هل من دورٍ وتأثير للمثقفين العرب؟

هل من دورٍ وتأثير للمثقفين العرب؟
رام الله - دنيا الوطن- محمود الفطافطة

 تشكل الثقافة القاعدة المحورية التي تُبنى عليها ركيزة الوعي والقيم لدى الشعوب . فعلى مر التاريخ البشري احتاج الناس إلى أصحاب الوعي والفكر والحس الانساني والوطني لتنويرهم بما هم عليه من بؤس وشقاء وإيصال هذه الحالة إلى الرأي العام والدفاع عنهم وعن حقوقهم المهدورة.

 هذه الوظيفة الحقيقية التي حملها وجسدها المثقفين العضويين سببت لهم تحدياً كبيراً ومواجهة متواصلة مع الحكام وأهل النفوذ الاقتصادي والاجتماعي في معظم البيئات الاجتماعية في العالم بسبب قيامهم لمهمةٍ سامية تكمن في استكشاف العلل والتقرحات التي تعيش في الجسد الاجتماعي والسياسي والدفاع عن المهمشين والمظلومين . فالعلاقة بين أصحاب الكلمة وأصحاب السلطة هي علاقة تصارعية لا تكاملية وإن خرج عن هذا النسق أفراداً يدافعون عن الحكام وسياساتهم انطلاقاً من تحقيق الانتفاع الذاتي لما تمثله السلطة بكافة أشكالها من مغانم وحصانة وشهرة.

وتأسيساً على الصراع الوجودي بين دور المثقف في تنوير الناس والسعي الجاد لتغيير الواقع نحو الأفضل وبين سلطات سياسية ودينية واجتماعية واقتصادية تسعى أو تعمل لابقاء الواقع كما هو بغية الهيمنة والتوجيه فإن مثل هذا الصراع أخذ أشكالاً وتجليات شتى نجم منها تحولات مهمة وتأثيرات لافتة في كافة بنى المجتمعات الانسانية سيما السياسية والاجتماعية. هذه التحولات هي نتاج جماعي شكل فيه المثقفين دوراً لا يستهان به خصوصاً في ظل المواجهة الحادة بين الانظمة السياسية المستبدة والفاسدة وبين قوى مجتمعية تكافح من أجل الحرية والعدالة والكرامة.

 والحديث عن المثقفين يبقى من المواضيع الحية التي استمر الجدل حولها على مر العصور. فهو يدرس الحاضر كي يستخلص منه موقفاً ورؤيةً جديدةً يفترض فيها أن لا تكون معزولة عن الواقع تتجلى صورها باتجاه تحقيق العدل الاجتماعي، كما أنه أيضا هو الضمير الواعي المعبر عن الأمة، ومهمته بالتالي، هي تقديم إضافات جديدة كل يوم على صعيد العلم والفكر والمعرفة.

ومهمة المثقف الحقيقي لم تكن تفسيراً للظواهر وتعليلها فحسب بل العمل على إحداث التغيير في المجتمع نحو الأفضل وصولاً إلى تأسيس حالة وعي شاملة وعميقة في بنى المجتمع كافة حتى تتطور مكوناته وتتحقق أهداف وطموحات أبنائه. هذا الوصف الذي يجمع عليه عدد كبير من المشتغلين والدارسين في علم الاجتماع لا ينحصر في هذا فقط بل يتجاوز إلى ضرورة سعي وعمل المثقف لمواجهة ما هو ظالم ومحتل تجسيداً لما أطلق عليه المفكر والفيلسوف الايطالي"غرامشي" في أواخر ثلاثينيات القرن المنصرم بـ"المثقف العضوي". 

وانطلاقاً من دور وتأثير المثقفين عموماً والمثقفين العرب على وجه الخصوص سيناقش هذا البحث المفهوم الاصطلاحي والدلالي لمفردة " المثقف" وسماتهم والشروط الواجب أن تلازمهم ودور ومكانة المثقفين وآليات التغيير التي يمتلكونها وعلاقتهم مع السلطة السياسية وموقفهمه من ما اطلق عليه " الربيع العربي"، وغير ذلك من القضايا. وفي هذا الشأن سنتطرق إلى أبرز الأفكار المتعلقة بعنوان هذا المقال:

 

 

·   الحديث عن المثقفين يبقى من المواضيع الحية التي استمر الجدل حولها على مر العصور. فهو يدرس الحاضر كي يستخلص منه موقفاً ورؤيةً جديدةً يفترض فيها أن لا تكون معزولة عن الواقع.

·   تعددت المفاهيم اللغوية والدلالية لمفردة " المثقف "  حيث لا تقل إشكالية  تعريف المثقف عن إشكالية تعريف الثقافة نفسها ، فمصطلح المثقف جدلي إشكالي عصي على التعريف والتأطير.

·         المثقف الحقيقي هو الضمير الواعي المعبر عن الأمة، ومهمته تحقيق العدل الاجتماعي وتقديم إضافات جديدة كل يوم على صعيد العلم والفكر والمعرفة.

·   وظيفة المثقف الحقيقي لم تكن تفسيراً للظواهر وتعليلها فحسب بل العمل على إحداث التغيير في المجتمع نحو الأفضل وصولاً إلى تأسيس حالة وعي شاملة وعميقة في بنى المجتمع كافة .

·   كذلك؛ فإن من وظائف المثقف اليوم تحرير المجتمع من هيمنة السلطات المستبدة سياسية كانت أم دينية أم أيديولوجية، ومن ثم تحرير الثقافة من هيمنة السياسة.

·   إن المهمة التي يسعى المثقفون الى النهوض بها مهمة صعبة وجسيمة، وتتطلب ممن يتصدى للاضطلاع بها شروطا ومواصفات خاصة وقدرات عالية متميزة.

·   لقد اسـتطاع المثقفون ، في مطلع القرن الماضي ، أن يلعبوا دوراً كبيراً أكثر فعاليـة في المجتمع من الدور الذي يلعبـه المثقفون اليوم ، ويعود ذلك الى عوامل تاريخيـة واجتماعيـة.

·   إن المثقف العربي لم يساهم في العملية الثقافية المتخصصة نتيجة حاجة مجتمعه لها أو استجابة لدراسة مشكلات اجتماعية عانى منها المجتمع العربي بل تقليدا لما هو موجود في المعاهد الاكاديمية في اوروبا وامريكا ، وهذا يعني أن المثقف العربي المختص تسلم دراسات ونظريات ومناهج جاهزة من عالم آخر وليس من مجتمعه او تراثه.

·   أن التغيير الذي ينبغي أن يتصدى له المثقف شمولي ، لأن كل شيء قابل للتغيير والتطوير في كل زمان وفي كل مكان ، ولا ينبغي حصر التفكير باتجاه واحد من اتجاهات التغيير.

·   يرى العديد من المتخصصين في علم الاجتماع ان المثقفين لا يشكلون طبقة اجتماعية وأن ما تم تسميته في أدبيات علم الاجتماع والعلوم السلوكية بالطبقة الجديدة او الطبقة المعرفية ما هي سوى تسمية مجازية. أي تسمية مبالغ فيها لأنهم ( أي المثقفين)  لا تجمعهم سمات أو صفات مشتركة مع ما تتمتع بها الطبقة من معايير بل هي تسمية لفظية ليس إلا.

·   لا يمكن اعتبار المثقفين طبقة اجتماعية بسبب التدرجات الحاصلة في المحكات التي استخدمها العلماء في تحديد طبقتهم وهي النفوذ والمستوى الاقتصادي.

·        تتضمن مسألة اغتراب المثقف التي يكثر الحديث عنها هذه الأيام، إشكاليات لا بد من الوقوف عليها تتمثل في:  

أ‌.   إن المثقفين باتوا يشعرون أنهم خارج التاريخ. المثقفون العرب مع مجتمعهم وأمتهم داخل هذا التاريخ المتخثر وجزء من أزمة الواقع. ويكاد المرء يشك في أن لدى هؤلاء، ميلاً أو نزوعاً للخروج من المأزق وحل مشكلة / مشكلات الواقع.

ب‌.   إن المثقفين العرب أخفقوا في إنتاج الوعي الاجتماعي أو في صوغ الوعي الاجتماعي في مجتمعاتهم ولدى شعوبهم.

ت‌. حلول الثقافة الحزبية أو "الثورية" محل الثقافة، وحلول السياسة "الثورية" محل السياسة، و تحزّب غالبية المثقفين الذين بات مطلوباُ منهم الدفاع عن احزابهم لا عن مجتمعهم وثقافته العضوية.

·        إن السلطة السياسية في الوطن العربي تريد أن تبتلع المثقفين والعمل على تدجينهم واخضاعهم لشروطها ومطالبها. هذا السلوك أدى إلى :

أ‌.        عدم استمرار المثقفين في أداء مناشطهم الذهنية والفكرية في رسم صورة جديدة لمجتمعهم.

ب‌.   خضوعهم لاغراءات سلطوية ظرفية تبعدهم عن مهمتهم التنويرية والنقدية.

ت‌.   ابتعادهم عن متابعة هموم جماهير مجتمعهم.

ث‌. استخدامهم كرموز ثقافية في تبرير أخطاء الحكام وتضليل الرأي العام بدعوى الدفاع عن الوطن أو الدين او التراث فلم يبقوا محركين أو مولدين للحياة الفكرية.

·        كيف تبدو صورة المثقف العربي اليوم؟ هو سؤال مهم وضروري، ليس فقط من أجل تحديد موقع المثقف العربي في خريطة المجريات العربية، وهو أمر ضروري القيام به، بل ايضاًً من أجل رؤية ما يمكن ان يقوم به المثقف العربي من دور مستقبلي في عالم عربي يقف اليوم امام تحولات عاصفة، سوف تنقله الى واقع مغاير ومختلف، وقد شرعت بعض بلدانه في ذلك فعلا، على نحو ما يحدث في البلاد العربية خاصة ما اطلق عليها ببلاد الربيع العربي.

·        التدقيق في ملامح صورة المثقف العربي اليوم، تؤشر الى توزع المثقفين العرب الى ثلاث مجموعات، هي:

أ‌.   مجموعة منخرطة في مشروع السلطة الذي يمكن القول، إنه مشروع لا أمل منه في التغيير، وليس له مستقبل سوى مزيد من الترديات، ولن تنفع فيه أية " إصلاحات" .

ب‌. المجموعة الثانية من المثقفين العرب لها نزعة نقدية، تجعلها في موقع المختلف مع الأنظمة من دون أن تذهب الى التناقض والاختلاف او التوافق الكلي معها، وأغلب المنتمين الى هذه المجموعة مثقفون أسسوا انفسهم عبر مسارات متعددة، البعض بذل جهوداً مضنية ولا سيما في المجال الثقافي والمعرفي والاكاديمي لأخذ مكانة وموقع في الخريطة الثقافية لبلده وفي الخريطة الثقافية العربية والعالمية أيضاً.

ت‌. أما المجموعة الثالثة من المثقفين العرب، فهي الأوضح، والأكثر تعبيراً عن هوية المثقف بوصفه قوة في تغيير الواقع الذي يحيط به الى درجة يمكن القول. إن هذه المجموعة تنتمي الى تيار المعارضة الذي لا يقتصر في طبيعته على المعارضة السياسية، بل والثقافية، وقد يمزج بينهما في نسيج واحد، يتضمن الى جانب الهوية السياسية والثقافية هوية اجتماعية واقتصادية.

·   إن التغيير سمة من سمات الحياة، وبدونه تتلاشى الحياة وتضمحل ، والمثقفون هم قادة التغيير ، ومن غيرهم لا يكون تغيير . إن تقدم المجتمعات لا يقاس بالتطورات التكنولوجية والاقتصادية وحسب وإنما بالتقدم الثقافي والفني أيضاً.

 خلاصة القول: إذا لم يكن المثقف أداة للحق وعنواناً للحقيقة وصوتاً لأهل الحقوق، فإنه لا يستحق أن يكون مثقفاً عضوياً، بل هو مجرد شخص يدور في دائرة " الكتبة" لا الكتاب الأفذاذ. الثقافة أهم أداة لرقي الأمم، وأنقى وسيلة في ارساء مطالب الشعوب، وتجسيد تطلعاتها... من لم يجد في نفسه الرغبة والقدرة والديمومة في ذلك، فعليه أن يصارح شعبه في هذا، لا أن يخدعهم بعسل الكلام... إن عدم المصارحة تُدخل هؤلاء الكتبة في بوتقة القول المأثور " كلام كالعسل وفعل كالأسل".