الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين: من مشروع وحدوي الى اطار حزبي !!؟؟

الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين: من مشروع وحدوي الى اطار حزبي !!؟؟
رام الله - دنيا الوطن - قاسم قصير
تأسس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين في العام 2004 بمبادرة من العلامة الشيخ يوسف القرضاوي وبمشاركة من عدد كبير من العلماء المسلمين من مختلف الدول والمذاهب والاقطار، وقد وضع الاتحاد عددا من الاهداف والاسس التي يعمل على اساسها ومنها :

 الاتحاد المنشود مفتوح لكل علماء المسلمين في المشارق والمغارب، ويعنى بالعلماء: خريجي الكليات الشرعية والأقسام الإسلامية، وكل من له عناية بعلوم الشريعة، والثقافة الإسلامية، وله فيها إنتاج معتبر، أو نشاط ملموس. ولهذا الاتحاد سمات وخصائص يجب أن يتصف بها، ويتميز عن غيره، يشار إليها فيما يلي:

1.    الإسلامية: فهو اتحاد إسلامي خالص، يتكون من علماء مسلمين، ويعمل لخدمة القضايا الإسلامية، ويستمد من الإسلام منهجه، ويستهدي به في كل خطواته؛ وهو يمثل المسلمين بكل مذاهبهم وطوائفهم.

2.    العالمية: فهو ليس محليا ولا إقليميًا، ولا عربيًا ولا عجميًا، ولا شرقيًا ولا غربيًا، بل هو يمثل المسلمين في العالم الإسلامي كله، كما يمثل الأقليات والمجموعات الإسلامية خارج العالم الإسلامي.

3.    الشعبية: فهو ليس مؤسسة رسمية حكومية، وإنما يستمد قوته من ثقة الشعوب والجماهير المسلمة به. ولكنه لا يعادي الحكومات، بل يجتهد أن يفتح نوافذ للتعاون معها على ما فيه خير الإسلام والمسلمين.

4.    الاستقلال: فهو لا يتبع دولة من الدول، ولا جماعة من الجماعات، ولا طائفة من الطوائف، ولا يعتز إلا بانتسابه إلى الإسلام وأمته.

5.    العلمية: فهو مؤسسة لعلماء الأمة، فلا غرو أن يهتم بالعلم وتعليمه وبتراثنا العلمي وإحيائه وتحقيقه ونشره.

6.    الدعوية: فهو مؤسسة تُعنى بالدعوة إلى الإسلام باللسان والقلم، وكل الوسائل المعاصرة المشروعة، مقروءة أو مسموعة أو مرئية، ملتزمة بمنهج القرآن بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن.

7.    الوسطية: فهو لا يجنح إلى الغلو والإفراط، ولا يميل إلى التقصير والتفريط، وإنما يتبنى المنهج الوسط للأمة الوسط، وهو منهج التوسط والاعتدال.

8.    الحيوية: فلا يكتفي بمجرد اللافتات والإعلانات، بل يُعنى بالعمل والبناء، وتجنيد الكفاءات العلمية والطاقات العملية، تقودها ثلة من العلماء المشهود لهم بالفقه في الدين، والاستقامة في السلوك، والشجاعة في الحق، والاستقلال في الموقف، والحائزين على القبول بين جماهير المسلمين.

والتزاما بهذه الاسس عمد اعضاء الاتحاد لاختيار قيادة له تمثل معظم المذاهب والاتجاهات من العالم الاسلامي وان يكون نواب الاتحاد من دول ومذاهب متعددة وكان من نواب الرئيس : العلامة الشيخ محمد التسخيري والشيخ محمد واعظ زادة الخرساني من ايران والشيخ عبد الله بن بيه من موريتانيا والشيخ احمد الخليلي مفتي سلطنة عمان، وفي سنوات التأسيس الاولى للاتحاد عمد الاتحاد ورئيسه الشيخ يوسف القرضاوي وامينه العام السابق الدكتور محمد سليم العوا الى القيام بالعديد من المبادرات الوحدوية واتخاذ المواقف المتوازنة من مختلف القضايا السياسية والفقهية واعد ميثاقا اسلاميا مهما حول مختلف الاوضاع.

وقد كان من المتوقع ان يستمر الاتحاد في مسيرته الوحدوية والمتوازنة وان يلتزم بالميثاق والاسس التي وضعها وخصوصا الاستقلالية وعدم اتباع اية دولة.

لكن الامور لم تسر كما جرى وضعها في اسس عمل الاتحاد ، وبدأ رئيسه الشيخ يوسف القرضاوي التراجع عن دعوته الوحدوية من خلال اطلاق التهم لعلماء الشيعة ومؤسساتهم بانهم لا يريدون الوحدة الحقيقية وانهم يستغلون مؤتمرات الوحدة من اجل نشر التشيع في العالم ، كما استعاد القرضاوي في تصريحات له بعض التهم التي توجه للمسلمين الشيعة حول تحريف القرأن وامور عقائدية ومذهبية، وقد ادت هذه المواقف الى ردود قاسية ضد القرضاوي من قبل علماء في الاتحاد ومنهم المرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله ، اضافة الى صدور موقف قاسي ضده من قبل وكالة ايرانية ، لكن جرت محاولات لتصحيح الوضع وعقد لقاء في قطر بين قيادات من حزب الله والجمهورية الاسلامية الايرانية وحركة حماس مع الشيخ القرضاوي في العام 2008 من اجل التخفيف من حالة الاحتقان واعادة الامور الى نصابها.

لكن الاوضاع عادت للتفاقم بعد الثورات الشعبية العربية واتخاذ الشيخ القرضاوي مواقف سياسية مباشرة ضد قادة بعض الدول العربية وتدخله في الاحداث السياسية لمصلحة اطراف معينة وعدم الالتزام بالوسطية ، وقد ادت هذه المواقف الى خروج عدد من العلماء من قيادة الاتحاد ومنهم الشيخ عبد الله بن بية وكما اوقف العلماء من الجمهورية الاسلامية الايرانية وعدد من علماء الشيعة نشاطاتهم في الاتحاد، وزاد الحضور السلفي والاخواني داخل مؤسسات ونشاطات الاتحاد ، واصبحت معظم نشاطات الاتحاد متمركزة بين قطر وتركيا وكأن الاتحاد اصبح تابعا لهاتين الدولتين في مواجهة دول اخرى.

ومن يراقب مواقف ونشاطات الاتحاد يلحظ عدم وجود توازن بالمواقف وهو ينطلق من زاوية معينة ومثال بسيط على ذلك ان بياناته واجتماعاته تتحدث عن كل قضايا المسلمين في العالم وعن كل الثورات العربية ولكنها لا تتحدث مطلقا عما يجري في البحرين، واما في الشأن العراقي فهي تتحدث عن المجازر والهجمات ضد اتباع مذهب معين ولكنها لا تتخذ مواقف واضحة من الجرائم التي ترتكب ضد اتباع مذهب اخر الا بشكل بسيط وخفيف.

واما مواجهة داعش والارهاب المنتشر في العالم فهو لم يأخذ من الاتحاد المساحة والاهتمام المطلوبين ويحاول بعض اعضاء الاتحاد الدمج بين مواجهة داعش وايران والشيعة ، وفي المؤتمر العام الاخير للاتحاد في تركيا في العام 2014 اعتبر احد العلماء المشاركين في المؤتمر انه يجب مواجهة داعش والشيعة وايران واسرائيل وانه هؤلاء هم الاعداء المشتركين.

واما مسألة الوحدة الاسلامية والتقريب بين المذاهب والعمل لمعالجة الازمات في العالم العربي والاسلامي فلم تعد من اولويات الاتحاد بل اصبح اول اهتماماته مواجهة انتشار التشيع في العالم ولذلك اعد فريقا بحثيا من حوالي 40 باحثا لاعداد دراسة مفصلة عن نشر التشيع في افريقيا وتم نشر التقرير في كتاب مستقل من حوالي 700 صفحة.

واعلن الشيخ القرضاوي مرارا عن ندمه عن عمله الوحدوي والتقريبي وهاجم بقوة سياسات ايران وحزب الله بسبب الموقف مع سوريا، كما حصلت ازمة كبيرة بين السعودية والشيخ القرضاوي بسبب الموقف من الاخوان المسلمين والوضع في مصر واتهام السعودية للاخوان بالارهاب ، وقد جرت عدة محاولات لمعالجة هذه الازمة وقد عمد الشيخ القرضاوي لاحقا لاصدار بيانات تشيد بعلماء السعودية ودور السعودية .

ولايزال الاتحاد يواصل مسيرته ويعقد المؤتمرات الدورية في تركيا وقطر واحيانا في تونس ، لكن يغيب عن هذه المؤتمرات العلماء المسلمين الشيعة ولم تعد ايران ممثلة في هيئة الرئاسة ، كما ترك الاتحاد امينه العام السابق الدكتور محمد سليم العوا والشيخ عبد الله بن بية وتم اختيار قيادة جديدة للاتحاد.

ورغم كل الملاحظات النقدية التي يمكن ان توجه للاتحاد فانه لايزال يعتبر احدى اهم المؤسسات العلمائية في العالم العربي والاسلامي وعلى المستوى الدولي ويمكن ان يلعب دورا مهما في مواجهة التطرف والعنف والعودة الى مسيرته الوحدوية والمتوازنة بشرط اعادة النظر بسياساته وادائه ، وقد عمد بعض اعضاء الاتحاد الى توجيه نقد لهذه السياسات في المؤتمر العام في تركيا عام 2014 ولكن لم يتم الاخذ بهذه الاراء.

وعلى ضوء ذلك تحتاج مسيرة الاتحاد وادائه الى اعادة النظر حتى لا يتحول الى اطار حزبي اخواني- سلفي وتابع لدول معينة في مواجهة دول اخرى.

التعليقات