فتح النوافذ ممنوع في الخليل

فتح النوافذ ممنوع في الخليل
الخليل - خاص دنيا الوطن- من مراسلنا ساري جرادات

"حياتنا أصبحت جحيما لا يطاق، لا نستطيع فتح نوافذ المنزل لا في الصيف ولا في الشتاء، الروائح تحاصرنا من كل المكان، والحشرات باتت تداهمنا خصوصا في فصل الصيف، بسبب قيام جارنا بتربية عجول في الطابق الأرضي لمنزله، دون الاكتراث لوجود سكان حوله".

وأضاف أن طفله البالغ من العمر عامين، ظهرت على وجهه بقع غريبة ناتجة من وجود حيوانات في مكان قريب حسب تحليل الطبيب، كما حمل البلدية المسؤولية عن ذلك كونها لا تقوم بمعاقبة او منع او تنظيم عمل مزارع الثروة الحيوانية في قريته ".

هكذا بدأ الشاب ( ر. ط ) البالغ من العمر 37 عاما، من بلدة ترقوميا شمال الخليل، حديثه ل " دنيا الوطن " حول ظاهرة انتشار مزارع الثروة الحيوانية وبالاخص العجول على متاخم قريته ووسط التجمعات السكانية، الامر الدي يلحق الضرر بالانسان والبيئة.

 تشكل الثروة الحيوانية الجزء الرئيسي في القطاع الزراعي، وتبلغ ما يقـارب 35% مـن الانتاج الزراعي، ويعيل قطاع الثروة الحيوانية مئات الالوف من الناس في فلسطين، ويساهم قطاع الدواجن بـ 40-50% من إنتاج الثروة الحيوانية، و12-15% من الانتاج الزراعي. 

رئيس بلدية ترقوميا سامي فطافطة قال لمراسلنا، ان بلديته تتابع مثل هذه القضايا في حال وجود شكاوى مسجلة لديها، مؤكدا علمه بوجود مثل هذه المزارع بين التجمعات السكانية، لكنه اكد عدم قدرة البلدية اتخاذ اي اجراء الا اذا وردته شكوى من المواطنين، حينها يتم تبليغ الجهات المختصة".

يتابع " عدم وجود مناطق خاصة بالعمل في هذا النوع من التجارة هو السبب وراء انتشارها بين التجمعات السكانية، وتتحمل وزارة الزراعة الجزء الاكبر من المسؤولية كونها لا تشاور في انشاء المزارع وحين تمنح التراخيص لا تعاين المكان وتتابع سير العمل فيه".

عشرات المواطنين في مدينة يطا جنوب الخليل يقومون بتربية الابقار امام منازلهم لما توفره من غذاء يومي لهم ولعائلاتهم، ويقوم البعض الى بيع فائض اللبن والحليب الناتج للتجار، ويلجأ اهالي يطا لهذا الامر بسبب اعتماد الكثير منهم على تربية الماشية وخروجهم في موسم الربيع والصيف الى البرية ( العزبة ) لرعي المواشي.

المواطن خليل الجبور من يطا قال لمراسلنا " تنتشر ظاهرة تربية الابقار والدواجن في يطا منذ القدم، كونها جزءًا من النظام الاجتماعي والاقتصادي للعائلات هنا خاصة في مسافر يطا، لذلك يبدو من الصعب إعادة تنظيم هذا النوع من التربية، في ظل الغلاء الفاحش للاسعار وبعد المواطنين عن مركز المدينة لشراء احتياجاتهم اليومية وحب المواطنين للماشية والابقار".

"ويؤكد المواطن الجبور حرمانه وعائلته من التمتع بأجواء الصيف والجلسات العائلية الهادئة، ويتحولون لاسرى داخل منازلهم لتفادي استنشاق الروائح الكريهة المنبعثة من هذه المزارع، ولتجنب أذى الحشرات والبعوض والاصوات المزعجة الناتجة عن بعض الحيوانات.

مديرة دائرة الدواجن في الادارة العامة للإرشاد الزراعي بوزارة الزراعة ريم مصطفى اكدت صدور قرار من مجلس الوزراء عام 2000 بمنع انشاء المزارع داخل المخططات الهيكلية، ويجب اخراجها من هذه المخططات، بحيث تبعد عن التجمعات السكانية بما لا يقل عن 500 متر.

ويرى الطبيب البيطري وجيه عويضات أن موضوع تربية الدواجن والمواشي بين تجمعات السكان مشكلة عالقة منذ سنوات، وتابع "اذا لم يتم اتباع شروط الصحة والسلامة، فإن مخلفات هذه الحيوانات تتسبب في بعض الامراض وتكون بيئة خصبة لامراض بكتيرية معدية.

يضيف "الضرر الاكبر ينتج من مزارع الابقار حيث ان الرائحة تكون مؤثرة بشكل اكبر ويمكن استنشاقها من مسافة بعيدة، وتؤدي مخلفاتها الى انبعاث غازات كالميثان والايثان الملوثين للبيئة، وهي ايضا مضرة بالصحة خصوصا لمرضى الربو والحساسية والجيوب الانفية".

ومن وجهة نظر الخبير الاقتصادي سليمان عيسى ان المشكلة تكمن في استمرار هذه الفوضى، بسبب عدم وجود خطة استراتيجية على اساس علمي ينظم قطاع تربية الدواجن والمواشي،  حيث تداخل الصلاحيات وتعددها وتضاربها بين الوزارات والجهات المعنية، يدفع المزارعين الى انشاء مزارع للتربية غير مطابقة للشروط الصحية والبيئية.

وزارة الصحة من جهتها، حذرت في وقت سابق على لسان مدير دائرة الصحة ابراهيم عطية، من ان استمرار الوضع الحالي يؤدي الى اضرار صحية، خصوصا في حالات انتشار فيروسات، حيث يصبح من الصعب السيطرة على الفيروس في حالات المزارع العشوائية والمزارع الغير مسجلة بشكل رسمي لدى الجهات المختصة.

بين نار محدودية الاراضي وتشجيع المزارعين ليكون لهم مصادر دخل، ونار الاضرار بالبيئة والصحة العامة، يبقى الانسان والبيئة هما الخاسرين الوحيدين جراء عدم اتباع اسس علمية ومهنية واتخاذ اجراءات وتدابير الصحة العامة لتنظيم هذا القطاع.