فتوش !

فتوش !
خالد عيسى 

بين وادي النسناس وحي الألمانية .. فتحت حيفا كفها على رقم 38 في " جادة بن غوريون " التي " لطشها" من شارع أبو نواس يوم كانت ماتزال حيفا لحيفا !

في الشارع الواسع الممتد من نهاية حدائق البهائيين حتى مشارف الميناء المغلق .. كان مطعم ومقهى " فتوش " يسند رأسه على الرقم 38 في الحي الذي يصر العرب انه " حي الألمانية " في مواجهة سخرية " جادة بن غوريون "!

وكان مساء حيفا يوزع حيرته بين وادي النسناس و " فتوش " حين التقط صالح عباسي يد دهشتي الفلسطينية التي تختفي خلف جواز سفر سويدي ، تنقب عن بلادها في " حي الألمانية " ، وعزم حيرتي وحيرة حيفا الى " فتوش " !

بيت فلسطيني قديم ، يستقبلك بحديقة تحدّق بالميناء الذي حُشر به أهل حيفا قبل 68 عاما .. يوم تشردت حيفا عن حيفا ، وتركت أحلامها تطلّ عليها من فوق حدائق البهائيين ، وبين الكرمل والبحر.. بذلت البيرة المثلجة في " فتوش " أقصى جهدها لتداوي حرقة فلسطيني " عائد " يتفرج على حيفا بالمكياج الاسرائيلي ، ويبحث عن الحناطير في ساحة الحناطير التي صارت ساحة باريس، وأبو نواس الذي صار بن غوريون ، وأنا في " فتوش" أدق كأسي بكأس صالح عباسي الذي يقول لي : بصحة حيفا ! وأقول له بصحة " فتوش "

فتوش هي حيفا في هذا الاختلاط العجيب بين بقايا حيفا وأحفاد بن غوريون الذين يلتهمون " فتوشنا " أمام أعيننا ، ويمسحون عن شوارعنا ما بقي منا ، ويغلقون عيون نوافذ بيوتنا بالإسمنت في وادي الصليب ، وينمو العشب في جدران بقايا بيوتنا المتهالكة التي تشهق في المباني الشاهقة ، التي أقيمت على ظلنا ، ونحاول في " فتوش " ان نرفع نخب ما تبقى منا بكأسين .. لنصفنا الباقي ، ونصفنا " العائد "!

سقطت شمس حيفا في البحر ، وداهمنا ليل حيفا في فتوش ، وأنا وصالح عباسي نتجاذب أطراف الضحك في حديقة فتوش التي تحدّق بنا وتجهش بالبكاء !!

بصحة حيفا 

بصحة فتوش !