بيرس بعيون فلسطينية

بيرس بعيون فلسطينية
 ريموندا حوا طويل

هذا مقال أحاول فيه أن أقدم جرد حساب فلسطيني لسيرة ومسيرة شمعون بيريس الذي مات عن 93 عاما كاملة، وشيعته إسرائيل بإعتباره "أب العائلة" و "رجل الأحلام" و "أحد كبار مؤسسي إسرائيل" و "صاحب السذاجة التي تتجاوز الحكمة" و "الرجل الخجول المتواضع" و "الشخص الذي لم يغادر كونه يهوديا" إلى آخر تلك الأوصاف التي أغدقت على الرجل باعتباره رجلاً عالمياً وليس إسرائيليا فقط.

ولكن، ومن وجهة نظر فلسطينية خالصة، أرجو أن أوفق في التعبير عنها وترجمتها، فإن شمعون بيريس، الإشتراكي والعمالي والصهيوني، لم يعمل من أجل السلام كما حاول كل المتحدثين على منصة التأبين أن يصفوه، رغم حصوله على جائزة نوبل للسلام ذات يوم، فالسلام الذي يتهم بيريس أنه حاول صنعه مع الفلسطينيين كان سلاما ليس مجزوءاً فقط، ولا غير شامل أيضا، بل كان سلاما أشبه بفرض الهزيمة، ولنبدأ الحكاية منذ السنوات الأولى للإحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية عام 1967.

فقد كانت سياسة حزب العمل آنذاك، والذي كان بيريس أحد أركانه تقوم على دعم الزعامات الفلسطينية التقليدية لتكون في مواجهة فصائل الثورة الفلسطينية، ولكن هذه السياسة فشلت لأن إسرائيل نزعت من أيدي تلك الزعامات الثروات والأرض من خلال المصادرة وعدم القدرة على اتخاذ المواقف، ولأن حكومة حزب العمل آنذاك سمحت للإستيطان والمستوطنين باجتياح الأراضي الفلسطينية المحتلة بالكامل، وهكذا، فان دعم الزعامات التقليدية كانت سياسة ليس لصنع السلام بقدر كونها محاولة لتفكيك الصف الفلسطيني وتمزيقه وبث الفرقة بين صفوف أبنائه، السياسة الأخرى التي اتبعتها سياسة حكومات العمل في السبعينيات أيضا محاولة تجاوز م.ت.ف بالحديث والتفاوض مع الأطراف العربية الأخرى، وهي سياسة أدت في النهاية إلى اصطدام تلك الأطراف بالمنظمة وجرت دماء كثيرا ما كانت لتسفك، وهكذا فإن سياسات السلام التي قادها حزب العمل الذي كان بيريس أحد أركانه لم تؤد إلا إلى مزيد من الدم.

أكثر من ذلك، فإن حكومات حزب العمل، الإشتراكي العمالي الصهيوني، لاحقت الفلسطينيين في الاردن ولبنان وغزة والضفة، فدمرت وقتلت وهدمت وصادرت وطردت واعتقلت مئات الالاف من المواطنين والبيوت والحقول، وكان بيريس في كل ذلك يتسنم أعلى المناصب في الحكومات المتعاقبة تلك، يمكن القول أن بيريس ومنذ كان في الخامسة والعشرين من عمره، وهو تلميذ في مدرسة بن غوريون، لم يترك المناصب الحكومية حتى آخر حياته، أي أنه كان مشاركا في صنع القرار السياسي والأمني الإسرائيلي طيلة الوقت، ورغم أنه كان رجلا خاسرا، أي ليس الرجل الأول في كثير من الأحيان، إلا أنه كان مشاركا وقريبا ومؤثرا في معظم القرارات المصيرية التي اتخذتها الحكومات الإسرائيلية، العمالية والموحدة في آن معا.

ونعود الى السياسات الفاشلة التي اتخذتها حكومات حزب العمل، ففي الثمانينيات، حاولت هذه الحكومة أن تخلق روابط القرى وأن تفصل بين مصالح أهل الريف وأهل المدن بحجة أن الريف مهمل ومهمش، ولكن الحقيقة أن هذه السياسة كانت تهدف إلى الإلتفاف على التمثيل الحقيقي للشعب الفلسطيني، ولهذا انتهت هذه التجربة الإسرائيلية بالفشل الذريع، ولم تتوقف حكومات حزب العمل عن ضرب الفلسطينيين في كل مكان والاستيطان في كل مكان، بل أكثر من ذلك، فقد دعمت هذه الحكومات التي يصفها العالم المنافق بأنها حكومات حمائمية الإستيطان بشكل لم يتوقعه أحد. ويمكن القول أن جماعات "غوش إيمونيم" الإستيطانية التي نشطت في السبعينيات والثمانينيات كانت ضمن أسباب أخرى تتلقى الدعم الكامل من حكومات حزب العمل.

وفي الثمانينيات أيضا، انتفض الشعب الفلسطيني ليطالب بحريته، بعد أن قامت حكومات الوحدة الإسرائيلية بحصار بيروت وتشتيت شمل م.ت.ف في كل أصقاع الأرض، وتولى إسحق رابين يومها تكسير عظام الفلسطينيين. كانت الانتفاضة الأولى هي الصرخة الثانية التي يسمعها الإسرائيلي بعد حرب 6 أُكتوبر عام 1973، وكانت الإنتفاضة الأولى هي المقدمة الأولى أيضا لأن يقود حزب العمل برأسيه بيريس ورابين محادثات سرية وعلنية مع قيادات الشعب الفلسطيني وصولا إلى إعلان اتفاق أوسلو الشهير، الذي لم تستطع إسرائيل، بيسارها ويمينها ووسطها، أن تترجمه إلى واقع حقيقي يمكن من خلاله أن يكون للفلسطينيين دولته وحقوقه ومصيره، اتفاق أوسلو الذي وقعه بيريس شخصيا، لم يستطع لا هو ولا رابين ولا من أتى من بعدهما أن يستخدمه كطريق إلى سلام يمكن أن يعاش أو يلمس، بل على العكس من ذلك، فإن حكومات العمل وحكومات الليكود والحكومات المشتركة، جعلت من أوسلو طريقا لتكريس الإستيطان وتأييد الإستيطان، لم يشعر أي فلسطيني أن أوسلو سهلت له الحياة، بل على العكس من ذلك، فقد شعر أن اوسلو ضيقت عليه أرضه وشارعه وفضاءه، وأن أوسلو كان إلى حد كبير خدعة استخدمها الإسرائيلي لتصدير رواية مضللة للعالم بأن هناك سلاما، ولهذا، فإن أشرس المعارك التي دارت بين الفلسطينيين والإسرائيليين كانت بعد أوسلو، وأن أوسع عمليات الإستيطان كانت بعد أوسلو، وان أكثر الضحايا من الطرفين وقعت بعد أوسلو، وكأن أوسلو اخرج أسوأ ما يملكه هذان الطرفان، وهكذا لم تمض عدة سنوات حتى تم الاعلان عن موت هذا الإتفاق ان فعلاً وان قولاً.

وأكثر من هذا كله، فإن بيرس، الذي يوصف بالحنكة أو الدهاء أو الحس المؤامراتي، الذي قفز من حزبه التاريخي إلى حزب جديد يقوده أرئيل شارون تحت اسم حزب "كاديما"، رفض المبادرة العربية التي لا أعتقد أن العرب سيقدمون أفضل منها في يوم من الأيام، وهي مبادرة تقوم على فكرة الإنسحاب من الأرض الفلسطينية التي احتلت عام 1967 مقابل تطبيع الدول العربية والإسلامية مع إسرائيل، ولا أعتقد أن هناك عاقلا في الدنيا يرفض مثل هذه المبادرة لأنها تضمن كل المطالب الإسرائيلية، ورغم ذلك، فإن شارون وبيريس رفضا هذه المبادرة، لانها تتضمن الإنسحاب من الأرض المحتلة، فعن أي سلام نتحدث وعن أي رجل سلام نشير.

بيريس، الذي سعى إلى "جمع القوة العسكرية وإظهارها لتثبيت موقف إسرائيل في النزاع مع العرب، الذي فضل مصلحة الدولة على سلطة القانون، الذي مال قلبه للحملات السرية"، كما قالت "هآرتس" في افتتاحيتها عشية موت بيريس، نترجم هذا الكلام الى مسؤوليته الكاملة عن مذبحة قانا، وكان الصحفي الشجاع روبرت فيسك، قد نشر مقالا في صحيفة "الاندبندنت" البريطانية بعد موت بيريس ينفي فيه عن بيرس صفة رجل السلام بالكامل، ونترجم كلام صحيفة "هآرتس" الى دوره في قصف قطاع غزة، ودوره في كل ما حل بالشعب الفلسطيني من ويلات.

وقد التقيت بيريس شخصيا وسألته عن دوره في مذبحة قانا، فأنكر مشاركته وحدثني بتفاصيل كثيرة، وبغض النظر عن صدق الرواية أو عدمها، فقد كان وزير الحرب آنذاك.

رجل السلام الذي وصفه به كل من بيل كلينتون وبراك اوباما، لم يشيرا إلى رفض إسرائيل كل المبادرات والخطط والنوايا الحسنة، فإسرائيل رفضت نتائج مؤتمر أنابوليس، ورفضت رؤية الرئيس اوباما، ورفضت رؤية الرئيس بوش، ورفضت المبادرة الفرنسية، ورفضت جهود الإدارة الأميركية التي قادها مدة تسعة أشهر وزير الخارجية الأميركية جون كيري، فعن أي رجال سلام نتحدث.

غياب بيريس عن المشهد السياسي الإسرائيلي غياب يجب التحديق فيه كثيرا، فهذا الرجل الذي أكسب وسعى إلى إكساب إسرائيل قوة لا تخشى على نفسها بعدها من الزوال، وذلك بإمتلاك القنبلة النووية، هو ذات الرجل الذي أصابه ما يشبه الإنقلاب عندما سعى إلى تقديم إجتهادات "سلامية" تقول أقصاها أو أكثرها ثورية بسلام اقتصادي مع الإقليم العربي، أو سلام يكرّس الاستيطان، أو سلام مفروض بشروط إسرائيلية، وبالتالي فإن غيابه عن المشهد الإسرائيلي لن يشكل فراغا أبدا، فقادة إسرائيل الحاليين لا يختلفون عن ذلك سوى بشيء من التفاصيل.

أما ما أثير حول مشاركة الرئيس محمود عباس في تشييع جثمان شمعون بيريس، فإنني أعتقد أن ذلك وصل الى مستويات غير مسبوقة في الإساءة والتجريح، فالرئيس محمود عباس بمشاركته تلك لم يعطِ ولم يمنح بيريس صك براءة مما صنعت يداه، هذا أولا، أما ثانيا، فإن مشاركة الرئيس جاءت لتؤكد حضور الفلسطينيين في المشهد الدولي، وللقول أن الفلسطيني استطاع بدمه وعرقه وجهده أن يكون حاضرا في قلب المشهد الذي رآه العالم كله، ولهذا، كان ما قاله الرئيس براك اوباما من ضرورة إكمال المسيرة السلمية، كان حضور الرئيس في ذلك المشهد ليقول للعالم كله أن الفلسطيني عصيّ على الغياب والنفي والكسر والابعاد، وان إقامة الدولة الفلسطينية هي جزء أساسي ونهائي في أية تسوية سلمية، طالت أم قصرت، تنكر لها اليمين الإسرائيلي أم اقتنع، كان الرئيس جالسا بكل رفعة وشموخ وكبرياء، كان يشيع عدوا بكل أخلاق الكبار الذين يعرفون أن الضحية يمكن لها أن تتعالى على جراحها من أجل شعبها، كان الرئيس بحضوره الرفيع يريد أن يصنع مستقبلا للشعب الفلسطيني بدون كوارث أو مذابح، كان الرئيس يعرف أنه لا يستطيع أن يتجاوز ما التزم به أمام العالم، الرئيس يقرأ العالم جيدا الذي يفرض الآن على الأطراف جميعا وخاصة الأطراف الضعيفة أن تحل مشاكلها بالطرق السلمية، كان الرئيس يعرف أن العالم الآن يضيق بالادوات القديمة والعقليات القديمة.

الهجوم الشديد وغير المسبوق على الرئيس تجاوز كل الحدود، أن توجيه هذه السكاكين إلى ظهر الرئيس دليل على أننا ما زلنا نميل إلى إستخدام تلك الدعاية غير المسؤولة وغير المحسوبة، لنعطِ رئيسنا هامش الحركة، ولنتوقف عن أن نمارس دور الجمهور ودور القاضي ودور الجلاد.