"تحذير"عملية نيس الإرهابية .. نقطة في بحر الدم القادم

"تحذير"عملية نيس الإرهابية .. نقطة في بحر الدم القادم
اللواء د. محمد المصري
 رئيس المركز الفلسطيني للبحوث والدراسات الاستراتيجية

لماذا يضرب الإرهاب فرنسا الآن ، عمل وحشي لا علاقة له بالإسلام ، قد يكون محمد بو هلال مسلماً أو من بلدٍ عربيٍ ، ولكننا نُدين هذا العمل الجبان ، الذي وُجه إلى بلدٍ صديق ، يقوم بدور مهم في رفع الظلم التاريخي عن شعبنا ، ويعمل من أجل عقد مؤتمر دولي في محاولة منه إعطاءنا جزء من حقوقنا  ، في إقامة دولة فلسطينية مستقلة ، ونُقدر هذا الدور للقيادة والحكومة والشعب الفرنسي الصديق .

ولكن كيف تتم هكذا عملية في الفترة التي يكون فيها الأمن الفرنسي مستنفراً كل طاقاته ، ارتباطاً بطبيعة التهديدات المتوقعة ، خاصة في فترة الدورة الأوروبية لكرة القدم ، لم تنته الإجراءات الأمنية بعد ، نعرف تماماً أن هكذا عمليات فردية من الصعوبة بمكان مواجهتها أو وقفها ، خاصة بأن هذا المجرم لم يكن مُسجلاً على قوائم الإرهابيين ، وهنا بيت القصيد ، ليس كل إرهابي يجب أن يكون عقائدياً ليقوم بهذا الفعل الدنيء .

لذا نتوقع ردة الفعل ، ونأمل أن تكون كلمات الرئيس الفرنسي عن الإرهاب الإسلامي زلة لسان وليست نابعة عن دراسات سابقة ، مما يشير إلى إمكانية تغيير ما في المواقف الفرنسية بالمرحلة القادمة .

هذه العملية الإرهابية التي أوقعت كل هذا العدد من الضحايا من قِبل فردٍ واحد ، بغض النظر عمن يقف خلفه ، وبدون استخدام أسلحة كبيرة ، فقط سيارة يدوس بها الأبرياء وهم يحتفلون بعيدهم الوطني ، يمكن أن تخلق نموذجاً للكثيرين من الإرهابيين أو المجانين أو المهمشين ، أو حتى من الهاربين من قواعد الإرهاب ، خاصة وأن هناك ثمة توجهاً دولياً سيعزز ما بعد هذه العملية ، بضرورة إنهاء داعش في أماكن تمركزها بالعراق وسوريا ، مما سيعيد المئات بل الآلاف إلى أوروبا وبطرق متعددة .

أوروبا مقبلة على حمامات من الدم ، كيف يمكن وقف هذا دون توحيد الجهود الاستخبارية ، إلى جانب العمل على تجفيف مناطق التوتر ، ودون حل المشاكل العالقة في كثير من البلدان ، خوفنا أن تتراجع الحكومة الفرنسية عن دورها ، والتي اختارته من أجل عقد مؤتمر دولي لحل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي ، وتنكفئ على نفسها ، أو أن تستغل إسرائيل هذه العملية الإرهابية لوسم كل فلسطيني يرتكب حادث مروري يسفر عن جرح إسرائيلي ، بأن هذا العمل إرهابي ، ويكون مطلوبـاً مـنــا أن ندين كل حـادث مروري ، لذا يجب التنبه بالمرحلة القـادمة وإدارة الصراع مـع المحتل ، بما لا يُدين شعبنا ، وهذه ليست دعوة لوقف مقاومة الاحتلال .

فوبيا الإسلام ستكون السمة الغالبة في المجتمعات الأوروبية بالمرحلة القادمة ، وسيقابلها عنف فردي منفلت لا يمكن التنبؤ به ، ولكن هذه العملية هي خطوة باتجاه مرحلة جديدة من الإرهاب (السهل) التنفيذ ، وهذا ما ستقوم به المجموعات الإرهابية ، وستكون عمليات التجنيد بالنسبة لهم سهلة ، وسيتدافع الكثير من الذئاب المنفلتة لتنفيذ هكذا عمليات ، خاصة بعد الهجرة الكبيرة التي اجتاحت أوروبا .

وهنا من الضروري أن تبذل الدول الإسلامية جهوداً كبيرة ، وخاصة الدول العربية ، باتجاه تخفيف الأضرار ، وتكثيف الجهود ، والانخراط في المنظومة الدولية لمكافحة الإرهاب ، بالرغم من معرفتنا بأن النظم العربية وشعوبنا تعاني منه ، وسبق لعدد من القادة العرب حذروا من ذلك .

ويبقى لنا دور ، نحن الفلسطينيين ، الذين دفعنا من دمنا وشبابنا وكنا ضحية إرهاب الدولة الإسرائيلية ، كنا دائماً جزءاً من التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب ، ودعونا وندعو كل يوم ، بأن قضيتنا عادلة ، ونريد العيش بسلام في ظل دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب دولة إسرائيل ، فهل ستكون هذه العملية دافعة باتجاه الحل ، أم ستكون مرحلة جديدة ، ندفع نحن ثمنها ، بسبب قوة الآلة الإعلامية الإسرائيلية ، وتقدم الحكومة الفاشية في إسرائيل بأنها هي التي تقاوم (الإرهاب الفلسطيني) ، وتقدم الدروس للآخرين حول طرق ووسائل مواجهة هكذا عمليات .

لدينا عدالة قضيتنا ، وصمود شعبنا ، وقيادة تنبذ الإرهاب ، وقدرات كبيرة في العمل الاستخباري ، وقادرين أن نخفف الأضرار ونقنع العالم بأننا شعب يستحق الحياة في دولة ، تكون إلى جانب دول العالم الحر ، الذي يدافع عن حق الإنسان في الحياة ، وسنكون شعباً حياً حراً يُفرق بين العمل الإرهابي ، والعمل المقاوم ، حتى لا نغرق في بحر الدم القادم .

والله على ما أقول شهيد