وقفة حق .. رسالتنا الى شعبنا الفلسطيني
المطران عطا الله حنا
رئيس اساقفة سبسطية للروم الارثوذكس
لايخفى على احد الاوضاع العصيبة التي نمر بها جميعا ، ففلسطينيا هنالك حالة انقسام محزنة ومؤسفة ناهيك عن المظاهر الاخرى التي تعصف بمجتمعنا الفلسطيني وهدفها تشتيتنا لكي تنحرف بوصلتنا باتجاهات اخرى غير اتجاه الوطن وقضيته العادلة ، وهناك وضع عربي مترد فالارهاب يعصف ببعض الدول العربية ويدمر ويخرب ويعيث فسادا مفككا المجتمعات ومدمرا حضارتنا وتاريخنا وتراثنا ومستهدفا كل ما هو جميل في مشرقنا العربي ، أما عالميا فحدث ولا حرج فهنالك انحياز واضح لاسرائيل يرقى في بعض الاماكن الى مستوى تبرير سياساتها الظالمة وقمعها لشعبنا الفلسطيني وامام هذه الحالة ماذا يجب ان نقول لشعبنا الفلسطيني ، هذا الشعب الذي ننتمي اليه كمسيحيين اذ ان آلامه هي آلامنا وجراحه هي جراحنا وتطلعه نحو الحرية هو تطلعنا .
رسالتنا الى الشعب الفلسطيني هي رسالة تأكيد على اننا كمسيحيين سنبقى دوما اوفياء لانتمائنا الوطني ولن نتخلى عن حقنا في الدفاع عن عدالة قضية شعبنا والانحياز الى جانب نضال هذا الشعب المشروع الهادف الى الانعتاق من الاحتلال وتحقيق امنياته وتطلعاته الوطنية ، لن نتخلى عن انتمائنا الوطني تحت اي ظرف من الظروف وتحت اية ابتزازات او ممارسات هادفة الى اقتلاعنا من جذورنا الوطنية ومن انتماءنا العربي الفلسطيني .
نقول لشعبنا الفلسطيني الذي نحبه ونؤمن بعدالة قضيته ونحن على يقين أننا منتصرون في النهاية لان هنالك للظلم بداية وهنالك نهاية ، فلا يمكن للظلم ان يبقى وان يستديم ، وما هو مطلوب منا في هذه المرحلة هو :
ان نسعى وبكافة الوسائل المتاحة من اجل انهاء حالة الانقسام السائدة في وطننا العزيز فهنالك من يتحدثون بلغة الحزب والفصيل ولا يتحدثون بلغة الوطن والانتماء اليه ، علينا جميعا ان نعمل من اجل انهاء ظاهرة الانقسام المؤسفة او على الاقل ان نخفف من حدة نتائجها السلبية على شعبنا وعلى قضيتنا ذلك لان التعددية السياسية هي امر صحي في المجتمعات التي تؤمن بالقيم الديمقراطية والدولة المدنية ، فليس من العيب ان تكون عندنا احزاب وفصائل متعددة ولكن العيب هو ان تؤدي هذه الاحزاب وهذه الفصائل الى احداث حالة انقسام وتصدع في مجتمعنا الفلسطيني وهذه الانقسامات والتصدعات لا يستفيد منها الا الاعداء الذين يريدون تصفية قضيتنا الوطنية العادلة ، علينا ان نكرس جميعا ثقافة الانتماء الوطني اولا ، وبعدئذ يأتي الانتماء الحزبي او الفصائلي ، فأنا فلسطيني اولا قبل ان اكون عضوا في هذا الفصيل او في ذاك الحزب .
علينا ان نكرس وان نعزز وان نكثف من لقاءاتنا وحوارتنا الاسلامية المسيحية وان يكون حوارنا ليس ترفا فكريا لكي نتغنى بأمجاد الماضي فحسب بل علينا ان نضع امامنا التحديات المعاصرة وان نتصارح وان نسعى معا وسويا بكل مسؤولية واستقامة وحكمة من اجل معالجة ما يعصف بمجتمعاتنا مهددا السلم الاهلي وقيم الوحدة الوطنية والتآخي الديني في مجتمعاتنا وطننا ، فالتطرف الديني بكافة اشكاله والوانه يسيء الينا جميعا ويضر بمصلحتنا الوطنية ويشوه هويتنا وتاريخنا وتراثنا ، ناهيك عن ان المستفيد الحقيقي من كل ذلك هو الاحتلال الذي لا يريدنا ان نكون موحدين على قلب رجل واحد ، علينا ان نحافظ على وحدتنا الوطنية وان نعالج معا وسويا مسيحيين ومسلمين ما يعصف بمجتمعاتنا من مظاهر وتيارات بعضها آت من الخارج وهدفها الاساسي هو النيل من وحدتنا واخوتنا وتلاقينا الاسلامي المسيحي .
فلسطين هي لابنائها وبهاء وجمال فلسطين لن يكتمل الا من خلال وحدتنا واخوتنا وتلاقينا ووعينا واستقامتنا وسعينا من اجل تحقيق تطلعات شعبنا الذي يستحق الحرية ويستحق ان يعيش في ظل دولة مدنية ديمقراطية لا يتحدثون فيها بلغة الاقلية او الاكثرية بل بلغة الوطن والانسان والقيم والاخلاق والمبادىء السامية التي يجب ان نتمسك بها جميعا .
علينا ان نولي اهتماما بشبابنا الذين يقعون في بعض الاحيان فريسة لما يعصف لمجتمعاتنا ، وقد اضحى عالمنا كقرية صغيرة في ظل العولمة السائدة ولذلك فإن اهتمامنا بشريحة الشباب يجب ان يكون على جدول اعمالنا لان هؤلاء هم قادة وامل المستقبل ، علينا ان نعلمهم القيم والاخلاق والمبادىء الروحية والانسانية والوطنية ، علينا ان نعلمهم محبة الارض والانتماء اليها ، علينا ان نكون الى جانبهم وان نجيب على كافة الاسئلة التي يطرحونها فيحق لشبابنا ان يسألوا ما يريدون ومن واجبنا ان نجيب على تساؤلاتهم وان نكون معهم وان نرشدهم الى الطريق القويم .
كم نحن بحاجة في مجتمعنا الفلسطيني الى شبابنا الواعد المثقف الوطني المؤمن بعدالة قضية شعبه ، فما لم يتمكن السياسيون الفلسطينيون من تحقيقه اليوم هؤلاء الشباب هم الذين سيحققون في المستقبل .
حذار من اليأس والقنوط ونحن لا ننكر قتامة الواقع الذي نعيشه في ظل الاوضاع التي ذكرتها في مستهل كلمتي ، ومع اعترافنا بقتامة واقعنا والتعقيدات والعثرات الكثيرة التي تعترضنا الا اننا لا يجوز لنا ان نيأس ولا يجوز لنا ان نعيش حالة احباط وقنوط، ان معرفة الواقع الذي نعيشه يجب ان تؤدي بنا الى التفكير بعمق كيف يمكن لنا ان نخرج من هذه الحالة ، اما السقوط في حالة اليأس والقنوط فهذا دمار شامل لمجتمعنا لا يستفيد منه الا اعداؤنا الذين يريدوننا ان نعيش في حالة احباط مستمر لكي يتسنى لهم تمرير مشاريعهم في منطقتنا وفي القدس بشكل خاص ، وفي هذا يجب ان يكون هنالك دور لرجال الدين وللمؤسسات التعليمية ولوسائل الاعلام ، علينا ان نسعى من اجل رفع معنويات الناس ومساعدتهم لكي لا يقعوا في حالة الاحباط واليأس دون انكار الواقع الذي نعيشه ، بل ان نسعى الى مبادرات خلاقة من اجل النهوض بمجتمعنا لكي نحافظ على ثقافتنا وانتمائنا وسعينا الدائم من اجل حرية شعبنا واستعادة حقوقه السليبة .
القدس عاصمتنا الروحية والوطنية ونحن على يقين بأن ما يخطط لهذه المدينة المقدسة لا يمكن ان يستوعبه عقل بشري فنحن نعيش في مرحلة تسعى فيها السلطات الاحتلالية الى تغيير واقع القدس والى التطاول على تاريخها وهويتها ، ناهيك عن السياسات الظالمة الممارسة بحق شعبنا في المدينة المقدسة والتي تستهدف مقدساتنا وحياتنا اليومية ، علينا ان نتمسك بالقدس وان ندافع عنها والا نستسلم للسياسات الاحتلالية الهادفة لتهميش القدس واقتلاعها من الوجدان العربي والفلسطيني ، فالقدس يجب ان تبقى معنا في كل نشاطاتنا وفعالياتنا ولقاءاتنا .
اعداؤنا يريدوننا ان نشطب القدس من قاموسنا ويريدوننا ان نستسلم لسياساته وممارساته في المدينة المقدسة ، ولا يجوز القبول بهذه السياسات والممارسات ، فالقدس لنا وستبقى لنا رغما عن كل الممارسات الاحتلالية التي تستهدف كل ما هو عربي وفلسطيني ومسيحي واسلامي في هذه المدينة المقدسة .
ان وثيقة الكايروس الفلسطينية التي اطلقتها المبادرة المسيحية الفلسطينية اكدت انتماء المسيحيين الفلسطينيين لوطنهم ، واكدت على ضرورة الحوار والتلاقي بين الاديان ونبذ التطرف والكراهية والارهاب ، واكدت على ان الدولة التي نتطلع اليها هي الدولة الفلسطينية المدنية الديمقراطية دولة المواطنة والقانون ، كما اكدنا في هذه الوثيقة رفضنا وتنديدنا بكافة التفسيرات العنصرية الخاطئة للكتاب المقدس .
ان هنالك تيارات يهودية متطرفة تبرر احتلال فلسطين وسياسات القمع والظلم بحق شعبنا بنصوص من العهد القديم وفي هذا تطاول على قدسية هذا الكتاب المقدس الذي لا يمكن له ان يبرر وان يقبل بالظلم والعنصرية ، ان الاستناد لنصوص كتابية لتبرير سياسات الاحتلال امر نرفضه جملة وتفصيلا لانه يسىء الى الكتاب المقدس الذي لا يحلل القتل وامتهان الكرامة الانسانية ، ولا يحلل ان يقتلع شعب من دياره كما حدث معنا في عام 1948 .
لقد كتبت الكثير من الدراسات التي تفند الطروحات الصهيونية وتفسيراتها الخاطئة للكتاب المقدس ، لقد كتب الكثير عن هذا الموضوع من قبل المبادرة المسيحية الفلسطينية ، كما ان مركز السبيل اقام مؤتمرا خاصا حول هذه المسألة ، واصدر كافة المحاضرات التي قيلت في كتاب يمكن الحصول عليه من مركز السبيل .
وباختصار نقول بأن قضيتنا هي قضية حق وهي قضية انسان مظلوم يسعى لرفع الظلم عنه وصاحب الحق هو المنتصر في النهاية ، ولكن ما هو مطلوب منا هو مزيد من الوعي والحكمة والمسؤولية والانتماء الوطني الصادق لكي نتمكن من تحقيق امنياتنا وتطلعاتنا الوطنية .
وستبقى المبادرة المسيحية الفلسطينية " كايروس فلسطين " صوتا مسيحيا عربيا فلسطينيا مناديا بالعدالة والحرية لشعبنا وستبقى وثيقة الكايروس التي انتشرت في كافة ارجاء العالم رسالة امل ورجاء ورسالة من قلب المعاناة الفلسطينية ننقل من خلالها آلام وجراح ومعاناة شعبنا الى كافة ارجاء العالم .
قضيتنا هي قضية عادلة وعلينا ان نكون موحدين في دفاعنا عن اعدل قضية عرفها التاريخ الانساني الحديث الا وهي قضية شعبنا الفلسطيني .
