى إسرائيل، في حين يقوم مصنع الائتلاف بأريحا بضغط الحديد عبر مكابس خاصة، ومن ثم تصديرها إلى إسرائيل أو تركيا، مع الملاحظة أنه يوجد قرار رئاسي بعدم تصدير الحديد إلا أن عدم وجود مصانع لصناعة الحديد بأنواعه المختلفة يضطر التجار لتجاوز مثل هذا القرار.

آراء، وآثار!

عندما تخرج المهنة أو التجارة عن نطاقها المسموح به مجتمعياً وتجارياً، فإنها تتحول إلى مشكلة قد يحرم العامل من دخلها، فالمواطن محمد خليل عبد الله يصف هذه الظاهرة بالسلبية والخطيرة لتعرض بعض ممتهنيها لبيوت ومحال الناس وسرقتها، في حين يجد البعض الآخر(حسني أبو شحدة) في هذه التجارة بأنها نعمة من الله (تستر) بيوت كثيرة، وتضمن ولو القليل من متطلبات أفرادها.

وبشأن الآثار السلبية المترتبة على التجارة والعمل بالخردة، فيجملها تقرير مركز المعلومات الفلسطيني بالآتي: تهدد الصحة العامة للمواطنين، بسبب قرب مجمعات الخردة من مساكن المواطنين، حيث يجري حرقها واستخلاص المعادن، التلوث البيئي المتمثل في تلوث الهواء والتربة والمياه الجوفية، حيث تعتبر عملية حرق مخلفات الخردة والتي تتمثل في: حرق كوابل النحاس والألمنيوم، وإطارات السيارات، والتي تهدف إلى استخراج المعادن؛ ما يعدّ من أكثر الأمور خطراً على البيئة، عمالة الأطفال، التي تنتشر في هذا القطاع بشكل كبير، إصابات العمل، التي من أسبابها عدم توفير وسائل السلامة العامة في هذه المحلات، بالإضافة إلى احتوائها على مواد خطرة من مخلفات الجيش الإسرائيلي.

وفي ظل ما يمر به الشعب الفلسطيني من فقر مؤلم، وبطالة متفشية وقاسية وأوضاع أمنية منفلتة، وقضاء شبه معطل، فإن ضبط هذه المهنة (بيع خردة الحديد) وتوجيهها صوب المسار السليم المتمثل بجمعها لا سرقتها سيكون صعباً، كما أنه يتحتم على أهل الشأن في هذه القضية أن يدرسوا واقعها وأبعادها، حتى لا تصبح في يوم ما خطراً كبيراً على اقتصاد الوطن، لاسيما إذا علمنا وأدركنا أن مادة الحديد تشكل للمجتمعات قوة لتطورها وإزدهار اقتصادها.