ما بين المدني والعسكري.. من يُحدد الأولويات الوطنية

ما بين المدني والعسكري.. من يُحدد الأولويات الوطنية
بقلم / المهندس نهاد الخطيب                                          

في صيف العام (2013) ، كنت وأسرتي في زيارة الى القاهرة ، وفي منطقة حيوية في وسط القاهرة ، لفت انتباهي لافتة مثبتة على قطعة أرض فارغة ومكتوب عليها "محجوز للجيش" ، من الواضح أن واضع اللوحة لدية إفراط شديد في الثقة بالنفس لدرجة أنه لم يكلف نفسه عناء وضعها بشكل لائق أو توكيدي .

انتابني احساس  بأن العسكريين في البلدان العربية ، وربما في العالم الثالث كله ،يمارسون كثيراً من الدلال على النظام الإجتماعي كله بما فيه جانبه السياسي ، فهم - من وجهة نظرهم طبعاً - يقومون بالمهمة الوطنية الأسمى ، ألا وهي حماية البلد وبالتالي فإن هذا يُعطيهم الحق وربما القوة لممارسة هذا الدلال .

في  غزة الوضع يبدو أكثر صعوبة ، بسبب محدودية مساحة الأرض المتاحة ، فالمشاريع الخدمية الإستراتيجية التي تمس حياة الناس وصمودهم على هذه الأرض غالباً ما تكون مرتبطة بالتجمعات السكانية ،وطبوغرافية الأرض وبتوافر أراضي حكومية في المكان المستهدف.

مشروع إنشاء محطة تحلية مركزية لمياه البحر ، في المنطقة الوسطى من القطاع، الحاسم والضروري لخدمة سكان رفح وخان يونس ، وانقاذ الخزان الجوفي من الإنهيار الكامل يواجه مشكلة من هذا النوع ، حيث أقامت إحدى فصائل المقاومة ، معسكراً لها فوق عين الأرض المخصصة  سلفاً  لمشروع التحلية المذكور. تم الترويج لهذا المشروع على المستوى الدولي  وجاب الرئيس أبو مازن أربعة أركان الأرض ، في حملة "جمع أموال " رئاسية ، لإدراك الجميع لأهمية المشروع  لقطاع غزة ، رغم أنني شخصياً ولإعتبارات رؤية سياسية خاصة بي ، لا أضع خيار التحلية في الأولوية التي يعطيها له النظام السياسي ، ولكني أرفع الراية أمام الإجماع المتشكل بخصوص هذا الموضوع.

لكم أن تتصوروا مدى الإحراج الذي يسببه عدم توافر قطعة أرض لمشروع مثل هذا ، والأرض هي الإلتزام والإسهام  الفلسطيني  الوحيد والممكن أمام المانحين ، وكذلك النتائج الكارثية لعدم إتمام المشروع .

أنا أعتقد أن المقاومة المسلحة ضد العدو الصهيوني ليست محل اختلاف بين الفلسطينيين ، الخلاف هو حول التوقيتات التي تتعارض أو تتوافق مع السياقات الوطنية المنتبهة لما يحدث في الإقليم والعالم ، ولكنني أعتقد أن رجال المقاومة يجب أن يُظهروا حساسية أكبر تجاه مشاكل الناس واحتياجاتهم .

اشتداد الحاجة والتي قد تتحول  الى تنافس على إحراز الأرض في غزة يجب أن تضع المسئولين عن المؤسسات الخدماتية أمام مسئولياتهم لتحديد احتياجاتهم من الأرض وأماكنها بالتنسيق الفعال مع قيادات العمل العسكري من الفصائل المختلفة، في ظل تناغم وطني عاقل ومسئول ، لخدمة المقاومة والإحتياجات المدنية للسكان معاً، يرحمكم الله.

التعليقات