جودة التعليم في غزة تحتضر : "الهندسة" في خبر كان-نقيب المهندسين يحمل الشخشير المسؤولية ونقابات تدعو لعدم اختيار تخصصاتها
غزة-خاص دنيا الوطن-كمال عليان
جامعات غزة.. قنابل موقوتة قابلة للانفجار
جامعات غزة.. تجارة والكل يدلل على بضاعته
تجارة واستثمار ولا عزاء للطالب وجودة التعليم في خبر كان
لم يتصعب الشاب محمد رياض الناجح في الثانوية العامة بمعدل (79%) في الالتحاق بتخصص الهندسة الذي كان يحلم به منذ صغره، على الرغم من أن معدله لم يكن ليسمح له بدراسة هذا التخصص الأعوام الماضية، بعد خفض الجامعات والكليات الفلسطينية مفاتيح القبول لكثير من التخصصات للعام الدراسي 2016/2017، في خطوة لاستقطاب أكبر عدد من الطلاب، دون مراعاة لسوق العمل المشبع أو حتى مستويات البطالة العالية.
ويقف رياض حائرا في اختيار الجامعة التي ينوي التسجيل بها، بسبب تكرار التخصصات التعليمية ذاتها في معظم المؤسسات، وكثرة عروض التسجيل والاغراءات، في صورة لا تختلف تماما عن سوق تجاري وجميع المحلات تعرض بضاعتها.
ولا يحتاج المتابع لمستوى مفاتيح القبول بالجامعات إلى عين فاحصة ليرى الانخفاض الكبير في مستوى العديد من الكليات التي كانت لا تقبل أقل من معدل 90% للالتحاق بها، ككلية الهندسة بالجامعة الاسلامية مثلا والتي أصبح معدل القبول بها للطلاب 78% فقط، الأمر الذي دفع بعض خريجيها السابقين بالتعليق على مواقع التواصل الاجتماعي بجملة (ضاعت الهندسة).
والأمر ذاته دفع رئيس الجامعة الاسلامية عادل عوض لكتابة كلمات على الفيس بوك تختزل واقع التعليم الجامعي في غزة بقوله " لو كان الأمر فقط قطاع غزة فسنغلق كل الجامعات في كل التخصصات، هؤلاء الطلبة بحاجة إلى أن يتعلموا وجميع التخصصات مشبعة تماما في القطاع".
عملية مشوهة
ولعل الأرقام التي تحدث بها مركز الاحصاء الفلسطيني سابقا حول ضخ الجامعات لأكثر من 30 ألف خريج سنويا للسوق المحلي بغزة، وارتفاع معدل البطالة بين فئة الخريجين الشباب إلى أكثر من 60%، هو ما دفع رئيس الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية رفعت رستم للتأكيد على أن كل مدخلات العملية التعليمية في قطاع غزة "مشوهة" وتحتاج إلى تعديل، مبينا أن مستوى الطلاب وجودة التعليم منخفضة وغير حقيقية في معظم الأحيان.
ويقول رستم لـ"دنيا الوطن" إنه كلما انخفض مفتاح القبول في الكليات والجامعات فسيلتحق بها طلاب أقل مستوى من التخصص ذاته، وبالتالي تزداد الأمور سوءا، بعد تخريج طلاب ضعاف ومستواهم غير حقيقي لسوق العمل الذي يعاني من التشبع أصلا.
وحول سبب انخفاض مفاتيح القبول في الجامعات أضاف "هناك عدد من التخصصات العلمية كالرياضيات والكيمياء والأحياء والفيزياء لا يدخلها العدد الذي تعودت عليه الجامعات في شعبها الجامعية بسبب صعوبتها وبالتالي يضطرون لتخفيض مستوى القبول فيها، وحالة التنافس بين الجامعات والكليات في غزة، بالإضافة إلى الأزمات المالية التي تعاني منها معظم الجامعات، الأمر الذي يدفعها لعمل هكذا حلول".
ويكمن الحل لهذه المعضلة –وفقا لرستم- في أن تكون المنظومة كلها متكاملة تبدأ باهتمامات الطالب ذاته وتوجيهه لتحديد مساره وما يحتاجه سوق العمل وما يناسب مستواه، ثم بسن وزارة التربية والتعليم قوانين لزيادة جودة التعليم والكف عن اعطاء تراخيص للمؤسسات التعليمية الجديدة.
تخمة في السوق المحلي
بدوره، حمل نقيب المهندسين في قطاع غزة كنعان عبيد وزيرة التربية والتعليم السابقة الشخشير مسئولية انخفاض مفتاح القبول في كليات الهندسة بالجامعات الفلسطينية ووصولها لمستوى متدني، بعد سماحها لجامعة فلسطين بقبول معدلات 65% في كلية الهندسة آنذاك.
وقال عبيد لـ"دنيا الوطن": "من يتحمل مسئولية ما وصلنا إليه من مستويات منخفضة هي وزارة التربية والتعليم ووزارة التخطيط ووزارة العمل الفلسطينية، لأنهم لم يدرسوا جيدا ما يحتاجه السوق المحلي من تخصصات".
وأضاف نقيب المهندسين "السوق المحلي لا يحتاج إلى مهندسين جدد اطلاقا، وقد أعلناها منذ العام الماضي أن على طلابنا ألا يدخلوا هذا التخصص لأن السوق متخم بالمهندسين وأغلبهم عاطلين عن العمل".
ودعا عبيد وزارة التربية والتعليم والتخطيط لرفع مفاتيح قبول الكليات العلمية بالجامعات حسب احتياجات الوطن، وليس حسب مصالح الجامعات وقانون الربح والاستثمار".
أما المحاضر المعروف د شفيق جندية فقال على صفحته الشخصية :"انا لا اعتقد ان المشكلة تكمن في تخفيض مفتاح تنسيق الهندسة حتى يصل 78 وان كان قليل نسبياً، فانا أرى أن المشكلة تكمن أولاً: في الهوة التي اتسعت بين الطب والهندسة فالفارق هنا يساوي 20%. ثانياً : أن تقوم الجامعة الاسلامية بتخفيض مفتاح التنسيق ، فهذاالذي أثار حفيظة بعض المعترضين ، فهم يرون أن الجامعة لا زالت صاحبة الذوق الرفيع ورائدة العمل الأكاديمي في فلسطين وقطاع غزة بصورة خاصة . والا لماذا لم يعترضواعلى جامعات في القطاع وهي تقوم بتخفيض مفتاح التنسيق للهندسة كل عام حتى تدنى ليصل أقل من 70%. فأنا أتفهم المعترضين لانهم غيورون على هذه المؤسسات المبدعة".
29 مؤسسة تعليمية
ووفقا لوكيل وزارة التربية والتعليم لشئون التعليم العالي بغزة أيمن اليازوري العالي فإن عدد الجامعات والكليات التعليمية في قطاع غزة بلغ 29 مؤسسة، تنقسم إلى 8 جامعات، و8 كليات جامعية، و10 كليات مجتمع متوسطة، إضافة إلى كليتي بوليتكنك، وأكاديمية دراسات عليا واحدة.
وقال اليازوري لـ"دنيا الوطن" إنه يوجد في قطاع غزة 110 آلاف طالب يدرسون في الجامعات والكليات، بالإضافة إلى أكثر من 20 ألف خريج سنويا، منهم 12 ألف يحملون درجة البكالوريوس، و6 آلاف يحملون الدبلوم والعدد المتبقي يحمل درجات متفاوتة مثل الدراسات العليا أو البرامج التدريبية.
وفيما يتعلق بخطوات وزارته لتجويد التعليم أكد اليازوري أن وزارته حددت هذا العام الحد الأدنى للقبول في برامج البكالوريوس 65% في حين كانت العام الماضي 60%، الأمر الذي سيدفع –بحسب اليازوري- جودة التعليم في البكالوريوس، والدبلوم.
وقال: "من حصل على معدلات 60 إلى 64.9% في الثانوية العامة عددهم 2000 طالب وطالبة بغزة سيدفع هذا العدد في تجويد عملية التعليم في الدبلوم والبكالوريوس على حد سواء".
وفيما يتعلق بضبط العملية التعليمية، بيّن وكيل الوزارة أن هدف وزارته هو التأكد من أن كل ما يكتب من توصيف للمساقات ينفذ ويتم حقيقة داخل قاعات التعليم ويحصل الطالب على المعلومات والمهارات المطلوبة التي تفيده في الاندماج مع سوق العمل.
وأوضح أن جميع الجامعات التقليدية في قطاع غزة مجازة من وزارة التعليم بغزة ورام الله ماعد جامعة واحدة، غير أن بعض الكليات الأخرى مجاز من رام الله وبعضها الآخر غير مجاز حتى اللحظة، رغم أن طبيعة المعايير التي تجيز اعطاء الترخيص لها واحد في الضفة وغزة.-بحسب اليازوري-.
وبخصوص أسعار الساعات الجامعية أكد أن قانون التعليم العالي لا يعطي الوزارة الحق والسلطة في تحديد أسعار الساعات الجامعية، وتركت المجال مفتوحا للجامعات في تحديد ذلك، لكن القانون قسّم الجامعات إلى جامعات ربحية خاصة وجامعات عامة مثل الجامعة الاسلامية والأزهر وجامعات حكومية مثل الأقصى.
ويجدر الإشارة إلى أن وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية قد أصدرت عام 2003، قرارا يحدد الحد الأدنى للقبول في برامج البكالوريوس بـ 65%، غير أن بعض الجامعات تجاوزت في الأعوام الماضية هذا القرار استنادا على قرار وزاري أصدره وزير التعليم بغزة محمد عسقول عام 2010 الماضي، قبل أن تصوّبه الحكومة الحالية وتعود لاعتماد القرار الأول، وفق اليازوري.
غير أن بعض الجامعات ابتدعت ما يسمى "سنة تحضيرية" تقبل فيها الطلبة بصرف النظر عن معدلاتهم، ليجري لاحقا اعتماد معدلاتهم في السنة التحضيرية أساسا للقبول في برامج البكالوريوس، في محاولة لتجاوز قرار الوزارة.
النقابات حذرت
ومن المفارقات العجيبة الذي وصل إليه واقعنا الفلسطيني، أن تجد النقابات المهنية تدعو طلاب الثانوية العامة بألا يلتحقوا بتخصصات معينة، في صورة هي الأصعب منذ قرون، فنقابة المهندسين حثّت في بيان صحفي العام الماضي الطلاب على عدم دراسة التخصص لتواجد أعداد كبيرة من الخريجين، ودعت الجامعات لوقف التعليم أو رفع معدلات القبول في القسم إلى 90%.
وبدراسة بسيطة نجد أن أربع جامعات في قطاع غزة تدرس الهندسة بمختلف فروعها، بداية بالجامعة الاسلامية، وليس انتهاءً بجامعة فلسطين، وتخرج قرابة 800 طالب كل عام دراسي، في ظل حاجة السوق إلى حوالي 50 مهندس، والباقي يشكل عبئا في ظل هذه الظروف التي يمر بها القطاع.
ومثل ذلك فعلت نقابة أطباء الأسنان في القطاع، في بيان أصدرته عام 2011 أي قبل خمسة أعوام، تدعو فيه طلاب الثانوية العامة وأولياء الأمور بعدم الالتحاق في التخصص نظرا لكثرة الخريجين وكفاية سوق العمل.
وجاء في بيان النقابة حينه أن "2000 طبيب أسنان في الضفة وقطاع غزة لـ 2.5 مليون مواطن، وهذا يعني: طبيب لكل 1250 مواطن، في الوقت الذي يشكل المقياس العالمي 2000 مواطن لكل طبيب".
وذكر البيان أنه يوجد نحو 1000 طالب طب أسنان في الجامعات الفلسطينية، "مما يعني أن نسبة البطالة في أطباء الأسنان بفلسطين سوف تزداد في السنوات المقبلة، لتصبح طبيبا لكل ألف مواطن، وهي نسبة مرتفعة جدا".
مفاتيح القبول
وبالعودة إلى مفاتيح القبول في التخصصات بالجامعات الفلسطينية قبل أعوام قليلة نجد أن قبول الطلبة بالجامعة الاسلامية عام 2008 –مثلا- كان كالتالي (كلية طب وجراحة 97.5، كلية الهندسة 84، كلية تكنولوجيا المعلومات 75، كلية التمريض 75، كلية الآداب لغة انجليزية 80)، في حين أصبحت هذا العام كالتالي (طب وجراحة 97.2، كلية الهندسة 78، تكنولوجيا المعلومات 65، كلية العلوم 65، التمريض 70، آداب لغة انجليزية 70).
فيما كان مفتاح القبول في جامعة الأزهر في العام 2007 (كلية الطب 98، كلية طب الأسنان 97، كلية الصيدلة 92، كلية الهندسة وتكنولوجيا المعلومات 80، كلية العلوم الطبية التطبيقية 70، كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية باللغة الانجليزية 78)، في حين أصبحت العام الحالي ( كلية الطب 96، كلية طب الأسنان 94، كلية الصيدلة 90، كلية الهندسة 75، كلية الاقتصاد والعلوم الادارية 70).
وبعد زيارة سريعة لموقع وزارة التربية والتعليم سرعان ما يلفت انتباهك مفاتيح التنسيق التي حددتها هي ذاتها للعام الجاري بـ( الطب البشري وطب الأسنان والصيدلة 80%، الهندسة 70%، العلوم وتكنولوجيا المعلومات 65%)، في دليل واضح على أن الوزارة نفسها تتحمل مسئولية كبيرة في تخفيض مفاتيح التنسيق واضطراب منظومة جودة التعليم جميعها.


