عن الجريمة الإرهابية في البقعة

عن الجريمة الإرهابية في البقعة
كتب عريب الرنتاوي

لم تنته التحقيقات بعد، إلى كشف ملابسات الجريمة الإرهابية النكراء التي أوقعت خمسة شهداء من مرتبات المخابرات العامة في مخيم البقعة صبيحة الأول من رمضان المبارك ... لكن ما توفر من معطيات رسمية وشبه رسمية، يدفع على الاعتقاد بأننا أمام عملية منعزلة، نفذها شخص واحد كما تقول المصادر الأمنية، وعلى أبعد تقدير بمساعدة نفر قليل جداً من أشخاص ربما وفوروا له، مساعدة لوجستية.

إن صح هذا التقدير، فليس من معنى للذهاب بعيداً في "التحليل"، وغالباً بهدف إظهار "جدية" من يقوم به، وتصبح أسئلة من نوع "دلالة المكان والزمان"، ليست ذات صلة ... ففي أي مكان، يمكن أن يظهر متظرف أو "ذئب متوحد"، ويثفرغ ما في جعبة رشاشه من رصاصات صوب أهداف يختارها هو بنفسها، وغالباً بالاستناد إلى تجربته الشخصية ... حصل شيءٌ شبيه بذلك في "عملية الموقر".

وإن صحت هذه الرواية، يصبح البحث في هوية المنفذ وخلفياته وجنسيته، أمراً ليس ذي قيمة كبيرة ... فحيثما ذهبنا ويممننا وجوهنا، سنجد غلاة ومتطرفين، مستعدون لامتشاق السيوف والضغط على الزناد ... وأحسب أن انتشار ظاهرة التطرف والغلو في الأردن، بات أمراً مسلماً به، وهو تطرف عابر للمدينة والقرية والبادية والمخيم، وليس من الحكمة التوسع كثيراً في البحث عن "فرادة" العملية، تخطيطاً وتنفيذاً وأهدافاً.

من يرجع بشريط الجريمة إلى الوراء، يرى أنها لا تحتاج إلى عبقرية خاصة في التخطيط والإعداد والتحضير، فلا إجراءات أمنية خاصة أحيطت بالمكان، تتعدى كثيراً تلك التي يحتفظ بها أي "مخفر شرطة"، والوضع الأمني في البلاد عموماً، والمرور أمام "المقر" بسيارة وإطلاق النار من رشاش، امر لا ينطوي على كثير من التعقيدات اللوجستية في الإعداد والتخطيط والتنفيذ، لكن ما أعطى "عملية البقعة" بعدها الإعلامي الواسع، أن القاتل نجح في اختطاف حيوات خمسة من رجال المخابرات، وهي خسارة جسيمة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

القصة كانت لتكون مختلفة، لو أن العملية من فعل جهة إرهابية منظمة ... عندها كان يمكن السؤال عن دلالات التوقيت في "الأول من رمضان"، بما يستبطنه الشهر الفضيل من معاني "جهادية" عند هذه المدرسة المنحرفة ... أو عند دلالات المكان: "مخيم للاجئين الفلسطينيين"، وكان يمكن استحضار تجربة التفجيرات في طرطوس التي أراد بها داعش زرع فتنة مذهبية بين سكان المدينة الأصليين وضيوفهم من نازحي حلب وإدلب وحمص ودير الزور ... وطالما أن الحادثة فردية ومعزولة، كما هو مرجح، فلا نجد حاجة للذهاب بعيداً في التنقيب والتمحيص عن المغزى والدلالات.

ولا أجده أمراً حكيماً البناء على واقعة معزولة ومنفردة، لإجراءات المقارنات والمقاربات، بين حال المخيم في الأردن وأحوال مخيمات لبنان، فمخيم البقعة ليس "عين الحلوة 2" ولن يكون "نهر البارد 2" ... مثل هذه "الفرقعات" يمكن أن تجذب صحافة الإثارة والباحثين عن "المانشيت"، بيد أنها تفتقر منهجياً لكل أسباب المقاربة والتشبيه، فلا السياق الأردني شبيه بالسياقات التي شكلت حالة مخيمات لبنان، ولا البقعة سجل أرقاماً قياسية في التطرف والغلو، قياسا ببعض بؤر التطرف الأخرى في البلاد، ولا الأردن يعيش حالة "اللادولة" كما هو عليه الحال في لبنان.

وأجده من باب تحصيل الحاصل، القول بأن الحدث الإجرامي في البقعة، لن يرتب تداعيات مغايرة لتلك التي تأتت عن عملية الفنادق الثلاثة واستشهاد الطيار معاذ الكساسبة ... في المرتين السابقتين، أظهر الأردنيون أعلى درجات التوحد والتكاتف في وجه الإرهاب، وعاشوا لحظات امتزاج وتوحد في المشاعر عبرت عنها الحناجر الصادحة بالدعوات لتعزيز الوحدة ورص الصفوف ... ولا أحسب أن حدثاً إرهابياً منعزلاً، يمكن أن يحدث شرخاً أو فتنة كما يحذر البعض، بنوايا صافية في غالب الأحيان، وعن سوء نية وسريرة في بعضها الآخر.

الجريمة الإرهابية في البقعة، تذكرنا بأننا ما زالنا في قلب المعركة على الإرهاب، الذي يتفلت للمساس بأمننا واستقرارنا، وأرجو أن يذكرنا بما هو أهم من مجرد الرد على عملية هنا أو جريمة هناك، وأعني بذلك، قيامنا بتطوير وتنفيذ استراتيجية وطنية شاملة لاجتثاث التطرف والغلو من بيئتنا الثقافية والاجتماعية، استراتيجية ترسم خيارات وبدائل أمام أجيالنا القادمة، بعد أن تحصنها في مواجهة الفكر الظلامي والتكفيري، وتجفف مصادر التطرف ومنابع الغلو حيثما وجدت في المدرسة والجامعة والحارة والمسجد أو عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل المشبوهة.