حوارية جلد الذات

حوارية جلد الذات
عبد اللطيف الزبيدي

قال القلم: طريف أن تسعد بلقاء من لا تودّ رؤيته، فقد لاح لي من بعيد شخص متنكّر لم أدر أمِن ريبة أم خجل، فتذكّرت أن أحد الشعراء القدامى رأى أن ترك الفضول عين الإدبار والكسل. بادرته: من الممثل والمتمثل يا هذا؟ فقال: إن كان للنشر، فقل آثر عدم ذكر اسمه، فأنا أحد رؤوس طبائع الاستبداد، جئت في زيارة خاطفة من العالم الآخر، لأرى كيف هي أرض العرب بعدي. قلت: كما تراها، أنت ولفيفك تركتم التنمية الشاملة، فاجتاحتنا المنيّة الشاملة في جل أصقاع العرب.

طأطأ رأسه، فقلت: لا تطأطىء، أجبني ولا تقوقىء، لو عدتَ، لا قدّر الله، إلى كرسيّك، فما أوّل ما تفعل؟ قال: لأقيمنّ محكمة لجلّ الإعلام العربيّ، هو الذي أغراني وأغواني، زيّن لي أفعالي، وبرّر شرور أعمالي، صوّر كل سيئاتي للناس حسنات. كنت حتى إذا تثاءبت جرت أنهار الأحبار بالمقالات تمجيداً لسحر البيان الذي تعجز عن وصفه الكلمات، فيصدر في زفير وشهيق يعطّران الآفاق بعبير المعاني التي لا تدركها الأفهام. قلت: لكنك أنت الذي أخرست الضمائر بالبنادق، وعلّقت للفكر المشانق، وأوهمت الشعوب بالخوارق، فصارت تراك الشمس والقمر والنجم الطارق، فكل من رأى غير ذلك وقع في المآزق والمزالق.

قال: لو كانت لهم ضمائر حقّاً، ما نامت عن عزّة الأوطان وكرامة الشعوب. ولو كان المفكرون أيقاظاً، ما خدّرتهم السلطة، وأمّا الخوارق، فسل عنها الفئة التي رفعتني إلى التأليه والتنزيه بتأويل ما نزل من السماء. هؤلاء هم الذين تلقّف المتطرّفون أساليب تأويلهم في استخدام التعاليم لأغراض مناقضة تماماً خدمة لمن أرادوا إلقاء البلدان في الجحيم، حتى صارت المقدّسات مقترنة بالقتل وسفك الدماء والدمار والخراب. ألا ترى الإفتاء خرج من أيدي أهله، وبات في قبضة المجرمين؟ هؤلاء لم يكن لهم وجود حين كنت أنا وأمثالي على الكراسي. ألا ترى الناس يتمنّون عهودنا الآمنة، ألا ترى أن من بعدنا الطوفان؟

قلت: إنك لا تزال تضحك من الذقون، فلو كنت سمحت للعقول بأن تتحرّر وتفكّر وتنوّر، والإعلام بأن يجهر ويحذّر وينذر، وللمواهب بأن تخترع وتبدع وتبتكر، ما كانت الأوطان، في هذا الهوان. هي ذي الشعوب قد استجارت من الرمضاء بالنار، فلا مفرّ من أن تتّهم الشعوب نفسها بأنها هي التي أنبتت الأنياب التي نهشتها.

لزوم ما يلزم: النتيجة التوبيخيّة: قلت للقلم: أنت أيضاً تربية طبائع الاستبداد، وإلاّ فما كل هذا الجلد للذات؟