خطبة الجمعة للعلامة السيد علي فضل الله
رام الله - دنيا الوطن
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بما أوصى به أمير المؤمنين، عندما قال لولديه الحسن والحسين، ومن خلالهما لكل المؤمنين: "أوصيكم بتقوى الله، ونظم أمركم، وصلاح ذات بينكم، فإنّي سمعت جدكما رسول الله(ص) يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامة الصّلاة والصّيام.. وإنّ البغضة حالقة الدّين، ولا قوّة إلا بالله، انظروا ذوي أرحامكم فصلوهم، يهوّن الله عليكم الحساب..
الله الله في الأيتام، لا تغبّوا أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم، فإني سمعت رسول الله(ص) يقول: من عال يتيماً حتى يستغني، أوجب الله له الجنة، كما أوجب لآكل مال اليتيم النار.. والله الله في القرآن، فلا يسبقكم إلى العمل به غيركم، والله الله في جيرانكم، فإنّهم وصيّة نبيّكم، ما زال يوصينا بهم حتّى ظننّا أنّه سيورثهم..
والله الله في بيت ربّكم، فلا يخلو منكم ما بقيتم، فإنّه إن ترك لم تناظروا، وأدنى ما يرجع به مَنْ أمَّه أن يغفر له ما سلف من ذنبه.. والله الله في الصّلاة، فإنّها خير العمل، وإنها عمود دينكم.. والله الله في الزكاة، فإنّها تطفئ غضب ربكم، والله الله في صيام شهر رمضان، فإنّ صيامه جنّة من النار.. والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم.. والله الله في الفقراء والمساكين، فأشركوهم في معايشكم...".
ثم قال(ع): "قولوا للناس حسناً، كما أمركم الله عز وجل، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيولي الله الأمر شراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم، وعليكم بالتواصل والتباذل والتبارّ، وإياكم والتّقاطع والتّدابر والتفرّق، وتعاونوا على البرّ والتّقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان".
أيّها الأحبّة، لا يَكْتفي عليّ(ع) منا بمشاعرنا وحبّنا، فهو يريدنا أن نكون على صورته، أن نعبّر عنه في منطقنا ومواقفنا وحضورنا في كلّ ساحات الحقّ والعدل والحرية، فبذلك نخلص لعليّ، ونتابع مسيرته، ونواجه التّحديات.
والبداية من لبنان، الّذي يعاني التّآكل والاهتراء على كل المستويات، والّذي طاول المؤسّسة الوحيدة المتبقّية من مؤسّسات الدّولة، وهي مجلس الوزراء، بعد أن أعلن رئيسه، وبكل وضوح، أنَّ حكومته فاشلة وعاجزة، كما أنّ هيئة الحوار الوطنيّ الّتي تمثّل القوى الأساسيّة في هذا البلد، والتي ينتظر منها اللبنانيون أن تكون صمّام أمان لهم، أو مكاناً تُحلّ فيه المشاكل، فإنّها تحوّلت إلى منصّة ليعبّر كلٌ عن رأيه في القضايا المطروحة من دون أن يتقدّم خطوةً باتجاه الآخرين.. ليبقى بعدها الجدل مستمراً حول كلّ شيء، من دون إيجاد حلول للقضايا الكبيرة الّتي تمسّ مصير الوطن، وخصوصاً قضية النّفط الغارقة في بحر الأسرار والخفايا والتّساؤلات، فلماذا لا يتحرّك هذا الملفّ في ظلّ الوضع الاقتصاديّ الصّعب، فيما يتحرّك عند الآخرين بقوّة وفعاليّة؟
لقد بات واضحاً أن الحلول لن تأتي ما دام هناك من ينتظر مجريات المنطقة وما سينتج منها، أو ما دام كل فريق يفكّر في حجم طائفته ومذهبه وموقعه السّياسيّ، لا في حجم الوطن، وما دامت الثّقة مفقودة بين الأطراف المحلّيين، فضلاً عن رعاتهم الإقليميّين والدّوليّين، فكيف إن كانت العلاقة علاقة تدمير متبادل وإسقاط مواقع؟! ويبقى على اللبنانيّين أن يقلعوا أشواكهم بأظافرهم لتأمين متطلّبات حياتهم من الحاجات والخدمات الأساسية، وخصوصاً خدمتي الماء والكهرباء المفقودتين، وهم لا ينتظرون من دولتهم الكثير.
في هذه المرحلة، يبقى الهاجس الأمنيّ ماثلاً أمام أعين اللبنانيين، حيث الحديث عن تفجيرات تهزّ الاستقرار الأمنيّ وتربك البلد، ونحن نشكر كلّ القوى الأمنية والشعبية السّاهرة واليقظة، وخصوصاً في الضاحية الجنوبية، ونقدّر لها عملها.
في الوقت نفسه، تستمرّ معاناة العديد من القرى والمدن جراء تداعيات الانتخابات البلدية. وقد وصل الأمر في بعض البلدات إلى حد حصول أحداث مؤسفة، مثل القتل وحرق المنازل، ما يستدعي وعياً من قبل الجميع، بأن يعتادوا تقبل النتائج كما هي، بروح المسؤولية، وأن يتعاون الجميع من أجل النهوض ببلداتهم وقراهم، في الوقت الّذي تتحمّل الجهات السياسيّة والدينيّة والعقلاء الدّور لتهيئة المناخات السياسيّة والاجتماعيّة لمعالجة الأمور، سواء حصلت هذه الإشكالات داخل العائلة الواحدة أو بين العائلات وداخل القرى، لإعادة اللحمة بين الجميع، وإزالة الهواجس والتّوتّرات الّتي حصلت نتيجة الانتخابات.
إنّ المسؤوليّة تقع على عاتق الجميع في العمل لتحصين البلد، ليكون قادراً على مواجهة الرياح العاتية الّتي قد تهب في الداخل أو تأتي من الخارج.. حيث تشتدّ هذه العواصف الّتي لا يبدو أنها ستخبو سريعاً، فالمنطقة العربيّة والإسلاميّة، سواء في سوريا أو العراق أو البحرين أو اليمن، لا يبدو أنها ستشهد انفراجات قريبة، بل إنّها آيلة إلى مزيد من التّعقيد.
ونتوقَّف عند العراق، لنهنِّئ العراقيين على بسط الدولة سلطتها على مناطق جديدة، كما حدث في الفلوجة، وإخراج أهلها من تحت سلطة الإرهاب، الّذي كان وسيبقى مشكلة للعراقيين جميعاً إن لم تستأصل جذوره.
وهنا نقدّر ما حصل من لحمة وطنية بين مختلف مكونات الشعب العراقي وجيشه، والتي تعمَّدت بالدم، ونحن نأمل أن تشكل الأساس لبناء العراق الجديد الذي نريده موحداً ومتعاوناً، بعيداً عن الهواجس والمصالح الفئويّة والطائفيّة والقوميّة..
ومن هنا، فإنّنا نحذر مجدداً من أبواق الفتنة، والذين يسعون للاصطياد بالماء العكر، ممن لا يريدون لهذا المشهد الوطني الوحدوي الجامع أن يكون عنوان العراق، وأن يقدم أنموذجاً بديلاً من كل أجواء التوتر الطائفي والمذهبي الذي يعتاش عليها البعض..
ونصل إلى البحرين، لنستنكر نزع الجنسية عن سماحة الشيخ عيسى قاسم، فلا أذى أو خطر يوازي نزع أحد أبعاد الإنسانية عن الإنسان، والعمل على التشكيك في وطنيّته، التي هي جزء من وجوده، والتي عاشها في كل تاريخه وحاضره..
وهنا، ندعو إلى إعادة النظر في هذا القرار، حرصاً على هذا البلد الّذي نريده أن يبقى في الإطار الذي يعزّز التعايش والتلاقي بين أبنائه، رغم اختلاف مذاهبهم وطوائفهم.
لقد بات واضحاً أنّ السّبيل لتحقيق استقرار الشعوب والبلدان، لا يكون بالعنف أو بشعور طائفة أو دين أو مذهب أو قومية بالغبن، بل بالحوار الّذي يؤدّي إلى بناء الوطن الّذي يُشعر الجميع بالرضا والاطمئنان.
إننا نريد لكلِّ من هم في مواقع المسؤوليّة، أن ينتبهوا إلى الآثار والنتائج المدمّرة التي يولدها الشعور بالظلم على أكثر من صعيد.. فالمسؤول الواعي والحاكم المسؤول هو الّذي لا يلدغ من جحر وقع فيه الآخرون، بل يستفيد منه لكي يجنّب نفسه أو شعبه ما لدغ فيه غيره.
وأخيراً، لا بدَّ من تهنئة الطلاب الَّذين أنهوا بنجاح المرحلة المتوسطة في مسيرتهم نحو القيمة الَّتي هي السّبيل الوحيد لبناء المجتمع ورُقيِّه، فإذا لم يسعفنا الحاضر، ولم نحقّق فيه الطموحات والأحلام، فلنسعَ إلى بناء الجيل الواعي، ولنعزّز حضور العلم عنده، وهذه مسؤوليّة الأهل والمجتمع والدولة.
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بما أوصى به أمير المؤمنين، عندما قال لولديه الحسن والحسين، ومن خلالهما لكل المؤمنين: "أوصيكم بتقوى الله، ونظم أمركم، وصلاح ذات بينكم، فإنّي سمعت جدكما رسول الله(ص) يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامة الصّلاة والصّيام.. وإنّ البغضة حالقة الدّين، ولا قوّة إلا بالله، انظروا ذوي أرحامكم فصلوهم، يهوّن الله عليكم الحساب..
الله الله في الأيتام، لا تغبّوا أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم، فإني سمعت رسول الله(ص) يقول: من عال يتيماً حتى يستغني، أوجب الله له الجنة، كما أوجب لآكل مال اليتيم النار.. والله الله في القرآن، فلا يسبقكم إلى العمل به غيركم، والله الله في جيرانكم، فإنّهم وصيّة نبيّكم، ما زال يوصينا بهم حتّى ظننّا أنّه سيورثهم..
والله الله في بيت ربّكم، فلا يخلو منكم ما بقيتم، فإنّه إن ترك لم تناظروا، وأدنى ما يرجع به مَنْ أمَّه أن يغفر له ما سلف من ذنبه.. والله الله في الصّلاة، فإنّها خير العمل، وإنها عمود دينكم.. والله الله في الزكاة، فإنّها تطفئ غضب ربكم، والله الله في صيام شهر رمضان، فإنّ صيامه جنّة من النار.. والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم.. والله الله في الفقراء والمساكين، فأشركوهم في معايشكم...".
ثم قال(ع): "قولوا للناس حسناً، كما أمركم الله عز وجل، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيولي الله الأمر شراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم، وعليكم بالتواصل والتباذل والتبارّ، وإياكم والتّقاطع والتّدابر والتفرّق، وتعاونوا على البرّ والتّقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان".
أيّها الأحبّة، لا يَكْتفي عليّ(ع) منا بمشاعرنا وحبّنا، فهو يريدنا أن نكون على صورته، أن نعبّر عنه في منطقنا ومواقفنا وحضورنا في كلّ ساحات الحقّ والعدل والحرية، فبذلك نخلص لعليّ، ونتابع مسيرته، ونواجه التّحديات.
والبداية من لبنان، الّذي يعاني التّآكل والاهتراء على كل المستويات، والّذي طاول المؤسّسة الوحيدة المتبقّية من مؤسّسات الدّولة، وهي مجلس الوزراء، بعد أن أعلن رئيسه، وبكل وضوح، أنَّ حكومته فاشلة وعاجزة، كما أنّ هيئة الحوار الوطنيّ الّتي تمثّل القوى الأساسيّة في هذا البلد، والتي ينتظر منها اللبنانيون أن تكون صمّام أمان لهم، أو مكاناً تُحلّ فيه المشاكل، فإنّها تحوّلت إلى منصّة ليعبّر كلٌ عن رأيه في القضايا المطروحة من دون أن يتقدّم خطوةً باتجاه الآخرين.. ليبقى بعدها الجدل مستمراً حول كلّ شيء، من دون إيجاد حلول للقضايا الكبيرة الّتي تمسّ مصير الوطن، وخصوصاً قضية النّفط الغارقة في بحر الأسرار والخفايا والتّساؤلات، فلماذا لا يتحرّك هذا الملفّ في ظلّ الوضع الاقتصاديّ الصّعب، فيما يتحرّك عند الآخرين بقوّة وفعاليّة؟
لقد بات واضحاً أن الحلول لن تأتي ما دام هناك من ينتظر مجريات المنطقة وما سينتج منها، أو ما دام كل فريق يفكّر في حجم طائفته ومذهبه وموقعه السّياسيّ، لا في حجم الوطن، وما دامت الثّقة مفقودة بين الأطراف المحلّيين، فضلاً عن رعاتهم الإقليميّين والدّوليّين، فكيف إن كانت العلاقة علاقة تدمير متبادل وإسقاط مواقع؟! ويبقى على اللبنانيّين أن يقلعوا أشواكهم بأظافرهم لتأمين متطلّبات حياتهم من الحاجات والخدمات الأساسية، وخصوصاً خدمتي الماء والكهرباء المفقودتين، وهم لا ينتظرون من دولتهم الكثير.
في هذه المرحلة، يبقى الهاجس الأمنيّ ماثلاً أمام أعين اللبنانيين، حيث الحديث عن تفجيرات تهزّ الاستقرار الأمنيّ وتربك البلد، ونحن نشكر كلّ القوى الأمنية والشعبية السّاهرة واليقظة، وخصوصاً في الضاحية الجنوبية، ونقدّر لها عملها.
في الوقت نفسه، تستمرّ معاناة العديد من القرى والمدن جراء تداعيات الانتخابات البلدية. وقد وصل الأمر في بعض البلدات إلى حد حصول أحداث مؤسفة، مثل القتل وحرق المنازل، ما يستدعي وعياً من قبل الجميع، بأن يعتادوا تقبل النتائج كما هي، بروح المسؤولية، وأن يتعاون الجميع من أجل النهوض ببلداتهم وقراهم، في الوقت الّذي تتحمّل الجهات السياسيّة والدينيّة والعقلاء الدّور لتهيئة المناخات السياسيّة والاجتماعيّة لمعالجة الأمور، سواء حصلت هذه الإشكالات داخل العائلة الواحدة أو بين العائلات وداخل القرى، لإعادة اللحمة بين الجميع، وإزالة الهواجس والتّوتّرات الّتي حصلت نتيجة الانتخابات.
إنّ المسؤوليّة تقع على عاتق الجميع في العمل لتحصين البلد، ليكون قادراً على مواجهة الرياح العاتية الّتي قد تهب في الداخل أو تأتي من الخارج.. حيث تشتدّ هذه العواصف الّتي لا يبدو أنها ستخبو سريعاً، فالمنطقة العربيّة والإسلاميّة، سواء في سوريا أو العراق أو البحرين أو اليمن، لا يبدو أنها ستشهد انفراجات قريبة، بل إنّها آيلة إلى مزيد من التّعقيد.
ونتوقَّف عند العراق، لنهنِّئ العراقيين على بسط الدولة سلطتها على مناطق جديدة، كما حدث في الفلوجة، وإخراج أهلها من تحت سلطة الإرهاب، الّذي كان وسيبقى مشكلة للعراقيين جميعاً إن لم تستأصل جذوره.
وهنا نقدّر ما حصل من لحمة وطنية بين مختلف مكونات الشعب العراقي وجيشه، والتي تعمَّدت بالدم، ونحن نأمل أن تشكل الأساس لبناء العراق الجديد الذي نريده موحداً ومتعاوناً، بعيداً عن الهواجس والمصالح الفئويّة والطائفيّة والقوميّة..
ومن هنا، فإنّنا نحذر مجدداً من أبواق الفتنة، والذين يسعون للاصطياد بالماء العكر، ممن لا يريدون لهذا المشهد الوطني الوحدوي الجامع أن يكون عنوان العراق، وأن يقدم أنموذجاً بديلاً من كل أجواء التوتر الطائفي والمذهبي الذي يعتاش عليها البعض..
ونصل إلى البحرين، لنستنكر نزع الجنسية عن سماحة الشيخ عيسى قاسم، فلا أذى أو خطر يوازي نزع أحد أبعاد الإنسانية عن الإنسان، والعمل على التشكيك في وطنيّته، التي هي جزء من وجوده، والتي عاشها في كل تاريخه وحاضره..
وهنا، ندعو إلى إعادة النظر في هذا القرار، حرصاً على هذا البلد الّذي نريده أن يبقى في الإطار الذي يعزّز التعايش والتلاقي بين أبنائه، رغم اختلاف مذاهبهم وطوائفهم.
لقد بات واضحاً أنّ السّبيل لتحقيق استقرار الشعوب والبلدان، لا يكون بالعنف أو بشعور طائفة أو دين أو مذهب أو قومية بالغبن، بل بالحوار الّذي يؤدّي إلى بناء الوطن الّذي يُشعر الجميع بالرضا والاطمئنان.
إننا نريد لكلِّ من هم في مواقع المسؤوليّة، أن ينتبهوا إلى الآثار والنتائج المدمّرة التي يولدها الشعور بالظلم على أكثر من صعيد.. فالمسؤول الواعي والحاكم المسؤول هو الّذي لا يلدغ من جحر وقع فيه الآخرون، بل يستفيد منه لكي يجنّب نفسه أو شعبه ما لدغ فيه غيره.
وأخيراً، لا بدَّ من تهنئة الطلاب الَّذين أنهوا بنجاح المرحلة المتوسطة في مسيرتهم نحو القيمة الَّتي هي السّبيل الوحيد لبناء المجتمع ورُقيِّه، فإذا لم يسعفنا الحاضر، ولم نحقّق فيه الطموحات والأحلام، فلنسعَ إلى بناء الجيل الواعي، ولنعزّز حضور العلم عنده، وهذه مسؤوليّة الأهل والمجتمع والدولة.

التعليقات