مدفع رمضان بغزة.. إرث عثماني معطّل منذ 49 عاما

مدفع رمضان بغزة.. إرث عثماني معطّل منذ 49 عاما
غزة-خاص دنيا الوطن-كمال عليان

مازال الحاج السبعيني سليمان أبو شعبان يستذكر لحظات اطلاق مدفع رمضان الوحيد في مدينة غزة ضربة الإفطار طيلة شهر رمضان وأيام الأعياد قبل الاحتلال الاسرائيلي للقطاع عام 1967م.

وبينما كان ينظر إلى المدفع العثماني الموجود على عمود خرسان تجاوز ارتفاعه ثلاثة أمتار، وسط مدينة غزة يقول الحاج أبو شعبان لـ"دنيا الوطن" :"مضت أيام عز على هذا المدفع، فلقد كان الجيش العثماني يخرجه من مخزنه لاستخدامه في رمضان في موكب كبير، والكبار والصغار يسيرون  وراءهم بكل فرح وسرور"، مضيفا بتنهيدة كبيرة " ما أجمل تلك الأيام، فلقد كان المدفع أجمل شيء في رمضان والأعياد والمناسبات".

يذكر أن مدفع رمضان يستخدم كأسلوب إعلان عن موعد الإفطار والإمساك عن الطعام وإخبار العامة عن هذا الموعد، وهو تقليد متبع في العديد من الدول الإسلامية بحيث يقوم جيش البلد بإطلاق قذيفة مدفعية صوتية لإعلان الإفطار والإمساك.

ولا يزال يقبع "المدفع العثماني" الذي بات من الموروثات التاريخية الاسلامية فقط، بعدما تعذر استخدامه بسبب قدمه وتعطله منذ عقود في باحة بلدية غزة وسط المدينة.

موروث تاريخي

ويقول المدير العام للهندسة والتخطيط في بلدية غزة نهاد المغني إنه وفي نهاية القرن التاسع عشر انتشرت ظاهرة المدافع الرمضانية لتذكير الناس بموعد الافطار والامساك في رمضان وفي الأعياد، مبينا أنه شاع استخدامها في سوريا ولبنان وفلسطين تحت الحكم العثماني.

وأضاف لـ"دنيا الوطن" "المدفع العثماني الموجود حاليا في ساحة البلدية كان موجودا في الأساس في منتزه البلدية قديما وكان يضرب قذيفة تنبيها بالإفطار أو الامساك، وبقي عاملا حتى عام 67 حيث أوقف الاحتلال الاسرائيلي استخدامه".

وتابع المغني "بعد ذلك بقي في مخازن البلدية إلى أن تم تشكيل المجلس البلدي لبلدية غزة عام 1995 برئاسة المرحوم عوني الشوا الذي قرر ترميم المدفع ووضعه كأثر تاريخي وديني واجتماعي لأهالي القطاع".

وحول المدفع وتاريخه يقول المؤرخ والباحث الفلسطيني سليم المبيض أن القرن الرابع عشر كان شاهداً على انتشار المدافع ذات البارود بين الجيوش العربية والأوروبية، وتم تطويرها في القرنين الثامن والتاسع عشر حتى بلغت أوجها في القرن العشرين.

وأكد المبيض لـ"دنيا الوطن" أن كل مدينة فلسطينية من جنين شمالا حتى غزة جنوبا، كان فيها مدفع رمضاني قبل نكسة عام 1967، إذ كانت الإدارة الأردنية تشرف على إطلاقه في مدن الضفة الغربية والإدارة المصرية في قطاع غزة.

وأوضح أن جميع المدافع الرمضانية موروثة عن العصر العثماني وقد تعرض معظمها في الوقت الحالي للتلف وبقيت كآثار وطنية وتاريخية مثل الموجود حاليا في مدينة غزة.

وحكم العثمانيون فلسطين عام 1516م بعد معركة مرج دابق في 23 أغسطس/آب من ذلك العام، وحتّى نهايات الحرب العالمية الأولى عام 1917م.

واحتلت إسرائيل قطاع غزة في يونيو/حزيران 1967، وانسحبت من داخل مدنه منتصف عام 2005، لكنها أبقته محاصراً بقواتها حتى اللحظة.

أسباب الحاجة لمدفع رمضان

وخلال القرن الماضي وفيما كان عدد السكان في كل اقليم من اقاليم الدولة العثمانية يزيد ويكثر برزت حاجة ملحة الى وسيلة ليعرف الناس حلول شهر رمضان للتهيؤ لفريضة الصوم، إضافة الى تعريفهم أيضاً بمواقيت الافطار والإمساك، لذلك ارتأت الدولة العثمانية استحداث مدفع غرضه إعلام الناس أن حلول شهر رمضان ثبت بالوجه الشرعي.

فمساء يوم 29 شعبان أو مساء الثلاثين منه، كانت تطلق من فوهة المدفع 21 طلقة تبشيراً برؤية الهلال وكان يطلق العدد نفسه من الطلقات عند ثبوت هلال شهر شوال احتفالاً باستقبال عيد الفطر. كذلك كانت تطلق منه 21 طلقة مساء التاسع من ذي الحجة إجلالاً لحلول عيد الأضحى الذي استحق لهذا المدفع تسمية "مدفع رمضان والعيدين".

أصل مدفع رمضان

وعلى رغم تضارب الروايات التاريخية حول أصول نشأة تقليد مدفع رمضان، إلا أن المؤكد أن بداية الفكرة كانت مصرية المنشأ.

فهنالك دراسات تاريخية تشير إلى أن تقليد مدفع رمضان بدأ عام 1811 في زمن والي مصر محمد علي باشا، حينما امتلك جيشه مدافع حديثة الصنع، فأمر بإحالة القديمة على المستودعات ووضع واحداً منها في القلعة كتذكار لانتصاره.

وصودف في أحد أيام رمضان أن أطلقت من القلعة طلقة مدفعية مع أذان المغرب، فظن المصريون أن هذا كان لإبلاغهم بحلول موعد الإفطار، فابتهجوا لذلك وسيّروا المواكب لشكره.

ومنذ ذلك الحين أمر والي مصر بإطلاق المدافع مع آذان المغرب وعند الإمساك، حتى أصبح تقليداً متبعاً خلال شهر رمضان.

في مقابل ذلك ثمة رواية تشير الى أن فكرة مدفع رمضان قد سنّها الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت حينما كان يحتل مصر، حيث أراد أن يقوم بعمل ما يرضي به أهلها، فأمر بنصب المدافع على قلعة القاهرة وتطلق منها قنابل البارود، إيذاناً بحلول شهر رمضان، ليصبح فيما بعد تقليداً متبعاً في رمضان.