الباحث ابو كريم يطالب حركة فتح البحث عن بني وهياكل تنظيمية وفكرية جديدة والارتقاء بها
رام الله - دنيا الوطن-عبد الفتاح الغليظ
قال الباحث منصور أبو كريم مدير دائرة البحث العلمي بمركز رؤية للدراسات والأبحاث بغزة أن على الرغم من أن النواة الأولى لحركة فتح قد تكونت من عدة أشخاص لهم انتماءات سياسية وفكرية مختلفة، في إطار اللجنة المركزية والمجلس الثوري، وعلى الرغم من الاختلافات في التوجهات الفكرية والأيديولوجية للرعيل الأول، ومحاولات الاحتواء من قبل الأنظمة العربية إلا أن تلك القيادات قد استطاعت أن تحافظ على توازن الأطر وتماسك الحركة، في مواجهة النظام السياسي العربي؛ بل استطاع الرعيل الأول المؤسس التعايش مع نفوذ الأنظمة المختلفة داخل إطارها الحركية والتنظيمية، بسبب ما تتمتع به الحركة من مرونة فكرية وتنظيمية.
وأكد الباحث أبو كريم في دراسة له "بعنوان أزمة حركة فتح البنيوية واليات الخروج منها" أن تنبع أهمية النظام الأساسي لحركة فتح الذي يحدد الحقوق والوجبات من كونه تطبيقاً للمنطلقات النضالية التي تقوم عليها الحركة، وهو تعبيراً عن نظريتها لطبيعة العلاقات التي تقوم بين حركة فتح وبين مختلف القوى والتنظيمات الفلسطينية الأخرى، كما أنه الإطار التنظيمي الذي يحدد علاقة الأعضاء بعضهم ببعض بشكل يحفظ خط الحركة، ومستقبل الثورة، وتعتبر المسألة التنظيمية في حركة “فتح” القاعدة الأولى لركائزها “المبادئ، المنطلقات، الأهداف” وكان من أولويات البناء التنظيمي في حركة “فتح” اعتمادها على خلاصة التجربة النضالية للحركة الوطنية الفلسطينية ومأزقها التاريخي لاستخلاص الدروس، إلا أن الحركة وقعت في نفس التجربة المريرة وارتكبت نفس الأخطاء التي حاولت الابتعاد عنها.
وبين أبو كريم أن أشكال العلاقات التنظيمية داخل حركة فتح تتنوع من مرحلة إلى مرحلة، ومن ساحة إلى أخرى، وراوحت بين السرية المطلقة والعلنية المؤسسية، وغلب عليها جانب اللامركزية بسبب ظروف الشتات والنشأة، وبسبب الإطار السياسي الذي يقول ” كل فلسطيني ليس منظماً في تنظيم آخر هو من “فتح”، وتميزت المرحلة الأولى (1958 -1968 ) باللامركزية مع انتقائية عالية حفاظاً على السرية، لكن الظروف بعد معركة الكرامة 1968 كانت مناسبة للعمل العلني، فقبلت فتح في صفوفها الآلاف من مختلف قطاعات الشعب الفلسطيني، إلى جانب عدد من أبناء الأقطار العربية الأخرى.
ولفت إلي أن جاءت بداية الحركة عبر تأسيس الخلايا بشكل سري في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات في سوريا ولبنان والأردن ودول الخليج العربي حيث يعمل الفلسطينيون، وكنتيجة لاتفاق مجموعات من الشبان الفلسطينيين الذين عاشوا النكبة، وكان لأعضاء الحركة امتدادات تنظيمية في مصر وغزة والأردن ولبنان وسورية والضفة الغربية والسعودية وقطر والكويت؛ ويمكن القول أن مكتب الكويت كان الأقوى تأثيراً في حركة التنظيم، حيث كان يصدر نشرة شبة دورية من لبنان تحت أسم “فلسطينينا”، التي استمرت في الصدور من نوفمبر1959 وحتى نوفمبر1964، تحت إشراف مجموعة من في الكويت، وكان الإمضاء على النشرة بعكس حروف حتف” أي الموت “في إشارة للتضحية والفداء، ويبدأ التنظيم في أي بلد بلجنة منطقة والتي تبدأ في تكوين قواعد الحركة، كالخلايا والأجنحة، مع مراعاة تعدد الأجنحة في كل بلد مع عدم معرفة أعضاء أو قادة الأجنحة بعضهم البعض الا لضرورة العمل.
وأضاف أن البنية التنظيمية لحركة فتح أخذت شكل البنية التنظيمية للحزب الواحد في الدول الاشتراكية والنامية، واتسمت حركة فتح بعد سمات وخصائص ميزت تركيبتها البنيوية عن غيرها من التنظيمات الفلسطينية الأخرى، أولى هذه السمات أن نشأة الحركة جاءت على أيدي رواد جاء معظم من حركات إسلامية أو قومية أو ماركسية، وثاني هذه الخصائص والسمات، أن معظم رواد حركة فتح الأوائل وغالبية مناصريها جاءوا من أوساط اللاجئين، وأضفى ذلك على الحركة مزاج اللاجئين وضيقهم بأوضاعهم السياسية والمعيشية وخيبة أملهم بالأنظمة العربية، وثالث هذه السمات أن حركة فتح أظهرت استهانة بالعمل السياسي في بداية انطلاقتها، لحساب الكفاح المسلح والعمل العسكري، وآخر هذه السمات أن حركة فتح توخت على الدوام أن توجد قواعد إسناد لنفسها لدى هذا النظام أو غيره، وهذا راجع لمرونة الحركة وقدرتها على التعاطي بشكل إيجابي مع معطيات الواقع العربي.
وأوضح أن حركة فتح منذ تأسيسها أخذت شكل التنظيم الهرمي، معتمدة السرية المطلقة في الأمور التنظيمية، ونظام الصفوف المتلاحقة، ونظام القيادة الجماعية وتبنت الديمقراطية المركزية كأساس للعمل التنظيمي الذي يقوم على فكرة انتخاب القاعدة القيادة، ومن ثمّ التزام القاعدة بها، وقد أوضح هيكل البناء الثوري، السلسلة التنظيمية من القاعدة إلى القمة، كما يلي ” العضو، الخلية، الجناح، الفرع، المنطقة، الإقليم، المجلس الثوري، اللجنة المركزية، واتبعت حركة فتح في بداية نشأتها أسلوب التنظيم العمودي “الخيطي” في أغلب الأحيان، ثم اعتمدت أسلوب الخلايا على النحو التالي: الخلية(3-5 أعضاء) ثم الحلقة (2-4خلايا)، ثم الجناح (2-4 حلقات)، ثم الشعبة (2-4 أجنحة)، ثم المنطقة (4-7 شعب)، وتناقش قضايا المنطقة عبر مؤتمر المنطقة، الذي يقدم توصياته وتقريره إلى لجنة الإقليم التي تقرر سياستها عبر مؤتمر الإقليم، والذي يفرز عدد من قياداته بطلب من اللجنة المركزية للمشاركة في المجلس الثوري للحركة، والذي يعتبر بمثابة مجلس قيادي موسع يضم أعضاء من لجان المناطق والأقاليم والكفاءات الثورية والسياسية والعسكرية، وتعتبر اللجنة المركزية هي السلطة التنفيذية في تنظيم حركة فتح.
وقال أبو كريم مشكلة حركة فتح التنظيمية بدأت في الظهور، عندما اعتمدت الحركة في أوج صعودها علي عقيدة تنظيمية استبعدت دمج الجماهير في بنى سياسية منظمة قادرة على تمكين الكم الهائل من الجماهير الواسعة والعريضة المنتمية لها، من المشاركة في صناعة القرارات والرقابة والتصويت، لقد اندفعت الحركة نحو بناء الأجهزة العسكرية والإدارية والمالية ذات البنى البيروقراطية، مما ساهم في غلق الأبواب أمام المشاركة الجماهيرية الواسعة، الأمر الذي أدى لنشأة بني تنظيمية مركزية تقوم علي احتكار القرار، وترتب على ذلك نشوء نمط أبوي جديد يتولى الإدارة السياسية بشكل فردي، لقد افتقد تنظيم فتح صيغة تنظيمية تستوعب الطاقات المتدفقة، وباتت فتح تنظيماً يوحده الرمز الأب الذي يمسك بجميع الخيوط التنظيمية والمالية، خاصة عقب غياب أو جهاد أو أبو إياد في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات.
وأشار إلي أن الأزمة البنيوية الحادة في جوف حركة فتح، والمتحركة على إيقاع الاستنفار الأمني والسياسي المتبادل بين فريقي الصراع في الوقت الراهن بين (تيار الشرعية، وتيار التوجه) ليست بنت لحظتها الراهنة، ولا هي تتصل بمضاربة سياسية محتدمة فرضها التنافس الفتحاوي الداخلي، وإنما هي أزمة نشأت وتكونت منذ اليوم الأول لتكوين تنظيم حركة فتح، والتي أخذت في بدايتها شكل الصراع بين مكاتب الحركة في الدول والبلاد العربية، ومن ثمّ انتقلت إلى صراع وتنافس بين أجهزة أمنية وعسكرية وتيارات سياسية.
وقال أن علي الرغم من أن حركة فتح قد استطاعت منذ انطلاقتها الحفاظ على القرار الوطني المستقل، وعملت على إعادة الاعتبار للهوية الوطنية الفلسطينية، -رغم محاوله تذويبها-، وتمكنت من تعزيز مكانتها في قيادة الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية، وأيضاً بالرغم من الظروف والمعطيات الفلسطينية والعربية والدولية الصعبة والمعقدة التي مرت فيها، إلا أن الحركة التي أسست الحركة الوطنية المعاصرة، وأطلقت الكفاح المسلح وقادت مسيرة العمل الوطني طوال العقود الماضية، أصبحت تعاني من أزمة بنيوية كبيرة ومعقدة، تأخذ عدة أشكال ومناحي، فالحركة أصبحت تعاني من إشكالية التسوية والمقاومة داخل البناء الفكري، بعد أن انتقلت الحركة من الكفاح المسلح إلى التسوية عقب الخروج من بيروت، دون أن تقوم بتغيير أي من أهدافها ومبادئها التي انطلقت عليها، مما أحدث حالة انفصام ما بين الأهداف والمبادئ من جانب، والأساليب والتوجهات السياسية التي تبنتها حركة فتح من جانب آخر، خاصة منذ دخول الحركة في عملية التسوية السياسية، حيث تبنت حركة فتح بشكل واضح العمل السياسي بديلاً عن الكفاح المسلح، وسيلةً لتحقيق أهدافها في التحرير وإقامة الدولة على حدود 1967، إلا أن مع انسداد الأفق السياسي بعد فشل مؤتمر “كامب ديفيد” عام 2000م، وانطلاق انتفاضة الأقصى، ومحاولة الشهيد ياسر عرفات الضغط على إسرائيل عبر استمرار الانتفاضة، ظهرت مجموعات عسكرية تابعة للحركة تتبنى العمل العسكري( كتائب شهداء الأقصى) وتعلن انتمائها لحركة فتح، وهي مازالت خارج الجسم التنظيمي للحركة، الأمر الذي أحدث إشكالية في العمل التنظيمي والسياسي لدى حركة فتح، مازالت الحركة بكافة أطرها التنظيمية غير قادره على معالجة الظاهرة، أو وضع ضوابط لها.
وأشار أن خلال الفترة الماضية برزت أزمة مراكز القوى والتيارات مرة أخرى، داخل البناء التنظيمي لحركة فتح، بعد ما استطاع الشهيد ياسر عرفات القضاء عليها، بعد الخروج من بيروت، حيث أصبحت هذه الأزمة تأخذ شكل تصاعدي بين تيارين (الشرعية- والتوجه)، فقد ظهرت هذه الأزمة منذ فصل النائب “محمد دحلان” من اللجنة المركزية لحركة فتح، فقد أصبحت هذه الأزمة تلقى بظلالها على العمل السياسي والتنظيمي داخل حركة فتح، خاصة في المهرجانات الوطنية والفتحاوية، وعند إجراء أي انتخابات في المناطق أو الأقاليم، مما انعكس على تماسك الحركة سياسياً وإعلامياً، خاصة وأن الحركة مقبله على تنافس انتخابي في الانتخابات البلدية.
ويضاف لتلك الأزمات أزمة تدافع الأجيال، التي تظهر في شكل صراع على المناصب والمواقع التنظيمية، عند إجراء أي عملية انتخابية أو حدوث فراغ في أحد المناصب، بسبب عدم قدرة وضعف البنى التنظيمية والمؤسساتية على استيعاب الكم الهائل من العناصر والكوادر المنتمية للحركة، خاصة في ظل استمرار الجيل المؤسس في قيادة الحركة حتى الوقت الراهن، إذ ظلت فتح تتعمد على التقسيمات التقليدية للتنظيم المبني على الخلية، فالجناح، فالمنطقة، والإقليم، ومعروف أن الخلية كأحد مكونات البناء التنظيمي لفتح كانت ضرورة ملحة من ضرورات العمل السري الذي يتطلب درجات معينة من التحكم والحيطة والغربلة، بسبب ضغوطات وتحديات العمل تحت الاحتلال، ولكن مع غياب العمل السري لحظة انطلاقة مسيرة التسوية وقيام السلطة، أصبحت الخلية مسمي فارغاً دون أي معطى حقيقي في البنية التنظيمية للحركة، لذلك أضحت الحركة بحاجة ملحة للبحث عن شكل جديد للتنظيم يلائم التطورات التي حدثت بالفعل، لكن ظل شكل التنظيم كما هو مما تولد عنه عدد من الظواهر السلبية على صعيد ضبط واستيعاب الأعداد الضخمة التي بدأت تنتمي لحركة فتح، دون أن يكون لها أي موقع فعلي في بنية الحركة التنظيمي.
وأكد أن الأمر تفاقم سوء عقب دمج الحركة وأجهزتها التنظيمية في السلطة الفلسطينية بعد عودة أجهزة منظمة التحرير والقوات للداخل عقب التوقيع على اتفاق أوسلو وإنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994م، فقد أدت هذه الأزمة إلى أن تتحمل حركة فتح إخفاقات السلطة السياسية والمالية والإدارية، مما ترتب عليها خسارة الحركة الانتخابات البلدية والتشريعية عام 2006 وتراجع الحركة شعبياً.
ونوه إلي أن حركة فتح التي أسست للهوية الوطنية الفلسطينية وقادت الكفاح المسلح والتسوية السياسية، أصبحت تعاني من أزمة بنيوية شديدة ومعقدة ومركبة إلى أبعد الحدود، باتت تعصف بالبناء التنظيمي للحركة والأداء السياسي والإعلامي لها منذ عدة سنوات، وتلقي بظلالها على القضية الفلسطينية، باعتبار أن حركة فتح هي أكبر فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، والعمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني، بالإضافة إلى أن قوة فتح وتماسكها يعتبر قوة للجميع، وضعف الحركة وترهلها، يترك آثاراً وتداعيات على المشروع الوطني والفصائل الفلسطينية والمواطن العادي.
وطالب الباحث أبو كريم في نهاية دراسته الحركة وأطرها التنظيمية وأجزتها القيادية؛ البحث عن بنى وهياكل تنظيمية جديدة، تعمل على استيعاب الكم الهائل من العناصر والكوادر المنتمية للحركة، على أن تضع مجموعة من الشروط والضوابط الفكرية والعلمية والتنظيمية والمهرية، لكل موقع من المواقع، يجب أن يتوفر الحد الأدنى منها في كل كادر تنظيمي يود الترشح أو تولي أحد المواقع التنظيمية، بهدف الارتقاء بمستوى العمل التنظيمي والفكري داخل الحركة، وغير ذلك سوف تستمر الأوضاع في التدهور والانحدار.
قال الباحث منصور أبو كريم مدير دائرة البحث العلمي بمركز رؤية للدراسات والأبحاث بغزة أن على الرغم من أن النواة الأولى لحركة فتح قد تكونت من عدة أشخاص لهم انتماءات سياسية وفكرية مختلفة، في إطار اللجنة المركزية والمجلس الثوري، وعلى الرغم من الاختلافات في التوجهات الفكرية والأيديولوجية للرعيل الأول، ومحاولات الاحتواء من قبل الأنظمة العربية إلا أن تلك القيادات قد استطاعت أن تحافظ على توازن الأطر وتماسك الحركة، في مواجهة النظام السياسي العربي؛ بل استطاع الرعيل الأول المؤسس التعايش مع نفوذ الأنظمة المختلفة داخل إطارها الحركية والتنظيمية، بسبب ما تتمتع به الحركة من مرونة فكرية وتنظيمية.
وأكد الباحث أبو كريم في دراسة له "بعنوان أزمة حركة فتح البنيوية واليات الخروج منها" أن تنبع أهمية النظام الأساسي لحركة فتح الذي يحدد الحقوق والوجبات من كونه تطبيقاً للمنطلقات النضالية التي تقوم عليها الحركة، وهو تعبيراً عن نظريتها لطبيعة العلاقات التي تقوم بين حركة فتح وبين مختلف القوى والتنظيمات الفلسطينية الأخرى، كما أنه الإطار التنظيمي الذي يحدد علاقة الأعضاء بعضهم ببعض بشكل يحفظ خط الحركة، ومستقبل الثورة، وتعتبر المسألة التنظيمية في حركة “فتح” القاعدة الأولى لركائزها “المبادئ، المنطلقات، الأهداف” وكان من أولويات البناء التنظيمي في حركة “فتح” اعتمادها على خلاصة التجربة النضالية للحركة الوطنية الفلسطينية ومأزقها التاريخي لاستخلاص الدروس، إلا أن الحركة وقعت في نفس التجربة المريرة وارتكبت نفس الأخطاء التي حاولت الابتعاد عنها.
وبين أبو كريم أن أشكال العلاقات التنظيمية داخل حركة فتح تتنوع من مرحلة إلى مرحلة، ومن ساحة إلى أخرى، وراوحت بين السرية المطلقة والعلنية المؤسسية، وغلب عليها جانب اللامركزية بسبب ظروف الشتات والنشأة، وبسبب الإطار السياسي الذي يقول ” كل فلسطيني ليس منظماً في تنظيم آخر هو من “فتح”، وتميزت المرحلة الأولى (1958 -1968 ) باللامركزية مع انتقائية عالية حفاظاً على السرية، لكن الظروف بعد معركة الكرامة 1968 كانت مناسبة للعمل العلني، فقبلت فتح في صفوفها الآلاف من مختلف قطاعات الشعب الفلسطيني، إلى جانب عدد من أبناء الأقطار العربية الأخرى.
ولفت إلي أن جاءت بداية الحركة عبر تأسيس الخلايا بشكل سري في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات في سوريا ولبنان والأردن ودول الخليج العربي حيث يعمل الفلسطينيون، وكنتيجة لاتفاق مجموعات من الشبان الفلسطينيين الذين عاشوا النكبة، وكان لأعضاء الحركة امتدادات تنظيمية في مصر وغزة والأردن ولبنان وسورية والضفة الغربية والسعودية وقطر والكويت؛ ويمكن القول أن مكتب الكويت كان الأقوى تأثيراً في حركة التنظيم، حيث كان يصدر نشرة شبة دورية من لبنان تحت أسم “فلسطينينا”، التي استمرت في الصدور من نوفمبر1959 وحتى نوفمبر1964، تحت إشراف مجموعة من في الكويت، وكان الإمضاء على النشرة بعكس حروف حتف” أي الموت “في إشارة للتضحية والفداء، ويبدأ التنظيم في أي بلد بلجنة منطقة والتي تبدأ في تكوين قواعد الحركة، كالخلايا والأجنحة، مع مراعاة تعدد الأجنحة في كل بلد مع عدم معرفة أعضاء أو قادة الأجنحة بعضهم البعض الا لضرورة العمل.
وأضاف أن البنية التنظيمية لحركة فتح أخذت شكل البنية التنظيمية للحزب الواحد في الدول الاشتراكية والنامية، واتسمت حركة فتح بعد سمات وخصائص ميزت تركيبتها البنيوية عن غيرها من التنظيمات الفلسطينية الأخرى، أولى هذه السمات أن نشأة الحركة جاءت على أيدي رواد جاء معظم من حركات إسلامية أو قومية أو ماركسية، وثاني هذه الخصائص والسمات، أن معظم رواد حركة فتح الأوائل وغالبية مناصريها جاءوا من أوساط اللاجئين، وأضفى ذلك على الحركة مزاج اللاجئين وضيقهم بأوضاعهم السياسية والمعيشية وخيبة أملهم بالأنظمة العربية، وثالث هذه السمات أن حركة فتح أظهرت استهانة بالعمل السياسي في بداية انطلاقتها، لحساب الكفاح المسلح والعمل العسكري، وآخر هذه السمات أن حركة فتح توخت على الدوام أن توجد قواعد إسناد لنفسها لدى هذا النظام أو غيره، وهذا راجع لمرونة الحركة وقدرتها على التعاطي بشكل إيجابي مع معطيات الواقع العربي.
وأوضح أن حركة فتح منذ تأسيسها أخذت شكل التنظيم الهرمي، معتمدة السرية المطلقة في الأمور التنظيمية، ونظام الصفوف المتلاحقة، ونظام القيادة الجماعية وتبنت الديمقراطية المركزية كأساس للعمل التنظيمي الذي يقوم على فكرة انتخاب القاعدة القيادة، ومن ثمّ التزام القاعدة بها، وقد أوضح هيكل البناء الثوري، السلسلة التنظيمية من القاعدة إلى القمة، كما يلي ” العضو، الخلية، الجناح، الفرع، المنطقة، الإقليم، المجلس الثوري، اللجنة المركزية، واتبعت حركة فتح في بداية نشأتها أسلوب التنظيم العمودي “الخيطي” في أغلب الأحيان، ثم اعتمدت أسلوب الخلايا على النحو التالي: الخلية(3-5 أعضاء) ثم الحلقة (2-4خلايا)، ثم الجناح (2-4 حلقات)، ثم الشعبة (2-4 أجنحة)، ثم المنطقة (4-7 شعب)، وتناقش قضايا المنطقة عبر مؤتمر المنطقة، الذي يقدم توصياته وتقريره إلى لجنة الإقليم التي تقرر سياستها عبر مؤتمر الإقليم، والذي يفرز عدد من قياداته بطلب من اللجنة المركزية للمشاركة في المجلس الثوري للحركة، والذي يعتبر بمثابة مجلس قيادي موسع يضم أعضاء من لجان المناطق والأقاليم والكفاءات الثورية والسياسية والعسكرية، وتعتبر اللجنة المركزية هي السلطة التنفيذية في تنظيم حركة فتح.
وقال أبو كريم مشكلة حركة فتح التنظيمية بدأت في الظهور، عندما اعتمدت الحركة في أوج صعودها علي عقيدة تنظيمية استبعدت دمج الجماهير في بنى سياسية منظمة قادرة على تمكين الكم الهائل من الجماهير الواسعة والعريضة المنتمية لها، من المشاركة في صناعة القرارات والرقابة والتصويت، لقد اندفعت الحركة نحو بناء الأجهزة العسكرية والإدارية والمالية ذات البنى البيروقراطية، مما ساهم في غلق الأبواب أمام المشاركة الجماهيرية الواسعة، الأمر الذي أدى لنشأة بني تنظيمية مركزية تقوم علي احتكار القرار، وترتب على ذلك نشوء نمط أبوي جديد يتولى الإدارة السياسية بشكل فردي، لقد افتقد تنظيم فتح صيغة تنظيمية تستوعب الطاقات المتدفقة، وباتت فتح تنظيماً يوحده الرمز الأب الذي يمسك بجميع الخيوط التنظيمية والمالية، خاصة عقب غياب أو جهاد أو أبو إياد في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات.
وأشار إلي أن الأزمة البنيوية الحادة في جوف حركة فتح، والمتحركة على إيقاع الاستنفار الأمني والسياسي المتبادل بين فريقي الصراع في الوقت الراهن بين (تيار الشرعية، وتيار التوجه) ليست بنت لحظتها الراهنة، ولا هي تتصل بمضاربة سياسية محتدمة فرضها التنافس الفتحاوي الداخلي، وإنما هي أزمة نشأت وتكونت منذ اليوم الأول لتكوين تنظيم حركة فتح، والتي أخذت في بدايتها شكل الصراع بين مكاتب الحركة في الدول والبلاد العربية، ومن ثمّ انتقلت إلى صراع وتنافس بين أجهزة أمنية وعسكرية وتيارات سياسية.
وقال أن علي الرغم من أن حركة فتح قد استطاعت منذ انطلاقتها الحفاظ على القرار الوطني المستقل، وعملت على إعادة الاعتبار للهوية الوطنية الفلسطينية، -رغم محاوله تذويبها-، وتمكنت من تعزيز مكانتها في قيادة الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية، وأيضاً بالرغم من الظروف والمعطيات الفلسطينية والعربية والدولية الصعبة والمعقدة التي مرت فيها، إلا أن الحركة التي أسست الحركة الوطنية المعاصرة، وأطلقت الكفاح المسلح وقادت مسيرة العمل الوطني طوال العقود الماضية، أصبحت تعاني من أزمة بنيوية كبيرة ومعقدة، تأخذ عدة أشكال ومناحي، فالحركة أصبحت تعاني من إشكالية التسوية والمقاومة داخل البناء الفكري، بعد أن انتقلت الحركة من الكفاح المسلح إلى التسوية عقب الخروج من بيروت، دون أن تقوم بتغيير أي من أهدافها ومبادئها التي انطلقت عليها، مما أحدث حالة انفصام ما بين الأهداف والمبادئ من جانب، والأساليب والتوجهات السياسية التي تبنتها حركة فتح من جانب آخر، خاصة منذ دخول الحركة في عملية التسوية السياسية، حيث تبنت حركة فتح بشكل واضح العمل السياسي بديلاً عن الكفاح المسلح، وسيلةً لتحقيق أهدافها في التحرير وإقامة الدولة على حدود 1967، إلا أن مع انسداد الأفق السياسي بعد فشل مؤتمر “كامب ديفيد” عام 2000م، وانطلاق انتفاضة الأقصى، ومحاولة الشهيد ياسر عرفات الضغط على إسرائيل عبر استمرار الانتفاضة، ظهرت مجموعات عسكرية تابعة للحركة تتبنى العمل العسكري( كتائب شهداء الأقصى) وتعلن انتمائها لحركة فتح، وهي مازالت خارج الجسم التنظيمي للحركة، الأمر الذي أحدث إشكالية في العمل التنظيمي والسياسي لدى حركة فتح، مازالت الحركة بكافة أطرها التنظيمية غير قادره على معالجة الظاهرة، أو وضع ضوابط لها.
وأشار أن خلال الفترة الماضية برزت أزمة مراكز القوى والتيارات مرة أخرى، داخل البناء التنظيمي لحركة فتح، بعد ما استطاع الشهيد ياسر عرفات القضاء عليها، بعد الخروج من بيروت، حيث أصبحت هذه الأزمة تأخذ شكل تصاعدي بين تيارين (الشرعية- والتوجه)، فقد ظهرت هذه الأزمة منذ فصل النائب “محمد دحلان” من اللجنة المركزية لحركة فتح، فقد أصبحت هذه الأزمة تلقى بظلالها على العمل السياسي والتنظيمي داخل حركة فتح، خاصة في المهرجانات الوطنية والفتحاوية، وعند إجراء أي انتخابات في المناطق أو الأقاليم، مما انعكس على تماسك الحركة سياسياً وإعلامياً، خاصة وأن الحركة مقبله على تنافس انتخابي في الانتخابات البلدية.
ويضاف لتلك الأزمات أزمة تدافع الأجيال، التي تظهر في شكل صراع على المناصب والمواقع التنظيمية، عند إجراء أي عملية انتخابية أو حدوث فراغ في أحد المناصب، بسبب عدم قدرة وضعف البنى التنظيمية والمؤسساتية على استيعاب الكم الهائل من العناصر والكوادر المنتمية للحركة، خاصة في ظل استمرار الجيل المؤسس في قيادة الحركة حتى الوقت الراهن، إذ ظلت فتح تتعمد على التقسيمات التقليدية للتنظيم المبني على الخلية، فالجناح، فالمنطقة، والإقليم، ومعروف أن الخلية كأحد مكونات البناء التنظيمي لفتح كانت ضرورة ملحة من ضرورات العمل السري الذي يتطلب درجات معينة من التحكم والحيطة والغربلة، بسبب ضغوطات وتحديات العمل تحت الاحتلال، ولكن مع غياب العمل السري لحظة انطلاقة مسيرة التسوية وقيام السلطة، أصبحت الخلية مسمي فارغاً دون أي معطى حقيقي في البنية التنظيمية للحركة، لذلك أضحت الحركة بحاجة ملحة للبحث عن شكل جديد للتنظيم يلائم التطورات التي حدثت بالفعل، لكن ظل شكل التنظيم كما هو مما تولد عنه عدد من الظواهر السلبية على صعيد ضبط واستيعاب الأعداد الضخمة التي بدأت تنتمي لحركة فتح، دون أن يكون لها أي موقع فعلي في بنية الحركة التنظيمي.
وأكد أن الأمر تفاقم سوء عقب دمج الحركة وأجهزتها التنظيمية في السلطة الفلسطينية بعد عودة أجهزة منظمة التحرير والقوات للداخل عقب التوقيع على اتفاق أوسلو وإنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994م، فقد أدت هذه الأزمة إلى أن تتحمل حركة فتح إخفاقات السلطة السياسية والمالية والإدارية، مما ترتب عليها خسارة الحركة الانتخابات البلدية والتشريعية عام 2006 وتراجع الحركة شعبياً.
ونوه إلي أن حركة فتح التي أسست للهوية الوطنية الفلسطينية وقادت الكفاح المسلح والتسوية السياسية، أصبحت تعاني من أزمة بنيوية شديدة ومعقدة ومركبة إلى أبعد الحدود، باتت تعصف بالبناء التنظيمي للحركة والأداء السياسي والإعلامي لها منذ عدة سنوات، وتلقي بظلالها على القضية الفلسطينية، باعتبار أن حركة فتح هي أكبر فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، والعمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني، بالإضافة إلى أن قوة فتح وتماسكها يعتبر قوة للجميع، وضعف الحركة وترهلها، يترك آثاراً وتداعيات على المشروع الوطني والفصائل الفلسطينية والمواطن العادي.
وطالب الباحث أبو كريم في نهاية دراسته الحركة وأطرها التنظيمية وأجزتها القيادية؛ البحث عن بنى وهياكل تنظيمية جديدة، تعمل على استيعاب الكم الهائل من العناصر والكوادر المنتمية للحركة، على أن تضع مجموعة من الشروط والضوابط الفكرية والعلمية والتنظيمية والمهرية، لكل موقع من المواقع، يجب أن يتوفر الحد الأدنى منها في كل كادر تنظيمي يود الترشح أو تولي أحد المواقع التنظيمية، بهدف الارتقاء بمستوى العمل التنظيمي والفكري داخل الحركة، وغير ذلك سوف تستمر الأوضاع في التدهور والانحدار.
