التاسع من يوليو بين أمجاد العرب، وبين انقساماتهم

التاسع من يوليو بين أمجاد العرب، وبين انقساماتهم
كتب:أ.أحمد صبحي أبو مصبح


يشكل التاسع من يوليو منعطفاً تاريخياً هاماً في التاريخ العربي والإسلامي، فبينما كنا وما زلنا نتغنى بالفتح الإسلامي الذي حققه القائد الإسلامي الكبير طارق بن زياد سنة 711م، 92هـ شمال أسبانيا، والذي يصادف التاسع من يوليو، والذي كان بمثابة البداية الجادة لفتح شبه الجزيرة الأيبيرية بالكامل، وبإيعاز من رأس الدولة الأموية بقيادة الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، ومن عامله على شمال أفريقيا موسى بن نصير، حيث سعت تلك الخلافة الأموية الرشيدة صاحبة النهج السليم والقويم في توسيع حدود الدولة الإسلامية، وإعلاء مكانتها عالياً، ومن ثم نشر الإسلام العظيم في ربوع الكرة الأرضية، ليس هذا لمأرب خاصة، أو طمعاً في المال والجاه والحكم، بل لأن تلك الخلافة أيقنت منذ تأسيسها على يد الخليفة معاوية بن أبي سفيان رضوان الله عليه وانتهاءً بالخليفة الشجاع مروان بن محمد أن على عاتقها تحرير الإنسان من العبودية، ومن الشرذمة والمهانة، ونقله إلى أوصال الحضارة الجلية التي ما زالت أوروبا بأسرها تتغنى بالحضارة الإسلامية وبموروثها الثقافي والاجتماعي والعمراني، ولما كانت تلك الخلافة الحكيمة تتخذ منهجاً صريحاً وواضحاً الا وهو إعلاء كلمة التوحيد، ورفع مكانة العرب والمسلمين عالياً، حيث اهتمت بالعنصر العربي خير اهتمام، ولم تتركه وشأنه وتعتمد على العنصر الفارسي والاجنبي كما فعل من انقلب على تلك الخلافة، ولعل ما يهم في هذا الأمر أن الخلافة الإسلامية الأموية ونحن نمر بهذا المنعرج التاريخي (فتح الأندلس) في تلك الأيام، قد وطدت العلاقات العربية العربية، ولم تساهم في خلق النعرات والانقسامات، مع كل محاولات الخروج عن تلك الخلافة من خلال الثورات التي نخرت ظهر الخلافة وأسقطتها فيما بعد.

لكن على النقيض من هذا الحدث الجلل في تاريخنا، نجد أن التاسع من يوليو الذي شهد فتحاً مؤزراً للمسلمين في الأندلس قد شهد أيضاً نكسة عربية حديثة، تمثلت في انقسام السودان إلى دولتين، عربية (السودان) وغير عربية (جنوب السودان)، وهذا الأمر لم يكن ليحدث إلا بعد الذل والهوان التي تعيشه الأمة العربية والإسلامية، فقد أصبح الوطن العربي الكبير محاط بالطامعين في الشرق والغرب، وها هي محاولات إيران المتكررة للسيطرة وبسط النفوذ على الوطن العربي، وخاصة الجزيرة العربية، مسترجعةً في ذلك أمجاد حضارتها الفارسية التي كسر شوكتها المسلمون قبل عدة قرون.

ختاماً فإن تلك الحادثتين وإن كان إحداهما سيء لنا، لما فيه مدعاة للانفصال والانقسام والتشرذم، إلا أنها يجب أن تترك أثراً إيجابياً من حيث التعلم من أخطاءنا ودراسة تاريخنا جيداً، كي يكون مسستقبلنا أفضل في ظل التحديات المحدقة بأمتنا العربية والإسلامية، وفي هذا يقول الله عز وجل:"وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ"، وقوله تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [سورة الأنفال: 46

وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا فيرضى لكم: أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال.
قال النووي رحمه الله: (وأما قوله صلى الله عليه وسلم (ولا تفرقوا): فهو أمر بلزوم جماعة المسلمين وتألف بعضهم ببعض، وهذه إحدى قواعد الإسلام، واعلم أن الثلاثة المرضية إحداها: أن يعبدوه، الثانية: أن لا يشركوا به شيئا، الثالثة: أن يعتصموا بحبل الله ولا يتفرقوا).

 

قوله صلى الله عليه وسلم (عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فيلزم الجماعة). وقد تكرر منه صلى الله عليه وسلم هذا الأمر بلزوم الجماعة في أحاديث أخرى كثيرة.