النزعة الإنسانية والطموح السلمي
محمد خليفة
وقد استلهم غاندي فلسفته من القيمة الروحانية التي جسدها تاريخ الهند، وطوع هذا التفكير الفلسفي والروحي لتقريب شعوب العالم،وصهرها في مودة وتفاهم، عبر انسجام عقلي، يؤسس لسياسة جديدة بلا عنف، وتعتمد السلم سلاحاً لتجنب الحرب، فالحروب تخلق ضحايا وتدمر البيئة والقيم، وتبقى شراً في ذاتها، ويجب العمل بكل السبل على تجنبها.
واعتبر أن العنف هو دوماً عنف والعنف رذيلة.
هذه السياسة جعلت من الهند اليوم قوة اقتصادية عالمية ناشئة، تتميز سياستها الخارجية منذ استقلالها عن بريطانيا، بأنها غير منحازة لأحد القطبين الكبيرين، الولايات المتحدة وروسيا، لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد جعلها الصراع مع باكستان حول منطقة كشمير تتقارب مع روسيا بهدف الحصول على السلاح، لأن غريمتها باكستان دخلت تحالفاً مع الولايات المتحدة، ومع ذلك لم تتماهَ في حلفها مع روسيا إلى الحد الذي يجعلها تخسر أصدقاءها في المعسكر الآخر.
ولا تتوقف مشاكل الهند الحدودية عند الصراع مع باكستان، بل لديها نزاع آخر مع الصين حول إقليم «أكساي تشين» أو «لاداخ» في منطقة الهيمالايا، وقد أدى هذا النزاع إلى اندلاع الحرب بين الدولتين في 20 تشرين اول عام 1962، والتي انتهت بانتصار الصين.
ورغم أن الدولتين دخلتا في مفاوضات طويلة حول تلك المنطقة، لكن تلك المفاوضات لم تؤدِ إلى نتيجة حاسمة، وظلت المشكلة على حالها. ولاتزال المواجهة العسكرية بين القوتين، حاضرة في الأذهان، عندما أقدم العشرات من العسكريين الصينيين، العام الماضي، على اقتحام المنطقة المتنازع عليها بين الدولتين، وأقاموا معسكراً لهم. ورغم انسحاب هؤلاء الجند، إلا أن تكرار مثل هذه الحادثة قد يكون مقدمة لانزلاق الدولتين نحو حرب نووية قد تطيح نصف سكان الكرة الأرضية.
وقد اشتد التنافس بين الصين والهند بشكل غير مسبوق في الآونة الأخيرة، وتمتلك الدولتان مقومات هائلة، سواء من حيث الكثافة السكانية العالية، فهما تحتضنان 40٪ من سكان العالم، أو الطاقة الإنتاجية الضخمة، وكذلك ما يملكانه من الترسانة النووية الضخمة. ورغم ذلك التنافس تبقى العلاقات بينهما مستقرة بصفة عامة، كما تعتبر الصين أكبر شريك تجاري للهند والجانبان منخرطان في نادي «بريكس» لدول الأسواق الناشئة، التي تجتمع دورياً لمناقشة المجالات ذات الاهتمام المشترك. وقد يوفر تجمع «بريكس» الإطار المناسب لحل ذلك الخلاف الحدودي المزمن بين الدولتين، وربما تريد الهند منع توتير علاقاتها مع الصين،حتى لا تقع بين فكي كماشة، ولاسيما أن صراعها مع باكستان حول كشمير لايزال نازفاً، ولاتزال هناك فرص لاندلاع حرب جديدة رابعة بين الدولتين.
وتعمل الهند على تعزيز قواتها المسلحة، متسلحة بالنمو السريع لاقتصادها الذي يلعب دوراً كبيراً في تنفيذ برامجها الطموحة للتسلح. ويبلغ تعداد القوات الهندية 1.315 مليون عنصر، بينهم 127.2 ألف في القوات الجوية، و58.35 ألف في القوات البحرية، وأكثر من 1.1 مليون في القوات البرية. وتمتلك الهند 4047 دبابة قتال رئيسية. وقد جاءت التجارب النووية الهندية في مايو 1998 لتعلن انضمام الهند لنادي الدول النووية، وتبع ذلك بروز الهند كقوة عسكرية في جنوب آسيا.
ولم تكن الهند تولي اهتماماً كبيراً بقدراتها البحرية في السابق، نظراً لأن التهديد الأكبر لأمنها كان، من وجهة نظرها، برياً حيث يتعلق أساساً بالتوتر مع باكستان، بالإضافة إلى الخلافات الحدودية مع الصين. لكن موقفها بدأ يتغير في السنوات الأخيرة نتيجة لعدة عوامل، منها الوجود الصيني المتنامي في منطقة المحيط الهندي، وتأسيس الصين لموانئ يفترض أن لها طبيعة تجارية في كراتشي وكولومبو، ما أثار انتباه الهند، خاصة عقب الوجود شبه المنتظم للغواصات الصينية في المنطقة. يضاف إلى ذلك، التحديث والتطوير المستمر من جانب باكستان لقواتها البحرية، ويطل الفناء الخلفي للهند على المحيط الهندي، وتمر به كل خطوط اتصالاتها البحرية، و70% من إجمالي وارداتها من البترول، فضلاً عن أن جانباً كبيراً من تجارة الهند مع دول آسيا- الباسيفيك، تمر عبر المسارات ذاتها.
وقد طرح رئيس الوزراء الهندي مودي رؤيته لتحويل الهند إلى قوة بحرية إقليمية في المحيط الهندي، بحيث تقوم بلعب دور القائد والمهيمن في هذه المنطقة، ولكن، بلا شك، بناء بنية عسكرية بحرية متقدمة يحتاج إلى تمويل ضخم قد لا تكون الهند قادرة عليه في هذه الآونة، ولهذا ربما لن تستطيع منافسة الوجود العسكري لكل من الولايات المتحدة والصين في محيطها الحيوي هذا. ولذلك ستبقى الهند تتأرجح بين واقعية وطموح سلمي مثالي.
عن «الخليج»
