سارة في فلسطين ... و فلسطين في سارة !
بكيبورد الدكتور عاصف حمدان
قبل ساعتين من إسدال الستار على الفاتح من يونيو، وخلال وردية ذلك اليوم - أقصد مناوبتي الليلية كطبيب مقيم في أحد المشافي الفلسطينية- ، أحضر والدٌ طفلتَه ذات الخمسة أعوام إلى قسم الطوارئ وقد تعرضت لجرح قطعيّ في شفتها السفلى بطول 7 ملم وبعمق 2 ملم تقريباً، وكان الجرح ينزف بشكل طفيف. الطفلة اسمها سارة. بدأتُ أحاولُ التهدئة من روع سارة بالطريقة المعهودة لأي طبيب في العالم، تماماً كما نفعل مع كل الأطفال الذين يصلون عادةً بشكوىً كهذه؛ بالرغم من أن سارة لم تكن كأي منهم. سارة وصلت مبتسمةً نصف ابتسامة، غير باكية ولا صارخةً من ألم الجرح ولا خائفة ً مما يسببه قسم الطوارئ من رعب للأطفال، ولا مما تتوقع أن يُعمل لعلاجها. قلت لكم ليست كبقية الأطفال؛ إلا أن تميزها عنهم لم ينته هنا؛ بل لم يبدأ بعد!...
لعلّ أبرز ما يميزها كان جمالها غير العادي. أكاد أقسم أنها أجمل بشر رأته عيناي. هي ذات عيون زرقٍ وشعر ذهبي، وجمال أخّاذ من آيات الله سبحانه وتعالى في الجمال، لدرجة أنني وزميلي في قسم الطوارئ قد صلينا على النبي محمد (ص) عشرات المرات منذ دخولها إلى المستشفى وحتى خروجها. يستمر التميز: بدأتُ أسألها أسئلة ساذجة لأُشتت انتباهها ولو قليلاً أو لحظياً، وهنا صعقت. صعقتُ فعلاً من إجاباتها العبقرية -بالنسبة لعمرها- على الأسئلة، حتى أنني دخلت في حوار معقول معها، حتى أنها أجابتني بأسئلة أحياناً!... ومن ذلك مثلاً حين سألتها عن اسم روضتها، سألتني ببراءة منقطعة النظير: القديمة ولا الجديدة؟... قلت الجديدة... قالت: روضة الخنساء... قلت: طيب القديمة؟... قالت: "القديمة بعرفش أحكيها"... فقال والدها ضاحكاً: "اسمها روضة الذكاءات المتعددة". قلت مازحاً: "يا زلمة هاي أنا بعرفش أحكيها ههه"!
في هذه الأثناء، كنتُ قد قررتُ خياطة الجرح الصغير عوضاً عن خيار استخدام مادة لاصقة، وذلك لوجهة نظر طبية معينة، و أيضاً بعد استشارة طبيب كبير جداً كان متواجداً بالصدفة في المكان، وفي هذه الأثناء أيضاً، كنا نحضر أدوات الخياطة المرعبة للأطفال عادةً. وفي ذات الأثناء، كان حواري مع سارة مستمراً، وفي الأثناء عينُها، كانت سارة تعبر عن عدم خوفها بابتسامة من عالم آخر؛ لكنني بقيت متشككاً جداً أنها خائفة، ولكنها لا تريد التعبير عن خوفها، وهو الاحساس الذي أكدهُ والدها، دون أن أجد احتمالاً لسبب واحد يكمن وراء تلك الرغبة بعدم التعبير عن الخوف، عند طفلة بهذا العمر.
بدأت العملية. استخدمتُ معقماً و رذاذاً مخدراً محاولاً التخفيفَ من ألم الخياطة المتوقع، و وضعتُ قطعة قماش معقمةً بحيث تظهر فقط شفتها السفلية المجروحة من فتحتها؛ أي من فتحة القطعة المعقمة. و غطّأتُ بقية وجه سارة وعينيها بالقماش المعقم، مع استمرار الحوار طبعاً. الهدف كان إغلاق فمها منعاً لحصول التهاب أو مضاعفات إذا حركت شفتها السفلية أو العلوية أثناء التخييط, و حتى لا يدخل الرذاذ المخدر أو المعقم إلى تجويف سارة الفمويّ، وكذلك لتغطية عينيها حتى لا ترى أدواتي المرعبة. قمتُ بتخييط الجرح بعد أن اعتقدت أن الرذاذ المخدر قد أخذ مفعوله. نجحت الخياطة بعد أقل من ربع دقيقة والحمد لله. ذُهلتُ مما اعتقدته جدوى المخدر كونها لم تنبس ببنت شفة، مع أنني لا أثق بجدواه كثيراً جداً حسب خبرتي المتواضعة. لم تبكِ ولم تصرخ ولم تحرك شفتيها أبداً سارة. قلت مُسْمعاً إياها: "خلاااص خلّصنا" مُزيلاً قطعة القماش عن عينيها، وهنا كانت الفاجعة:-
رأيت عينيها الزرقاوين الرائعتين قد اغرورقتا بالدموع!!!!!... ألماً طبعاً... وهنا لم أقدر أن أحتفظ بمهنيّتي أكثر، فوجدتني قبّلتها، وتأسفتُ لها، وكفكفتُ دموعها، وسطَ شكر جزيل من والدها الدمث المحترم. كنت فخوراً جداً بعودة نصف الابتسامة الآخر، فالابتسامة الكاملة، لسارة. وكنت فخوراً أكثر بأننا نمتلك هذه "السارة" في فلسطين. أوصيت والدها بأن يذبح لها الهدي خوفاً عليها من الحسد، وقلت له مازحاً: "لولا اني سأخطب قريباً لقلتلك احجزلي اياها ههه!!!"... لحد الآن لا أفهم السبب وراء إخفائها كل هذا الألم وهي في سن الخامسة... تُرى ما الذي يجعلها بهذه النفسية والقوة والأنفة والكبرياء والعظمة والروعة والجمال والصمود والتحدي والصبر والبطولة؟!!! ... أقول هذه الصفات لأسألكم سؤالاً برسمِ إجابةِ تلك المواصفات. السؤال: لو أعدتم شريط القصة في مخيلتكم سريعاً، كم هي مساحة التشابه الذي ترونه بين سارة الفلسطينية، وبين فلسطين؟!؟!؟!
الطفلة (سارة س.أ.) هي طفلة نادرة جداً، وستغدو فتاة ثم امرأةً نادرة جداً أيضاً في هذا العالم، وهي موجودةٌ الآن في فلسطين... فلسطين التي لو أردتم مني تصويراً تمثلياً سريعاً لصبرها على ألمها، ولكبريائها على محنتها، ولصمودها على تحديها، ولأنفتها و جبروتها وبطولتها على القهر الواقع عليها، ولجمالها وروعتها على كل ما يكدر جمالَها وروعتَها، لقلت لكم: اقرؤوا قصة ومقال: "سارة في فلسطين... و فلسطين في سارة" مرةً أخرى!!!
قبل ساعتين من إسدال الستار على الفاتح من يونيو، وخلال وردية ذلك اليوم - أقصد مناوبتي الليلية كطبيب مقيم في أحد المشافي الفلسطينية- ، أحضر والدٌ طفلتَه ذات الخمسة أعوام إلى قسم الطوارئ وقد تعرضت لجرح قطعيّ في شفتها السفلى بطول 7 ملم وبعمق 2 ملم تقريباً، وكان الجرح ينزف بشكل طفيف. الطفلة اسمها سارة. بدأتُ أحاولُ التهدئة من روع سارة بالطريقة المعهودة لأي طبيب في العالم، تماماً كما نفعل مع كل الأطفال الذين يصلون عادةً بشكوىً كهذه؛ بالرغم من أن سارة لم تكن كأي منهم. سارة وصلت مبتسمةً نصف ابتسامة، غير باكية ولا صارخةً من ألم الجرح ولا خائفة ً مما يسببه قسم الطوارئ من رعب للأطفال، ولا مما تتوقع أن يُعمل لعلاجها. قلت لكم ليست كبقية الأطفال؛ إلا أن تميزها عنهم لم ينته هنا؛ بل لم يبدأ بعد!...
لعلّ أبرز ما يميزها كان جمالها غير العادي. أكاد أقسم أنها أجمل بشر رأته عيناي. هي ذات عيون زرقٍ وشعر ذهبي، وجمال أخّاذ من آيات الله سبحانه وتعالى في الجمال، لدرجة أنني وزميلي في قسم الطوارئ قد صلينا على النبي محمد (ص) عشرات المرات منذ دخولها إلى المستشفى وحتى خروجها. يستمر التميز: بدأتُ أسألها أسئلة ساذجة لأُشتت انتباهها ولو قليلاً أو لحظياً، وهنا صعقت. صعقتُ فعلاً من إجاباتها العبقرية -بالنسبة لعمرها- على الأسئلة، حتى أنني دخلت في حوار معقول معها، حتى أنها أجابتني بأسئلة أحياناً!... ومن ذلك مثلاً حين سألتها عن اسم روضتها، سألتني ببراءة منقطعة النظير: القديمة ولا الجديدة؟... قلت الجديدة... قالت: روضة الخنساء... قلت: طيب القديمة؟... قالت: "القديمة بعرفش أحكيها"... فقال والدها ضاحكاً: "اسمها روضة الذكاءات المتعددة". قلت مازحاً: "يا زلمة هاي أنا بعرفش أحكيها ههه"!
في هذه الأثناء، كنتُ قد قررتُ خياطة الجرح الصغير عوضاً عن خيار استخدام مادة لاصقة، وذلك لوجهة نظر طبية معينة، و أيضاً بعد استشارة طبيب كبير جداً كان متواجداً بالصدفة في المكان، وفي هذه الأثناء أيضاً، كنا نحضر أدوات الخياطة المرعبة للأطفال عادةً. وفي ذات الأثناء، كان حواري مع سارة مستمراً، وفي الأثناء عينُها، كانت سارة تعبر عن عدم خوفها بابتسامة من عالم آخر؛ لكنني بقيت متشككاً جداً أنها خائفة، ولكنها لا تريد التعبير عن خوفها، وهو الاحساس الذي أكدهُ والدها، دون أن أجد احتمالاً لسبب واحد يكمن وراء تلك الرغبة بعدم التعبير عن الخوف، عند طفلة بهذا العمر.
بدأت العملية. استخدمتُ معقماً و رذاذاً مخدراً محاولاً التخفيفَ من ألم الخياطة المتوقع، و وضعتُ قطعة قماش معقمةً بحيث تظهر فقط شفتها السفلية المجروحة من فتحتها؛ أي من فتحة القطعة المعقمة. و غطّأتُ بقية وجه سارة وعينيها بالقماش المعقم، مع استمرار الحوار طبعاً. الهدف كان إغلاق فمها منعاً لحصول التهاب أو مضاعفات إذا حركت شفتها السفلية أو العلوية أثناء التخييط, و حتى لا يدخل الرذاذ المخدر أو المعقم إلى تجويف سارة الفمويّ، وكذلك لتغطية عينيها حتى لا ترى أدواتي المرعبة. قمتُ بتخييط الجرح بعد أن اعتقدت أن الرذاذ المخدر قد أخذ مفعوله. نجحت الخياطة بعد أقل من ربع دقيقة والحمد لله. ذُهلتُ مما اعتقدته جدوى المخدر كونها لم تنبس ببنت شفة، مع أنني لا أثق بجدواه كثيراً جداً حسب خبرتي المتواضعة. لم تبكِ ولم تصرخ ولم تحرك شفتيها أبداً سارة. قلت مُسْمعاً إياها: "خلاااص خلّصنا" مُزيلاً قطعة القماش عن عينيها، وهنا كانت الفاجعة:-
رأيت عينيها الزرقاوين الرائعتين قد اغرورقتا بالدموع!!!!!... ألماً طبعاً... وهنا لم أقدر أن أحتفظ بمهنيّتي أكثر، فوجدتني قبّلتها، وتأسفتُ لها، وكفكفتُ دموعها، وسطَ شكر جزيل من والدها الدمث المحترم. كنت فخوراً جداً بعودة نصف الابتسامة الآخر، فالابتسامة الكاملة، لسارة. وكنت فخوراً أكثر بأننا نمتلك هذه "السارة" في فلسطين. أوصيت والدها بأن يذبح لها الهدي خوفاً عليها من الحسد، وقلت له مازحاً: "لولا اني سأخطب قريباً لقلتلك احجزلي اياها ههه!!!"... لحد الآن لا أفهم السبب وراء إخفائها كل هذا الألم وهي في سن الخامسة... تُرى ما الذي يجعلها بهذه النفسية والقوة والأنفة والكبرياء والعظمة والروعة والجمال والصمود والتحدي والصبر والبطولة؟!!! ... أقول هذه الصفات لأسألكم سؤالاً برسمِ إجابةِ تلك المواصفات. السؤال: لو أعدتم شريط القصة في مخيلتكم سريعاً، كم هي مساحة التشابه الذي ترونه بين سارة الفلسطينية، وبين فلسطين؟!؟!؟!
الطفلة (سارة س.أ.) هي طفلة نادرة جداً، وستغدو فتاة ثم امرأةً نادرة جداً أيضاً في هذا العالم، وهي موجودةٌ الآن في فلسطين... فلسطين التي لو أردتم مني تصويراً تمثلياً سريعاً لصبرها على ألمها، ولكبريائها على محنتها، ولصمودها على تحديها، ولأنفتها و جبروتها وبطولتها على القهر الواقع عليها، ولجمالها وروعتها على كل ما يكدر جمالَها وروعتَها، لقلت لكم: اقرؤوا قصة ومقال: "سارة في فلسطين... و فلسطين في سارة" مرةً أخرى!!!
