اللواء المصري: نأمل ان لا تكون التحالفات الجديدة على حساب شعبنا

اللواء المصري: نأمل ان لا تكون التحالفات الجديدة على حساب شعبنا
رام الله - دنيا الوطن

-  المصالحة الفلسطينية مرتبطة بتغيرات المنطقة.

-  أستودع شهداء الانقسام عند الله و ليكونوا أيقونات على طريق المصالحة.

تمر قريباً و بالتحديد في 14/6 ذكرى الانقسام التاسعة و بهذه المناسبة، نجري هذا الحوار مع اللواء د. محمد المصري الذي يرى أن المصالحة تقتضي أن تقوم الحركتان فتح و حماس، بمراجعات فكرية و سياسية لاتمام المصالحة.

- نعيش هذه الأيام ذكرى حادثة الانقسام الاليمة، و انت، كنت احد اللذين دفعوا ثمن هذا الانقسام بشكل شخصي و على المستوى الجرح الوطني. ماذا تقول الآن عشية الذكرى التاسعة لهذا الانقسام..أسبابه و آثاره و تداعياته ؟!

أقول أن هذا الانقسام أخر و أعاق اقامة الدولة، و أنه أعطى الفرصة لكل الأطراف الصديقة و العدوة أن تعيد حساباتها مع القضية الفلسيطينة، و ان هذا الانقسام دفع الجميع الى الحصار و قلة الخيارات أو المفاضلة بين الخيارات السيئة و الأسوأ منها، و أقول في هذه الذكرى التاسعة لهذا الحادث المأساوي في تاريخ شعبنا، ان غزة و أهلها تم اختطافهم من أجل شهوة السلطة و التسلط. و من اجل خدمة مشروع اكبر من غزة أو أن غزة لا دخل لها به. بعد تسع سنوات من الانقسام لم نتقدم بل تراجع المشروع الوطني و النضالي، و تراجع الاداء و العمل.

اذا كان هذا الانقسام من اجل تعديل الاتفاقات أو تغييرها، فلم يتم ذلك، و اذا كان الانقسام من أجل اقامة الدولة، فلم يتم ذلك، و اذا كان الانقسام من اجل الوطن و الشعب، فقد أثبت أنه من أجل الحزب و المشروع الغامض. لم يكن هناك داع للانقسام. لقد ترك بنا الانقسام جرحاً عميقاً، يراد له الوقت الكثير حتى نستطيع تجاوزه، و بمقدورنا أن نتجاوزه، الشعوب تتعلم من اخطائها، هكذا هو التاريخ، مدرسة للشعوب و الجماعات، الآن و بعد تسع سنوات من الانقسام، و صل قطاع غزة للجدار على المستوى السياسي و على المستوى المعيشي. واضح أن الاقليم العربي و لأسباب كثيرة لا يريد أن يتعايش أو حتى أن يتصالح مع الاسلام السياسي، و لهذا، فإن علينا كفلسطينيين أن ننتبه الى المتغيرات جيداً.

- هل تريد أن تقول أن ما فعلته حركة النهضة التونسية مؤخراً قد يشكل نموذجاً لحركة حماس ؟!

تماماً، لماذا لا تراجع حركة حماس ذاتها، و تعلن انتماءاتها الفلسيطينة و القومية، و تتخلى عن فكرة انها الحركة المهداة أو الموحى اليها. على حركة حماس أن تتغير لآن الاقليم العربي اتخذ قراراً جماعياً على ما يبدو بمحاصرة الاسلام السياسي الذي لا تثق به لأسباب كثيرة لا اريد الخوض بتفاصيلها. أنا أدعو حركة حماس الى المراجعة الفكرية و السياسية أيضاً، و لأكن صريحاً هنا، لا يمكن اجراء مصالحة حقيقية مع حماس دون أن تتغير من الداخل.

- و ماذا عن حركة فتح ألا يجب أن تجري التغييرات داخلها أيضاً؟

هذا صحيح أيضاً، حركة فتح مدعوة هي الأخرى الى اجراء المراجعات السياسية، و عليها أن تتعود فكرة المشاركة التي بنيت عليها، و فكرة تغيير السياسات و القيادات بكافة مواقعها، و اذا كانت حركة فتح تمثل الواقعية السياسية و البراغماتية السياسية، و أنا اعتقد أنها تمثل الوطنية الفلسيطينية، فإن ذلك يسمح لها بأن تقوم بعمليات الاحتواء و الاقناع و التكيف و الاستيعاب. برأيي أن من ينقذ فتح أو ما ينقذ فتح القدرة الفائقة على التكييف و الاستيعاب و التمثيل.

- تحدثت عن الاقليم العربي، و قلت انه لم يعد يريد التعايش مع الاسلام السياسي، فما علاقة ذلك بقضيتنا ؟!

الدول العربية الآن تمر في حالة مخاض حقيقية، فالبعض منها على شفا التفكك، و الاقليم كما تراه فارغ، بدون محور نوعي يمنع تفجره أو تفككه، و بدون مقولة فكرية سياسية جامعة، لا قومية و لا دينية و لا أيدولوجية، و لأنه كذلك، فهو يتعرض لتنافس دولي شرس من قبل الدول الكبرى و من قبل الدول الاقليمية الثلاث: اسرائيل و تركيا و ايران. و لهذا، فإنني أعتقد أن هناك تحالفات جديدة ستظهر قريباً، و كل ما نرجوه أن لا تكون هذه التحالفات على حسابنا أو أن يتم التضحية بنا من اجل هذه التحالفات.

و حتى اكون واضحاً أكثر، يجب القول أن من المحرم ان يتم تطبيع العلاقات مع اسرائيل مثلاً دون اقامة دولة فلسيطينة مستقلة. ليكن هذا  ثمن الصلح مع اسرائيل فقط، لا أكثر و لا أقل. و من هنا يمكن القول بأن بلورة نظام عربي معتدل، يضم مصر و الاردن و السعودية، و من هم من العرب الذين يمكن أن يكونوا في هذا الحلف، بامكانهم ان يوقفوا هذا الانهيار الحاصل، و يحموا المنطقة من التقسيم.

- من يديم الانقسام برأيك ؟!

بصراحة، الاحتلال أولاً، فهو معني بأن لا تقوم دولة في الضفة، و لا يمانع ان تكون غزة دولة فلسطينية شوهاء و فقيرة و محاصرة. و لكن الاحتلال أيضاً يشارك أطرافاً دولية و اقليمية في ابقاء الانقسام قائماً، فالانقسام يعطي مبرراً لاطرافٍ كثيرة  لأن تغسل يديها من مسؤولياتها تجاه الصراع الفلسيطيني الاسرائيلي بحجة وجود هذا الانقسام، هذا بالاضافة الى ان مؤسسة الانقسام أصبحت مفيدة تشبه الدجاجة التي تبيض ذهباً لأطرافٍ مستفيدة. كل وضع جديد ينشأ يخلق طبقة مستفيدة منه، و هذا ما يحصل لدينا ايضاً.

-  ما الذي يعيق المصالحة برأيك ؟!

حماس لا تريد المصالحة الا على مقاسها، و كذلك البعض من حركة فتح. و هذا مستحيل. المصالحة على مقاس الطرفين يعني الغاء احدهما، و هذا لم يعد ممكناً، و حتى لا نتحدث بالعموميات، نقول أن حماس التي أنشأت قاعدة أمنية كبيرة في غزة لا يمكن لها أن تقدمها على طبق من ذهب للسلطة الوطنية. كما أن السلطة الوطنية لا تستطيع أن تعود الى غزة دون ان تتسلم المسؤوليات كاملة. اذن، المصالحة هنا تبدو و كأنها استسلام أو الغاء كل طرف للآخر.

- ما الحل اذن، هل نعلن الفيدرالية، أم ان الحل بدبابات عربية مثلاً ؟!

كأن نعلن ان قطاع غزة اقليم متمرد، ثم نستدعي الجامعة العربية مثلاً..لا، هذا غير مطروح على الطاولة. لا يمكن للفلسيطينين أن يذهبوا الى هذا التفكير. ليس هناك حل بدبابات اسرائيلية أو دبابات عربية، هذه أفكار مرفوضة تماماً. الدم الفلسيطيني حرام، و استباحته حرام، و التساهل معه حرام، حرام بالمعنى الديني و الاخلاقي و النضالي و السياسي و الثقافي. و هذا لا ينسجم مع السمات الشخصية للرئيس محمود عباس، و لا هو من ثقافة حركة فتح، التي لم تمارس هذا العمل أبان غابة البنادق، و لو كانت ترغب بذلك أو هو جزء من تفكيرها لما كان الانقسام من الاساس حصل بهذا الشكل،المصالحة الفلسيطينة و رغم أنها قرار غير فلسيطيني مئة بالمئة. و لكنها ستأتي يوماً ما عندما تتغير أحلاف المنطقة، و هي قريبة على ما اعتقد. المصالحة الفلسيطينة قرار اقليمي و دولي بدون دبابات و بدون دماء أيضاً. ففي نهاية الأمر، قطاع غزة هو جزء من أرضنا و شعبنا و قد صمد امام العدوان الاسرائيلي باثمان غالية و باهظة.

-  و لكن هذا القطاع وقع أسير الحصارات المتعددة، فأهل القطاع لا يستطيعون السفر الى أي مكان الا بعدد حدوث معجزة أو تكرم من هذا الطرف أو ذاك. و أخيراً اصبح السفر الى الأردن من الصعوبة بمكان، فما الحل برأيك.

كما تقول، فإن اهلنا في قطاع غزة يتحول الى مسيح جديد مصلوب أمام كل العالم دون ان يهتز أحد لمعاناته الا أقل القليل.برأيي، فإن على حماس أن ترسل برسائل مطمئنة الى كل الأطراف أنها قادرة و جادة في المشاركة بامن الانظمة المجاورة، و لا نتحدث هنا عن اسرائيل، هذا أولاً، ثانياً، على حركة حماس ان تفك ارتباطاتها المقلقة بالمشاريع العابرة للحدود، ثالثاً أن تنسق الجهود مع السلطة الفلسطينية، فليس هناك من نافذة أخرى غير السلطة الوطنية حتى تكسر حماس هذا الحصار ، و بالتالي نحن جزءاً من أمتنا العربية و هم عمقنا و سندنا، و بهم و معهم يمكن ان نهزم المشروع الاستيطاني الاستعماري.

-  هل ترغب بالعودة الى قطاع غزة ؟!

أحن الى ذلك جداً، و احلم كل ليلة بالعودة الى القطاع الحبيب، لأرى البحر و الهواء و الناس، غزة لا تفارقني، آنه في الليل و النهار ، و لكن عودتي مشروطة ليس بالحلم الشخصي و انما بالحلم الوطني أيضاً. لا معنى لعودتي دون اكتمال المصالحة. المصالحة هي التي توفر العودة الكريمة و الآمنة و المستقرة.

-  ما هي رسالتك لعائلتك و اهلك و احبائك ؟!

انا مشتاق لهم جداً. مشتاق لان اعانقهم و أشم روائحهم، مشتاق للعصاري على شاطئ البحر، و كأس الشاي صباحاً. مشتاق لأن أهنئهم بكل افراحهم التي لم استطع المشاركة فيها. و انا أعزيهم في كل اتراحهم التي حرمت من الوقوف معهم فيها، و بهذه المناسبة أستذكر أولئك الثلاثة من اهلي، أخي ابو لؤي عمود خيمتنا و ابنه ابراهيم  ذلك الشاب الفرح المقدم على الحياة و ابن اخي فرج، حيث طالهم الحقد الأعمى و اغتيلوا على أسرة المستشفى في بلدتي بيت حانون، هؤلاء اللذين سقطوا شهداء أثناء الانقسام، و لكن استودعهم عند الله، و ليكونوا أيقونات على طريق المصالحة لا على فوهة الانقسام، و هنا أطلب الرحمة للقاتل و المقتول و من ثم أذهب الى قبر ابي الذي لم أستطع أن أودعه، لأزرع شجرة و اذرف دمعة و اقرأ الفاتحة.

رحم الله شهدائنا و موتانا، داعياً الله عز و جل أن يؤلف بين قلوبنا و يقرب المصالحة، لعلنا نستطيع أن نعيش يوماً كبقية شعوب العالم في دولة مستقلة تصون كرامة الانسان و تحفظ امنه.