تيسير خالد : بقاء حل الدولتين على قيد الحياة يرتبط بالتطورات على الأرض في الضفة الغربية
رام الله - دنيا الوطن
تيسير خالد سياسي فلسطيني مخضرم من مواليد عام 1941 في بلدة قريوت في محافظة نابلس- فلسطين. اسمه الحقيقي محمد سعادة عوده، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية عن الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، التي يشغل منصب عضو المكتب السياسي فيها
انضم إلى صفوف الجبهة الديمقراطية منذ تأسيسها عام 1969 ودرس علوم سياسية وتاريخ حديث وقانون دولي في جامعة هايدلبرغ في المانيا الاتحادية وقطع دراسته وهو يحضر اطروحة الدكتوراه ليلتحق بالثورة الفلسطينية في لبنان في شباط/فبراير من العام 1972.
انتخب عام 1991 عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، يترأس المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان. واللجنة الوطنية الفلسطينية لسجل اضرار الجدار ودائرة شؤون المغتربين في منظمة التحرير الفلسطينية.
في مكتبه في رام الله، وبعد لقاء حول أضرار الجدار العنصري ودور الأمم المتحدة المنحاز نحو الرواية الإسرائيلية وتقرير اللجنة الرباعية. التقته «القدس العربي» وأجرت معه هذا الحوار.
س : التطرف الإسرائيلي أصبح مجتمعيا وقوى السلام تكاد تختفي- مقابل ذلك هناك تطبيع عربي وكل ذلك إنعكس على الوضع الفلسطيني حيث لم أجد خلال زياراتي المتعاقبة حالة من اليأس مثل هذه التي يعيشها معظم الناس وكأن فسحة الأمل تكاد أن تضيع. هل من مخرج لحالة اليأس؟
ج: نعم هذا صحيح، فالتطرف الإسرائيلي أصبح مجتمعيا، وما يسمى باليسار الصهيوني في تراجع مستمر بينما الفاشية في إسرائيل وباعتراف عدد غير قليل من السياسيين والعسكريين وقادة الرأي العام في حالة صعود. جميعنا يذكر تباين المواقف لدى عدد من هؤلاء السياسيين والعسكريين بعد جريمة الإعدام الميداني للمواطن الفلسطيني عبد الفتاح الشريف في الخليل نهاية آذار/مارس الماضي. أوساط سياسية بينها حكومية تبنت الجريمة ودافعت عنها وأخرى في إسرائيل رفعت صوتها محذرة من التحول المتسارع نحو الفاشية ليس فقط عند الأحزاب اليمينية والمتطرفة وأحزاب وأوساط المستوطنين بل في الأوساط الحكومية الرسمية. ميول الفاشية لم تعد ظاهرة عابرة وهامشية في الأوساط الشعبية والرسمية بقدر ما أصبحت حالة قائمة تجد تعبيراتها في الأعمال الاجرامية والإعدامات الميدانية التي يمارسها جيش الاحتلال على الحواجز العسكرية المنتشرة في طول الضفة الغربية وعرضها وعلى مفترقات الطرق وفي الأعمال الإرهابية التي يمارسها المستوطنون وخاصة سكان البؤر الاستيطانية، هذا إلى جانب القوانين العنصرية التي تصدر عن الكنيست والتحريض العنصري اليومي ضد المواطنين الفلسطينيين فضلا عن فتاوى حاخامات الكراهية.
وفي المقابل تجري في محيطنا العربي مع الأسف الشديد عمليات انفتاح على دولة الاحتلال الإسرائيلي. ينبغي عدم الاستهانة بما يجري أو التقليل من خطورة انفتاح بعض الدول العربية وخاصة في الخليج العربي على إسرائيل، أو حتى الصمت على التصريحات، التي تصدر عن رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو وغيره من المسؤولين الإسرائيليين بشأن تطور العلاقات مع دول عربية محورية انطلاقا من تقاطع المواقف أو السياسات، التي تدعو لخريطة تحالفات جديدة في المنطقة لمواجهة ما يسمى بالخطر الإيراني الشيعي أو خطر المنظمات الإرهابية كتنظيم الدولة الإسلامية.
وفي تقديري ان ما يجري يتجاوز التطبيع، لأن ما يجري أخطر من ذلك بكثير. ما يجري هو بصراحة دعوة لإعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة باصطفافات وتحالفات جديدة لا مصلحة فيها للدول العربية وبالتأكيد لا مصلحة فيها للشعب الفلسطيني، بل إنها سوف تكون على حساب مصالحه وحقوقه. هذا كله ينعكس بكل تأكيد على الاوضاع الفلسطينية وحالة المواطن.
س : هل تعتقدون أن الحل القائم على دولتين أمر ممكن أو لنقل ما زال قابلا للتحقيق؟ وإذا إختفى هذا الخيار فما هو البديل؟
ج : فرص بقاء حل الدولتين على قيد الحياة ترتبط بالتطورات الجارية على الأرض وخاصة في الضفة الغربية والدروس التي على الجانب الإسرائيلي استخلاصها كلما أمعن في تقويض فرص التقدم نحو تسوية سياسية قاعدتها الرئيسية وليست الوحيدة طبعا حل الدولتين. ذلك لا يعني أن على الجانب الفلسطيني أن يكتفي بدور المراقب، بل ينبغي أن يكون دوره محوريا، خاصة وأن الامر يتعلق بمستقبله. وعلى العموم ما زالت الممارسات الاستيطانية هي التي توجه التطورات في كل ما يتصل بشؤون التسوية السياسية للصراع وطبيعتها، مرورا بسياسة هدم منازل ومنشآت الفلسطينيين وخاصة في القدس ومحيطها وفي المناطق المصنفة حسب الاتفاقيات مناطق ( C ) وانتهاء بسياسة الترانسفير والتطهير العرقي الصامت التي تجري في القدس ومحيطها وفي مناطق الأغوار الفلسطينية ومناطق جنوب الخليل بشكل خاص وفي مختلف المناطق في الضفة الغربية بشكل عام، هذه السياسات بدأت تدفع ليس فقط بعض الأوساط الفلسطينية بل وكذلك الدولية، إلى الاعتقاد بأن حل الدولتين لم يعد ممكناً. وفي إسرائيل ذاتها هناك من يشعر بالمخاوف ويرى أن إسرائيل تتجه أكثر فأكثر نحو المأزق كلما أوغلت في نشاطاتها الاستيطانية وانتهاكاتها لحقوق المواطن الفلسطيني، لأن بديل حل الدولتين بالنسبة لهؤلاء هو دولة فصل عنصري. البعض يعتقد أن الأمور يمكن ان تسير والحالة هذه نحو الدولة الواحدة ثنائية القومية، غير أن إسرائيل تخشى ذلك، فبموجبه ستكون هناك أغلبية فلسطينية ما بين البحر والنهر لأن النمو الديموغرافي في صالح الفلسطينيين، الذين كما تشير المعطيات سوف يشكلون أغلبية سكانية ( بنسبة 52٪ ) في فلسطين التاريخية بحلول عام 2020 .
لا أعتقد أننا وصلنا إلى نقطة اللاعودة على هذا الصعيد، فدائماً هناك خيار بديل، سواء بالنسبة لدولة الاحتلال الإسرائيلي أو بالنسبة للجانب الفلسطيني. بالنسبة للجانب الفلسطيني فإن الخيارات محدودة، ويبقى الخيار الوطني البديل لدولة المعازل (عمليا دولة أو سلطة الحكم الذاتي الموسع للسكان دون الأرض ) هو خطوات جادة ومسؤولة بفك الارتباط في مختلف مناحي الحياة مع دولة الاحتلال والتحضير لعصيان وطني يفضي إلى تسوية شاملة متوازنة على أساس قرارات الشرعية الدولية ويوفر الفرص لقيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 بما فيها القدس الشرقية دون اجحاف بالحقوق الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف وفي المقدمة منها حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم.
س : الأمم المتحدة والمجتمع الدولي أوغلا كثيرا في تهميش القضية الفلسطينية؟ كيف يمكن أن يصدر تقرير الرباعية بهذه الصيغة المنحازة للرواية الإسرائيلية لو كان هناك حضور فلسطيني فاعل؟ ماذا يمكن عمله في ظل وجود ممثل خاص للأمين العام نيكولاي ملادينوف يتبنى الرواية الإسرائيلية؟ كيف نعيد الاهتمام بالقضية في المحافل الدولية؟
ج : لا شك أن التطورات والأحداث الساخنة التي تجري في المنطقة قد ساعدت في دفع قضية الشعب الفلسطيني إلى الظل ومكنت الأمم المتحدة من إدارة الظهر للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي والاكتفاء بدور المراقب لما يجري على الأرض من انتهاكات جسيمة للقانون الدولي والإنساني على أيدي سلطات وقوات الاحتلال والاكتفاء بالتعليق الخجول على تلك الانتهاكات. وكلنا يذكر الدورة الأخيرة للجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث غابت فلسطين تماما في كلمات الزعماء بدءا بكلمة الرئيس الأمريكي وغيره من رؤساء الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي.
هذا التجاهل لقضية الشعب الفلسطيني كان عاملا من العوامل التي دفعت الشباب الفلسطيني إلى النزول إلى الميدان في انتفاضة الشباب التي حركت المياه الراكدة ودفعت بعض الدول إلى التصرف بمسؤولية ودعوة الأمم المتحدة إلى تحمل مسؤولياتها في البحث عن تسوية للصراع تنهي معاناة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال. ولسوء حظ الشعب الفلسطيني فإن القيادة الفلسطينية تخلفت عن مسؤولياتها في احتضان ورعاية وتوجيه انتفاضة الشباب وفضلت الاضطلاع بدور أثار سخطا واسعا في الأوساط السياسية الفلسطينية. وهكذا تراجع دور انتفاضة الشباب ومعه تراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية بالضرورة، حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه في التقرير الذي قدمته الرباعية الدولية إلى مجلس الأمن الدولي مطلع شهر تموز/يوليو الماضي وما تضمنه من توصيات تمت صياغتها بالتنسيق والتوافق بين الخارجية الإسرائيلية والمندوب الأمريكي في الرباعية الدولية.
وجاءت التوصيات، التي تضمنها التقرير الذي قدمته الرباعية الدولية إلى مجلس الأمن الدولي تعكس حالة العجز والشلل، التي تعيشها الرباعية والمفروضة عليها منذ سنوات من الإدارة الأمريكية وسياستها المنحازة بشكل أعمى للسياسة الإسرائيلية. تلك التوصيات لم تكن متوازنة وجاءت تعكس سلسلة من الاملاءات على الجانب الفلسطيني وتعطي في الوقت نفسه الضوء الأخضر لحكومة بنيامين نتنياهو للاستمرار في مواصلة النشاطات الاستيطانية بعد أن رفضت الإدارة الامريكية بشكل قاطع إدانة تلك النشاطات ودعوة إسرائيل إلى وقفها وبعد أن نجح نتنياهو في إقناع الإدارة الأمريكية وبتواطؤ مع ممثل الأمين العام للأمم المتحدة نيكولاي ميلادينوف بشطب كل ما يتعارض مع سياستها ونشاطاتها الاستيطانية، بحجة أن ذلك يمكن ان يعزز الموقف الفلسطيني في حال طلب التدخل من المحكمة الجنائية الدولية بشأن الاستيطان.
وباختصار فإن التوصيات العشر، التي تضمنها تقرير الرباعية تنطوي على خطورة بالغة وعلى سلسلة من الإملاءات على الجانب الفلسطيني لا يمكن القبول بها، مثلما لا يمكن القبول بأن تتحول لغة التقرير والتوصيات إلى سقف جديد للموقف الدولي، كما تريد الإدارة الأمريكية وإسرائيل . ومن هنا دعونا ردا على تلك التوصيات إلى سرعة التحرك بالتنسيق مع الدول العربية والدول الصديقة والتوجه دون تردد إلى مجلس الأمن الدولي بمشروع قرار يجرم الاستيطان ويدعو إسرائيل إلى وقفه دون قيد أو شرط، مثلما دعونا إلى نقل ملف الاستيطان إلى المحكمة الجنائية الدولية بطلب واضح من المدعي العام بإحالته إلى الشعبة القضائية في المحكمة باعتباره جريمة موصوفة وفقا للفقرة الثامنة من المادة الثامنة لنظام روما للمحكمة الجنائية الدولية.
س : أين وصلت جهود المصالحة بين السلطة وحماس؟ هل من مبادرات جديدة؟
ج : المصالحة الوطنية، أو بمعنى أدق جهود استعادة وحدة النظام السياسي في السلطة الوطنية، عالقة في الطريق بين المصالح الفئوية والأنانية الضيقة. وعلى هذا الأساس يتواصل الانقسام المدمر ويتعمق ولا تلوح في الأفق فرص حقيقية لطي صفحة هذا الانقسام والتوجه نحو تعزيز الوحدة الوطنية في إطار السلطة الفلسطينية، وهناك من يرى في هذا الانقسام المدمر وسيلة لتعزيز نفوذه ومكاسبه على حساب المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني. فرغم توقيع العديد من اتفاقيات وتفاهمات المصالحة، بعضها على مستوى ثنائي بين حركتي فتح وحماس وبعضها على مستوى وطني ضم جميع الفصائل الوطنية والديمقراطية والإسلامية، فضلا عن الشخصيات المستقلة، إلا أن جميع هذه الاتفاقيات ما زالت عالقة في طريق المصالح الفئوية الضيقة، لأن المصالحة عند البعض ما زالت تستند إلى حسابات المصالح والنفوذ والسيطرة والهيمنة في الأمور الصغيرة منها والكبيرة، ويجري التمترس وراء الانقسام بحجج مختلفة، في اعتداء على حق المواطن الفلسطيني في الممارسة الديمقراطية. وإذا استمرت الأمور على هذا الحال، فمن الطبيعي أن تعيش المؤسسات الرسمية حالة من التدهور على أوضاعها وعلى دورها ليتقدم المشهد في النظام السياسي حلول الحكم الاستبدادي محل حكم المؤسسات الدستورية كما هو الحال في الضفة الغربية أو سيطرة حكم الميليشيات كما هو الحال في قطاع غزة، وأعتقد أنه لا مخرج من هذا الانسداد في أفق المصالحة، سوى الخيار الديمقراطي واحترام حق المواطن في الممارسة الديمقراطية بعيدا عن الحجج والذرائع التي تسعى لتعطيل هذا الحق، أي الذهاب إلى انتخابات عامة رئاسية وتشريعية وعلى قاعدة قانون انتخابات ديمقراطي وعصري يعتمد نظام القوائم والتمثيل النسبي الكامل واحترام نتائج الخيار الديمقراطي من ناحية والأخذ بالاعتبار أننا ما زلنا في مرحلة تحرر وطني تتطلب الحفاظ على الائتلاف الوطني العريض ومغادرة سياسة الانفراد والتفرد في إدارة الشأن الوطني العام من ناحية ثانية، فنحن لا نملك ترف الحديث عن تداول سلمي للسلطة، ما دام الوضع الفلسطيني بأسره تحت سلطة الاحتلال.
تيسير خالد سياسي فلسطيني مخضرم من مواليد عام 1941 في بلدة قريوت في محافظة نابلس- فلسطين. اسمه الحقيقي محمد سعادة عوده، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية عن الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، التي يشغل منصب عضو المكتب السياسي فيها
انضم إلى صفوف الجبهة الديمقراطية منذ تأسيسها عام 1969 ودرس علوم سياسية وتاريخ حديث وقانون دولي في جامعة هايدلبرغ في المانيا الاتحادية وقطع دراسته وهو يحضر اطروحة الدكتوراه ليلتحق بالثورة الفلسطينية في لبنان في شباط/فبراير من العام 1972.
انتخب عام 1991 عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، يترأس المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان. واللجنة الوطنية الفلسطينية لسجل اضرار الجدار ودائرة شؤون المغتربين في منظمة التحرير الفلسطينية.
في مكتبه في رام الله، وبعد لقاء حول أضرار الجدار العنصري ودور الأمم المتحدة المنحاز نحو الرواية الإسرائيلية وتقرير اللجنة الرباعية. التقته «القدس العربي» وأجرت معه هذا الحوار.
س : التطرف الإسرائيلي أصبح مجتمعيا وقوى السلام تكاد تختفي- مقابل ذلك هناك تطبيع عربي وكل ذلك إنعكس على الوضع الفلسطيني حيث لم أجد خلال زياراتي المتعاقبة حالة من اليأس مثل هذه التي يعيشها معظم الناس وكأن فسحة الأمل تكاد أن تضيع. هل من مخرج لحالة اليأس؟
ج: نعم هذا صحيح، فالتطرف الإسرائيلي أصبح مجتمعيا، وما يسمى باليسار الصهيوني في تراجع مستمر بينما الفاشية في إسرائيل وباعتراف عدد غير قليل من السياسيين والعسكريين وقادة الرأي العام في حالة صعود. جميعنا يذكر تباين المواقف لدى عدد من هؤلاء السياسيين والعسكريين بعد جريمة الإعدام الميداني للمواطن الفلسطيني عبد الفتاح الشريف في الخليل نهاية آذار/مارس الماضي. أوساط سياسية بينها حكومية تبنت الجريمة ودافعت عنها وأخرى في إسرائيل رفعت صوتها محذرة من التحول المتسارع نحو الفاشية ليس فقط عند الأحزاب اليمينية والمتطرفة وأحزاب وأوساط المستوطنين بل في الأوساط الحكومية الرسمية. ميول الفاشية لم تعد ظاهرة عابرة وهامشية في الأوساط الشعبية والرسمية بقدر ما أصبحت حالة قائمة تجد تعبيراتها في الأعمال الاجرامية والإعدامات الميدانية التي يمارسها جيش الاحتلال على الحواجز العسكرية المنتشرة في طول الضفة الغربية وعرضها وعلى مفترقات الطرق وفي الأعمال الإرهابية التي يمارسها المستوطنون وخاصة سكان البؤر الاستيطانية، هذا إلى جانب القوانين العنصرية التي تصدر عن الكنيست والتحريض العنصري اليومي ضد المواطنين الفلسطينيين فضلا عن فتاوى حاخامات الكراهية.
وفي المقابل تجري في محيطنا العربي مع الأسف الشديد عمليات انفتاح على دولة الاحتلال الإسرائيلي. ينبغي عدم الاستهانة بما يجري أو التقليل من خطورة انفتاح بعض الدول العربية وخاصة في الخليج العربي على إسرائيل، أو حتى الصمت على التصريحات، التي تصدر عن رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو وغيره من المسؤولين الإسرائيليين بشأن تطور العلاقات مع دول عربية محورية انطلاقا من تقاطع المواقف أو السياسات، التي تدعو لخريطة تحالفات جديدة في المنطقة لمواجهة ما يسمى بالخطر الإيراني الشيعي أو خطر المنظمات الإرهابية كتنظيم الدولة الإسلامية.
وفي تقديري ان ما يجري يتجاوز التطبيع، لأن ما يجري أخطر من ذلك بكثير. ما يجري هو بصراحة دعوة لإعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة باصطفافات وتحالفات جديدة لا مصلحة فيها للدول العربية وبالتأكيد لا مصلحة فيها للشعب الفلسطيني، بل إنها سوف تكون على حساب مصالحه وحقوقه. هذا كله ينعكس بكل تأكيد على الاوضاع الفلسطينية وحالة المواطن.
س : هل تعتقدون أن الحل القائم على دولتين أمر ممكن أو لنقل ما زال قابلا للتحقيق؟ وإذا إختفى هذا الخيار فما هو البديل؟
ج : فرص بقاء حل الدولتين على قيد الحياة ترتبط بالتطورات الجارية على الأرض وخاصة في الضفة الغربية والدروس التي على الجانب الإسرائيلي استخلاصها كلما أمعن في تقويض فرص التقدم نحو تسوية سياسية قاعدتها الرئيسية وليست الوحيدة طبعا حل الدولتين. ذلك لا يعني أن على الجانب الفلسطيني أن يكتفي بدور المراقب، بل ينبغي أن يكون دوره محوريا، خاصة وأن الامر يتعلق بمستقبله. وعلى العموم ما زالت الممارسات الاستيطانية هي التي توجه التطورات في كل ما يتصل بشؤون التسوية السياسية للصراع وطبيعتها، مرورا بسياسة هدم منازل ومنشآت الفلسطينيين وخاصة في القدس ومحيطها وفي المناطق المصنفة حسب الاتفاقيات مناطق ( C ) وانتهاء بسياسة الترانسفير والتطهير العرقي الصامت التي تجري في القدس ومحيطها وفي مناطق الأغوار الفلسطينية ومناطق جنوب الخليل بشكل خاص وفي مختلف المناطق في الضفة الغربية بشكل عام، هذه السياسات بدأت تدفع ليس فقط بعض الأوساط الفلسطينية بل وكذلك الدولية، إلى الاعتقاد بأن حل الدولتين لم يعد ممكناً. وفي إسرائيل ذاتها هناك من يشعر بالمخاوف ويرى أن إسرائيل تتجه أكثر فأكثر نحو المأزق كلما أوغلت في نشاطاتها الاستيطانية وانتهاكاتها لحقوق المواطن الفلسطيني، لأن بديل حل الدولتين بالنسبة لهؤلاء هو دولة فصل عنصري. البعض يعتقد أن الأمور يمكن ان تسير والحالة هذه نحو الدولة الواحدة ثنائية القومية، غير أن إسرائيل تخشى ذلك، فبموجبه ستكون هناك أغلبية فلسطينية ما بين البحر والنهر لأن النمو الديموغرافي في صالح الفلسطينيين، الذين كما تشير المعطيات سوف يشكلون أغلبية سكانية ( بنسبة 52٪ ) في فلسطين التاريخية بحلول عام 2020 .
لا أعتقد أننا وصلنا إلى نقطة اللاعودة على هذا الصعيد، فدائماً هناك خيار بديل، سواء بالنسبة لدولة الاحتلال الإسرائيلي أو بالنسبة للجانب الفلسطيني. بالنسبة للجانب الفلسطيني فإن الخيارات محدودة، ويبقى الخيار الوطني البديل لدولة المعازل (عمليا دولة أو سلطة الحكم الذاتي الموسع للسكان دون الأرض ) هو خطوات جادة ومسؤولة بفك الارتباط في مختلف مناحي الحياة مع دولة الاحتلال والتحضير لعصيان وطني يفضي إلى تسوية شاملة متوازنة على أساس قرارات الشرعية الدولية ويوفر الفرص لقيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 بما فيها القدس الشرقية دون اجحاف بالحقوق الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف وفي المقدمة منها حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم.
س : الأمم المتحدة والمجتمع الدولي أوغلا كثيرا في تهميش القضية الفلسطينية؟ كيف يمكن أن يصدر تقرير الرباعية بهذه الصيغة المنحازة للرواية الإسرائيلية لو كان هناك حضور فلسطيني فاعل؟ ماذا يمكن عمله في ظل وجود ممثل خاص للأمين العام نيكولاي ملادينوف يتبنى الرواية الإسرائيلية؟ كيف نعيد الاهتمام بالقضية في المحافل الدولية؟
ج : لا شك أن التطورات والأحداث الساخنة التي تجري في المنطقة قد ساعدت في دفع قضية الشعب الفلسطيني إلى الظل ومكنت الأمم المتحدة من إدارة الظهر للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي والاكتفاء بدور المراقب لما يجري على الأرض من انتهاكات جسيمة للقانون الدولي والإنساني على أيدي سلطات وقوات الاحتلال والاكتفاء بالتعليق الخجول على تلك الانتهاكات. وكلنا يذكر الدورة الأخيرة للجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث غابت فلسطين تماما في كلمات الزعماء بدءا بكلمة الرئيس الأمريكي وغيره من رؤساء الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي.
هذا التجاهل لقضية الشعب الفلسطيني كان عاملا من العوامل التي دفعت الشباب الفلسطيني إلى النزول إلى الميدان في انتفاضة الشباب التي حركت المياه الراكدة ودفعت بعض الدول إلى التصرف بمسؤولية ودعوة الأمم المتحدة إلى تحمل مسؤولياتها في البحث عن تسوية للصراع تنهي معاناة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال. ولسوء حظ الشعب الفلسطيني فإن القيادة الفلسطينية تخلفت عن مسؤولياتها في احتضان ورعاية وتوجيه انتفاضة الشباب وفضلت الاضطلاع بدور أثار سخطا واسعا في الأوساط السياسية الفلسطينية. وهكذا تراجع دور انتفاضة الشباب ومعه تراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية بالضرورة، حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه في التقرير الذي قدمته الرباعية الدولية إلى مجلس الأمن الدولي مطلع شهر تموز/يوليو الماضي وما تضمنه من توصيات تمت صياغتها بالتنسيق والتوافق بين الخارجية الإسرائيلية والمندوب الأمريكي في الرباعية الدولية.
وجاءت التوصيات، التي تضمنها التقرير الذي قدمته الرباعية الدولية إلى مجلس الأمن الدولي تعكس حالة العجز والشلل، التي تعيشها الرباعية والمفروضة عليها منذ سنوات من الإدارة الأمريكية وسياستها المنحازة بشكل أعمى للسياسة الإسرائيلية. تلك التوصيات لم تكن متوازنة وجاءت تعكس سلسلة من الاملاءات على الجانب الفلسطيني وتعطي في الوقت نفسه الضوء الأخضر لحكومة بنيامين نتنياهو للاستمرار في مواصلة النشاطات الاستيطانية بعد أن رفضت الإدارة الامريكية بشكل قاطع إدانة تلك النشاطات ودعوة إسرائيل إلى وقفها وبعد أن نجح نتنياهو في إقناع الإدارة الأمريكية وبتواطؤ مع ممثل الأمين العام للأمم المتحدة نيكولاي ميلادينوف بشطب كل ما يتعارض مع سياستها ونشاطاتها الاستيطانية، بحجة أن ذلك يمكن ان يعزز الموقف الفلسطيني في حال طلب التدخل من المحكمة الجنائية الدولية بشأن الاستيطان.
وباختصار فإن التوصيات العشر، التي تضمنها تقرير الرباعية تنطوي على خطورة بالغة وعلى سلسلة من الإملاءات على الجانب الفلسطيني لا يمكن القبول بها، مثلما لا يمكن القبول بأن تتحول لغة التقرير والتوصيات إلى سقف جديد للموقف الدولي، كما تريد الإدارة الأمريكية وإسرائيل . ومن هنا دعونا ردا على تلك التوصيات إلى سرعة التحرك بالتنسيق مع الدول العربية والدول الصديقة والتوجه دون تردد إلى مجلس الأمن الدولي بمشروع قرار يجرم الاستيطان ويدعو إسرائيل إلى وقفه دون قيد أو شرط، مثلما دعونا إلى نقل ملف الاستيطان إلى المحكمة الجنائية الدولية بطلب واضح من المدعي العام بإحالته إلى الشعبة القضائية في المحكمة باعتباره جريمة موصوفة وفقا للفقرة الثامنة من المادة الثامنة لنظام روما للمحكمة الجنائية الدولية.
س : أين وصلت جهود المصالحة بين السلطة وحماس؟ هل من مبادرات جديدة؟
ج : المصالحة الوطنية، أو بمعنى أدق جهود استعادة وحدة النظام السياسي في السلطة الوطنية، عالقة في الطريق بين المصالح الفئوية والأنانية الضيقة. وعلى هذا الأساس يتواصل الانقسام المدمر ويتعمق ولا تلوح في الأفق فرص حقيقية لطي صفحة هذا الانقسام والتوجه نحو تعزيز الوحدة الوطنية في إطار السلطة الفلسطينية، وهناك من يرى في هذا الانقسام المدمر وسيلة لتعزيز نفوذه ومكاسبه على حساب المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني. فرغم توقيع العديد من اتفاقيات وتفاهمات المصالحة، بعضها على مستوى ثنائي بين حركتي فتح وحماس وبعضها على مستوى وطني ضم جميع الفصائل الوطنية والديمقراطية والإسلامية، فضلا عن الشخصيات المستقلة، إلا أن جميع هذه الاتفاقيات ما زالت عالقة في طريق المصالح الفئوية الضيقة، لأن المصالحة عند البعض ما زالت تستند إلى حسابات المصالح والنفوذ والسيطرة والهيمنة في الأمور الصغيرة منها والكبيرة، ويجري التمترس وراء الانقسام بحجج مختلفة، في اعتداء على حق المواطن الفلسطيني في الممارسة الديمقراطية. وإذا استمرت الأمور على هذا الحال، فمن الطبيعي أن تعيش المؤسسات الرسمية حالة من التدهور على أوضاعها وعلى دورها ليتقدم المشهد في النظام السياسي حلول الحكم الاستبدادي محل حكم المؤسسات الدستورية كما هو الحال في الضفة الغربية أو سيطرة حكم الميليشيات كما هو الحال في قطاع غزة، وأعتقد أنه لا مخرج من هذا الانسداد في أفق المصالحة، سوى الخيار الديمقراطي واحترام حق المواطن في الممارسة الديمقراطية بعيدا عن الحجج والذرائع التي تسعى لتعطيل هذا الحق، أي الذهاب إلى انتخابات عامة رئاسية وتشريعية وعلى قاعدة قانون انتخابات ديمقراطي وعصري يعتمد نظام القوائم والتمثيل النسبي الكامل واحترام نتائج الخيار الديمقراطي من ناحية والأخذ بالاعتبار أننا ما زلنا في مرحلة تحرر وطني تتطلب الحفاظ على الائتلاف الوطني العريض ومغادرة سياسة الانفراد والتفرد في إدارة الشأن الوطني العام من ناحية ثانية، فنحن لا نملك ترف الحديث عن تداول سلمي للسلطة، ما دام الوضع الفلسطيني بأسره تحت سلطة الاحتلال.
