مخرجات الجامعات: خريجين بلا عمل والطلبة حقول تجارب .. جامعات بنظام الحسبة، وغياب الاستثمار في الكفاءات
د. ياسر عبدالله
رئيس ملتقى الخرجين الباحثين
رئيس ملتقى الخرجين الباحثين
تطور المجتمعات يمر عبر بوابة المدارس بمراحلها المختلفة، ويعرج على الجامعات بوصفها: خاصة، عامة، حكومية، شبة حكومية. ويعتمد تطور الشعوب على تطور النظام التعليمي فيها ، وهناك نماذج من الدول التي كانت تعيش في عصور الفقر والبؤس ، وبفضل تطوير أنظمة التعليم في تلك البلدان استطاعت أن ترتقى إلى الدول المتقدمة ؛ الصناعية منها والزراعية والتكنولوجية، وأصبحت تلك الدول تتوسع في اقتصادها على حسب الدول المتخلفة التي ما زالت في مؤخرة الدول بكافة المجالات التعليمية والاقتصادية والسياسية ، فنذكر هناك كوريا ومصر في ستينات القرن الماضي كان الاقتصاد المصري يفوق اقتصاد كوريا ، واليوم أين كوريا وأين مصر والفضل يعود ذلك الى احترام المعلم والتركيز على الأخلاق .
وللحديث عن واقع التعليم في المدراس والجامعات العربية والفلسطينية نموذجا منها نقول: أنَّ هناك حقل تجارب تقوم به الوزارة على الطلبة والمدارس والمناهج ، يأتي وزير ليقول :أنّ الوزير الذي سبقني دمّر التعليم والآخر يقول :أنّ الوزير الذي سبقني شوه التعليم، والأخير يقول: أنّ الوزير الحالي يعبث بقطاع التعليم ومن هناك يكون نظام التعليم قد مر بمراحل ثلاث : مرحلة التدمير ، ومرحلة التشويه ومرحلة العبث ،فما زال هناك من يعبث بالأنظمة والمناهج ويجري تجارب حيث تحوّل الطلبة إلى "فئران في حقل تجارب الوزارة "، وحين تسألهم: لماذا نحن لا نتطور في التعليم ؟يصبح الوزير بريء والمعلم متهم والطالب غبي .
أما الجامعات الفلسطينية ويا فرحتي من تلك الجامعات والتي تختلف من جامعة إلى أخرى فمنها العريقة وصفا واصلا تحترم المؤهلات وتقدرها، وحريصة كل الحرص على مخرجاتها وجودة التعليم فيها. وجامعات اخرى تعتمد على نظام الحسبة والمياومة في التعامل مع المحاضرين حملة الدكتوراة والماجستير " يعني أستاذ يعطي 35 محاضرة تقوم الجامعة بمكافأته على معادلة وفق نظام الحسبة في سوق الخضار، وإذا كان يحمل شهادة الدكتوراه على سبيل المثال يتم ضرب 30*19= 570 دينار وذلك بدل ثلاث ساعات معتمدة لاحد مساقاتها ، علما بأنّ الجامعة تجبي من الطلبة قيمة ذلك وفق الساعة المعتمدة ،ولا يتم محاسبة الطالب على أنّه حضر فقط 30 محاضرة من أصل 48 محاضر يتوجب عليه إنهائها ليكون قد أنهى المساق ، أي أنّ الجامعة تسرق الطالب وتسرق المحاضر ، ولا نعرف إذا كان هناك رقابة من قبل وزارة التربية والتعليم على ذلك أم أنّ الجامعات أصبحت قطاع خاص، لا تملك الوزارة سوى صلاحية تصديق الشهادة ومنح الجامعات استثناءات لتخصصات جديدة تساهم في زيادة أعداد الخريجين وتفاقم من أزمة بطالة الخريجين ، باعتقادي أنّ مثل هذه الجامعات تعمل بنظام الحسبة ولا ترتقى إلى مستوى جامعة تحترم المؤهلات العلمية والكفاءات وتحافظ على حقوق طلابها سواء من حيث جودة التعليم اوحتى حقوقهم المادية.
وهناك جامعات أخرى تحرص على عدم استقطاب الكفاءات العلمية لأنّها تكلفهم مبالغ أكثر ، وكما تجد أنّ تلك الجامعات تبحث عن حملة شهادة الماجستير من أجل أنْ توفر من التكاليف التشغيلية على الجامعة في حين أنّه تتقاضى من الطالب سعر موحد للساعة المعتمدة سواء كان المحاضر يحمل ماجستير أو دكتوراة فالطالب يدفع قيمة الساعة المعتمدة كاملة دون معادلة الحسبة التي يُعامل بها المحاضر في بعض الجامعات والتي تصف نفسها بالعريقة وتحتفل بتاريخ طويل من الأفواج التي تخرجها ،إضافة الى تنفيذها مشاريع تهدف الى الربح دون النظر جودة مخرجات التعليم والتي تؤثر على الامن القومي .
بين هذا وذاك فإنَّ التعليم في الوطن ما زال مستقر بأسفل “قوارير مزخرفة" وتحول الطلبة في المدارس الى حقل تجارب لمن تخولهم صلاحياتهم أنْ يمارسوا مهام مخولة لهم بقوانين وأنظمة اعتقد أنّها في ظل العولمة والتكنولوجية أصبحت قوانين منتهية الصلاحية ولا تصلُح أنْ تمارس وتطبق على ابنائنا في القرن الحادي والعشرين. وأنظمة الرقابة على الجامعات أعتقد أنّها مجرد حبر على ورق لأنّ هناك ما يسمى " الصلاحيات المخول بها الوزير" يستطيع من خلالها أنْ يلتف على القوانين ويعطي حقوق غير مستحقة للجامعات وعلى سبي المثال أنّ وزارة التربية والتعليم وضعت شروط للقبول في الجامعات منها أن لا يقل معدل المتقدم عن 65% ، ومن خلال "الصلاحيات المخولة للوزير" فإنّ أغلب الجامعات تحصل على استثناء لبعض التخصصات بحيث تسمح لمن يحصل على معدل أقل من ذلك أنْ يلتحق بالجامعة "وهذا السبب الرئيس لتفاقم بطالة الخرجين" وبهذا فإنّ القانون أصبح مجرد حبر على ورق .
وفي ظل التّخبّط في السياسيات والأنظمة وعقم القوانين واللوائح ، لم يأتي وزير يطالب بحقوق المعلم بحيث ترتقى الوزارة بمستوى التعليم ،حتى يقال اننا بدأنا بخطوة واحدة نحو التطوير، فهم يعبثون في كل شيء إلّا حقوق المعلم فهي مقدسات "قوانين وأنظمة وموازنات" لا يجوز أنْ يتم التعديل عليها وإنْ اعترض المعلمون على ذلك يعتبر تمرد وعصيان ويتهموا بعدم الانتماء للوطن، ولم يبق إلّا أنْ يُخوّن المعلم حين يطالب بحقه لكي يعيش حياة كريمة ، فهل يعقل أن يكون مدير مدرسة تربية وتعليم خدم أكثر من 30 عام بدرحة مدير C ، في حين تجد موظف او موظفة تخرج حديثا ويعمل في إحدى الوزارت يحصل على مدير C وهنا يتساوي مع "مدير مديرية تربية وتعليم" يشرف على أكثر من 2000 معلم وأكثر من مئة الف طالب ، فهل هذا يحقق أدنى معايير العدالة الاجتماعية .
وللمناهج قصة وعنوان كيف نريد أنْ نعدل المناهج بنفس المخرجات الّتي تعاني منها وزارة التربية والتعليم ، فمن يقوم بتعديل المناهج هم أنفسهم من تم توظيفهم وانتقائهم كمشرفين واشرفوا على المخرجات التي تسعى الوزارة الى تعديلها ، وهم نفسهم أدوات لمخرجات الواقع التعليمي الذي يعيشه المعلم والطالب ، فكيف لهؤلاء أن ينهضوا بالتعليم وهم بحاجة إلى تنمية مهارتهم وقدراتهم ، باعتقادي إنَّ تعديل المناهج وتطويرها بحاجة إلى كفاءات علمية والاستفادة من تجارب عالمية وليس أنْ نعالج التخلف بالتخلف ونعالج الجهل بالجهل ، اعتقد يجب إعادة النّظر في مَنْ يقوم بتعديل المناهج قبل أن تصبح المناهج قد تعدلت ويُحتفل على المنصات وتقام المهرجانات واللقاءات الإعلامية ليقولوا" لقد غيرنا المناهج وأصبح لدينا مناهج جديدة" وبهذا نردد المثل " مطرح مع نام دفنو" .
نلخص كل ما ذكر في توصيات يجب أنْ تكون "مقدسة" ونظرية لا يمكن للتعليم أن ينهض من قبوته بدونها ويجب أن تعتمدها كل وزارة حريصة وغيورة على التطوير في قطاع التعليم وتلك التوصيات هي:
التطوير في التعليم يعتمد على ركائز ومقومات لا يمكن لأي وزير أنْ يقول أنَّه يطور في التعليم بدونها، أولا: معلم براتب يعادل راتب الوزير. ثانيا: مدارس بموصفات مكتب الوزير. ثالثا: مناهج بمستوى حجم القضية الوطنية تحث على مكارم الاخلاق من خلال إضافة مادة "الاخلاق" تدرس لطلبة المرحلة الاساسية، حتى يصبح لدينا وزراء ومسؤولون بأخلاق تسمح لهم بأن يحافظوا على ثروات ومقدسات هذا الشعب، فهذا الموارد البشرية تتمثل في ابناؤنا الطلبة مستقبل الوطن. رابعا: موائمة بين مخرجات الجامعات وسوق العمل من خلال خلق فرص عمل للخريجين، وتنظيم طبيعة التخصصات ونوعية التعليم في الجامعات، وفي مقدمتها التحول الى التعليم التقني مع التحول الى الإنتاج المحلي وتقليص الاستيراد من السلع التي تتوفر الامكانية لتصنيعها في الوطن.
