مئة عام من حرب الفوضى.. وتطور المشروع الاستعماري

مئة عام من حرب الفوضى.. وتطور المشروع الاستعماري
صالح عوض

في سلسلة بحوث قدمت في مركز الامارات للدراسات عرض مجموعة من المفكرين والمتخصصين الغربيين من دول شتى لعناوين استشرافية حول الصراع والحروب في القرن الواحد والعشرين انطلاقا من تدبر الاحداث الحاصلة منذ نهاية القرن العشرين وفي العقدين الاولين من قرننا الحالي.. وقدموا رؤية تفصيلية لعناوين كثيرة تمس الامن العالمي والاقليمي وما له علاقة بتطور الصناعة والجيوش والتمرد وعناوين الارهاب في المنطقة وجمعت دراساتهم المستفيضة في كتاب ضخم بعنوان " الحروب المستقبلية في القرن الحادي والعشرين".

وعلى ضوء تلك الرؤى الاستشرافية التي يصعب ان نجردها من بيئتها الاستعمارية ومناخها النفسي المشبع بالإحساس بالتفوق الرهيب لقوة الادارة الامريكية وجيوشها وقدرتها على التكيف وتحقيق الانتصارات الساحقة نكتشف ان هناك تحولا حقيقيا في العقيدة العسكرية الامريكية تجاه العالم وهنا نسرع الى القول ان مئة عام انقضت على المشروع الغربي السابق الذي رسمه الاستعمار الفرنسي والبريطاني المتمثل باتفاقية سايكس بيكو حيث تم ترسيم التفسيخ الجغرافي في الارض العربية على اعتبارات امنية وعسكرية وتكونت بين الحدود التي رسمها الاستعماران في المنطقة دول وثقافات وجيوش واقتصاد وسياسة.. وفشلت كل محاولات الخروج من هذا الواقع نحو الوحدة والتكامل العربي رغم وجود جامعة الدول العربية وهيئات اقليمية اخرى كاتحاد المغرب العربي و مجلس التعاون الخليجي ومحاولات كتب عليها الاخفاق مثل الجمهورية العربية المتحدة والوحدة بين مصر وليبيا والسودان.. وسوى ذلك من محاولات..

انتهى قرن من الزمان على جعل التقسيم الجغرافي امرا واقعا تسرب في الاذهان والثقافات من شبه المستحيل تجاوزه ضمن المعطيات الحالية.. ومن خلال تدبر القرن السابق نكتشف ان الجهود الغربية الامنية والاقتصادية والثقافية انصبت على تكريس التجزئة الجغرافية في الوطن العربي والتصدي لمحاولات الوحدة والتعاون والتكامل لكن كان هناك تغاضي نسبيا عن وجود الدولة الوطنية واشغالها حيزا في الخريطة السياسية..

وبعد ان انجزت هذا المهمة واصبحت التجزئة واقعا يتم التعامل بانسجام معه حتى من قبل القوميين والاسلاميين واليساريين.. اتجه صناع الاستراتيجيات الى نقل الصراع الى دائرة جديدة اعلنوا عنها تحت عنوان "مئة عام من الفوضى" وفي هذا السياق جاءت رؤى وكتب وفلسفات استعمارية صنعت على اعتاب القرن تفيد بانتهاء الصراع لصالح القوة الامبريالية الغربية الامريكية.. بمعنى ان هذه الدولة الوطنية لم تعد مقبولة غربيا بعد ان ادت وظيفتها في تكريس التجزئة..ولايمكن عزل الهدفين المباشرين المتكاملين للاستعمار الغربي عن نظرته وخطته تجاه الدولة الوطنية فهدفاه المباشران هما تنامي قوة الجانب الاسرائيلي وتفوقه استراتيجيا لكي يؤدي مهماته الاستعمارية باتقان والهدف الثاني التحكم في ثروات المنطقة واسواقها بما تمثله من منطقة ضرورية للامن والاقتصاد الغربيين وكما قال الرئيس الامريكي الاسبق نيكسون: " ان الفرصة اصبحت سانحة للسيطرة كليا على الثروة والسوق في المنطقة العربية"..وهذا هو ما دعا اليه كبار القادة الامريكيين حيث اعتبرها الرئيس الامريكي السابق جورج بوش الابن انها :"حرب صليبية" وشرحت وزيرة خارجيته الفكرة بخطة الفوضى الخلاقة في المنطقة.

على اعتاب القرن الواحد والعشرين تغيرت بيئات عمل امنية جديدة في مناطق شتى وأصبح التكيف مع المتغيرات الحاصلة أحد أبرز التحديات المطروحة أمام التخطيط الاستراتيجي الغربي والامريكي فلقد سقطت الكتلة الشرقية وانهار الاتحاد السوفيتي فتم صناعة الحادي عشر من سبتمبر 2001 في صورة فاصلة بين مرحلتين كبيرتين ليتم افتتاح المرحلة التالية بعنف لتكريس ملامحها على ارض الواقع فكان الهجوم على بلدين مسلمين يمثل كل منهما بوابة لمنطقة حساسة وخطيرة فكان الهجوم على افغانستان والعراق.. أجل كان الحادي عشر من سبتمبر اطلاق شرارة البدء في بلورة عالم جديد نتيجة تحولات عميقة في الفكر الاستراتيجي حيث ظهرت عقائد عسكرية جديدة في مواجهة تغير التهديدات المفترضة وطبيعتها وعلى ضوء ذلك تم تغيير صناعة الدفاع والدور المستقبلي لها وبروز ادوار مصانع السلاح وعلاقتها مع المؤسسة العسكرية الامريكية واحجام ادوارها في صنع الاستراتيجية واتخاذ القرار وما يتم بدقة التعبير عنه في المواجهات الحالية في العراق وسورية.

هنا بدأ الحديث عن الحروب اللامتماثلة والارهاب الدولي وهنا لابد من اعتبار ان فهم هذين العنوانين - كيف تكونا وماهي تعريفاتهما من قبل الامريكيين وعلى اي معيار- يعد امرا اساسيا في فهم مستقبل العنف بين الدول والعنف داخل الدول لانه هو المسوغ حسب التعريف الامريكي لكل الازمات والحروب.. وتخوض المؤسسة الاعلامية والسياسية الامريكية جهودا مكثفة لتحديد الجهات التي تندرج تحت عنوان الارهاب وتتحرك الادارة الامريكية في جعل المعنى الامريكي للارهاب هو المعنى المتبنى لدى كل الدول في الوطن العربي..

الحروب اللامتماثلة هي تلك التي ابتدعتها السياسة الامريكية في افغانستان والعراق وهي تجد رواجها بين دول واطراف فاعلة من غير الدول وفي هذه الحرب لى امريكا القدرة الفائقة حيث تسيطر على المجال الجوي وهذه ميزة لامتماثلة ساحقة للولايات المتحدة وفي هذه الحرب تنمو مفاعليل اجهزة الاستخبارات ووظائفها واهميتها حيث اصبحت اداة قوية للدول والاطراف الفاعلة في ملاحقة مايتم تصنيفه ارهاب سواء ارهاب دول او مجموعات تمرد.. مما جعل كثير من شبكات الامن متداخلة في حوض الامن الامريكي ولم تتردد الادارة الامريكية في التقدم بانشاء قواعد امنية متقدمة في الوطن العربي تنفتح عليها بالكامل مؤسسات امنية اقليمية الامر الذي يعني تفريغ الدولة الوطنية من عناوين الاستقلال والسيادة.

توزع الادارة الامريكية الوطن العربي الى ثلاثة اقسام، القسم الاول: هو الممتد من المغرب الى مصر وللتعامل معه وضعت دينامية خاصة ستكتفي مرحليا بمصالح اقتصادية ضمن علاقات عادية تقليدية وبغرز قواعد امنية فيها كما فعلت بتونس وليبيا والمغرب للاشراف على تطور اوضاع القسم الامنية والاستراتيجية ومحيطها وهو قسم معزول عن القسميين العربيين الاخرين جغرافيا لكنه يمثل عمقهما الاكبر وهو بموقع استراتيجي حاسم على راس افريقيا وفي مواجهة اوروبا..

القسم الثاني يمتد من مصر الى الخليج العربي وفي مركزه المملكة السعودية التي تحاط بالنار من كل مكان حيث التناحر في العراق واليمن وحساسيات الامن والتخوفات المشروعة وما يكتنزه هذا القسم من ثروات مذهلة.. القسم الثالث هو المشرق العربي المرتبط بالهلال الخصيب الذي يمتد عمقه الى الحدود الايرانية العراقية، والسورية التركية وخطورة هذا القسم انه يشمل فلسطين وما تمثله من صراع وجودي مع الكيان الصهيوني .. وهنا ترى الادارة الامريكية ضمن تغير الخطط والتطور الحاصل على الاستراتيجيات في ظل تبدل الخصوم واستمرار الهدف انه لابد من انهاء استقرار الهلال الخصيب بانهاء دوله الوطنية كما صرح مسئولون امريكان ان العراق وسورية لم يعودا موجودين على الخريطة السياسية في المنطقة وان هناك تسميات جديدة ستطرح قريبا لدول في طور التشكل.. وهذا يعني بوضوح تحقيق احد اهداف الاستعمار الامريكي تفرد اسرائيل وضمانة استقرارها واستمرارها لتصبح الدولة الاهم في الاقليم اما القسم الثاني فتعمل الادارة الامريكية على استنزافه ماليا من خلال تخويفه بجيرانه واقحامه حروبا طويلة وملاحقته باجراءات ومؤامرات تسقطه ارضا وبذلك يتحقق الهدف الثاني من المشروع الاستعماري الامريكي الغربي..

لقد تبدلت طبيعة الدولة في الهلال الخصيب بعد ان برزت ابعاد اخرى كانت متخفية أسهمت الحروب التي صنعتها الادارة الامريكية في المنطقة في بروزها من خلال شقوق الانهيارات والثقافات المتطرفة.. فهل يكتمل المشروع الاستعماري الامريكي في مرحلته الاولى من مشروع "مائة عام من الفوضى" في الهلال الخصيب وفي الجزيرة العربية؟ انه رهان امريكي تعمل من اجله الادارة الامريكية بقوة لتنتقل منها الى المرحلة القادمة في القسمين الاخرين في الجزيرة والمغرب العربي.. ولكن ستكون لطلائع الامة وروحها ووجدانها موقف اخر والانتصار لمن يأخذ بالاسباب .. تولانا الله برحمته.