باحثون: حالة إحباط في الوعي السياسي لفلسطينيي الداخل ودعوة لبناء المؤسسات الوطنية

رام الله - دنيا الوطن
تتباين المقاربات حول الحالة السياسية والوطنية لفلسطينيي الداخل، بعد مضي 16 عاما على هبة القدس والأقصى كثّفت خلالها المؤسسة الإسرائيلية مشاريع "الأسرلة" واختراق المجتمع الفلسطيني.

وطرح باحثون فلسطينيون من الداخل، التقاهم المركز الإعلامي "كيوبرس" رؤاهم المختلفة في بعضها والمنسجمة في العديد من النقاط، حول الداخل الفلسطيني والتغيرات التي طرأت عليه بعد مرور 16 عاما على المواجهة الأكبر منذ النكبة الفلسطينية، بين أهل الداخل وبين المشروع الإسرائيلي، سواء ببعدها المادي المباشر الذي خلّف 13 شهيدا ومئات الجرحى أو إسقاطات هذه المواجهة السياسية والاجتماعية على هويتهم الجمعية ووعيهم الوطني.

طرحنا على الباحثين المعنيين بالشأن الفلسطيني، سؤالين مرتبطين بالمشهد التالي لأحداث الهبة، وكان الأول متعلقا بالأزمات التي ضربت فلسطينيي الداخل، ومنها ارتقاء عشرات الشهداء، في مناسبات مختلفة، بفعل البطش الإسرائيلي الذي تصاعدت وتيرته بعد أحداث الهبة التي أسفرت عن استشهاد 13 شهيدا ومئات الجرحى والمعتقلين. فهل فشلنا في استثمار الحالة الشعبية بعد هبة القدس والاقصى، أما السؤال الثاني فكان استشرافيا حول المطلوب فعله للخروج من حالة التردي التي يعيشها الفلسطينيون في الداخل؟!

انتقاد تعاطي لجنة ذوي الشهداء مع ملف أبنائهم

البروفسور إبراهيم أبو جابر، المحاضر في جامعة النجاح الوطنية بنابلس،  يختلف مع وجهة النظر القائلة بفشل استثمار هبة القدس والأقصى.

وقال لـ "كيوبرس": "يرى البعض أن فلسطينيي الداخل قد فشلوا في استثمار هبة القدس والاقصى لصالحهم، والصحيح انهم لم يتمكنوا من استثمارها جيدا، ليس لأنهم لا يريدون، بل لأنهم لم يتمكنوا من ذلك، لأسباب متعلقة بالسلطات الإسرائيلية التي تعاملت مع الداخل الفلسطيني بفظاظة، وسمحت لنفسها بقتل ١٣ ممن تدعي انهم مواطنوها من العرب، ناهيك عن المصابين والمعتقلين منهم، لا بل مارست الكثير من الضغوط على العرب والقيادات العربية ومختلف المركبات السياسية العربية المختلفة".

واتهم أبو جابر المؤسسة الحاكمة بممارسة حرب نفسية ضد الفلسطينيين في الداخل واستخدام خطاب عنيف وموجه ضد العرب، ما دفع الكثيرون الى العزوف عن التعاطي مع الموضوع، إما خشية من سطو السلطة أو على مصالحهم، ثم جاءت "الضربة القاضية للسلطة من خلال اختراقها للجنة ذوي الشهداء الامر الذي أبعد الكثيرين عن الالتفاف حولها"، على حد تعبيره.

ومع اعترافه بمحدودية فرص فلسطينيي الداخل في مواجهة السياسات الإسرائيلية الظالمة، يؤكد أبو جابر "هذا لا يعني التسليم بالأمر الواقع، بالعكس على الداخل الفلسطيني ابتكار وسائل وطرق لرفض السياسات الإسرائيلية، وعلى رأس ذلك توحيد الصفوف لكل مركبات المجتمع العربي السياسية في الداخل، وتوحيد الخطاب لدى الجميع والتأكيد على الثوابت الدينية والوطنية لمجتمعنا العربي، لا بل والأهم من ذلك، على القيادات العربية أن تتواجد دائما الى جانب الجماهير خلال نضالها السياسي دفاعا عن مقومات وجودها، ووقوفا في وجه آلة الهدم الإسرائيلية أو مشاريع مصادرة الأراضي وغيرها من الممارسات العنصرية الإسرائيلية ضد الداخل الفلسطيني".

"لم تفشل جماهيرنا والنضال في حياة الشعوب تراكمي"

يقول الأستاذ صالح لطفي، الباحث والمحلل السياسي: "نحن كمجتمع لا نعيش في فراغ ومسألتي الفشل والنجاح هي مسألة نسبية خاصة أذا تعلق الامر بحركة الحياة ومدافعة الواقع الذي نعيش وقضايا السياسة والاجتماع، والتعاطي مع القضايا الكبرى التي ترسم معالم المستقبل، وبالتالي انا لا اعتبر اننا فشلنا في استثمار ما بعد هبة القدس والاقصى، فالنضال في حياة الشعوب هو قضية تراكمية لكنَّ المهم في هذا النضال ان تتفق القيادات السياسية والفكرية على أهداف استراتيجية لتحقيقها في مسيرتها النضالية".

وأضاف: "في حالتنا نحن في الداخل الفلسطيني استطيع القول ان هناك هدف استراتيجي  واحد ويتيم مجمع عليه لدى كافة الاطر السياسية والفكرية، وهو  الثبات على هذه الارض وتجذرنا عليها والحفاظ على الوجود والبقاء".

وتحدث لطفي، عن 3 مدارس ينتمى إليها الفلسطينيون  تحدد علاقتهم بالمؤسسة الإسرائيلية ونظرتهم إليها في المنظور الاستراتيجي، وهي: مدرسة الاندماج والعيش المشترك  التي تعتقد أنَّ الحفاظ على هذا الهدف الاستراتيجي يستوجب الاندماج في الدولة ومؤسساتها – ولو كان الامر وفقا للإيقاع الذي تضع نوتاته المؤسسة الحاكمة، الشرطة والحراسة الليلية، الاندماج في الشبيبة العاملة والمتعلمة، والمدرسة الثانية، بحسب لطفي، تدعو إلى المساواة وتدمج بين القضايا المطلبية والحقوقية، ولدى بعض منها، القومية، وترى بهذا الدمج  سبيلا للحفاظ والبقاء من خلال الحفاظ على "ذاتنا ووجودنا " من جهة، وعدم التناقض مع الدولة برسم واقعها وما تملكه من ادوات وقوة من جهة أخرى، أما المدرسة الثالثة، يقول الباحث: "هي   "مدرسة المفاصلة"، وتعتقد أن الحفاظ على وجودنا على ارضنا  يتطلب عدم الاندماج بمؤسسات الدولة او المشاركة معها وفيها، وهذه المدرسة تؤمن بتثوير الخير الكامن في الوجود العربي في البلاد من جهة وتنظيمه وترتيب اوراقه وفقا لأجندات تفضي الى تحقيق استقلال "ما" في مسيرته وحركة حياته، وترى هذه المدرسة ان القضايا المطلبية كالتعليم والسكن والعمل وغيرها كثير  حقوق يمكن تحقيقها من خلال نضال متراكم مبني على استراتيجية نضال متفق عليه".