مركز جنيف الدولي للعدالة: بغطاءٍ امريكي ودعمٍ إيراني، حرب الإبادة ضد الفلوجة تبدأ

رام الله - دنيا الوطن
أعلن رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، مساء الاحد 22 مايس2016، بدأ ما عُرف باسم معركة "تحرير الفلوجة"، المدينة التي تقع في محافظة الانبار. وانضمّ عدد من قادة الميليشيات في الاعلان عن هذه المعركة، وفي اطلاق صرخات هستيرية تنم عن كراهية لا حدود لها مغلّفة باطار طائفي مقيت. كما تم تأكيد مشاركة ما يسمى بـ (الحشد الشعبي)، هذه المجاميع المنفلتة التي اظهرت في مناسبات عديدة قدرتها على ارتكاب اكثر الجرائم وحشيّة. وتتلقى هذه المجموعات المسلحة الدعم من قبل المستشارين العسكريين الإيرانيين وتتلقي غطاءً جوياً من قبل قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

ودعا الجيش العراقي للمواطنين في الفلوجة لمغادرة المدينة من خلال ما وصفه بـ "الطرق الآمنة التي سيتم الإعلان عنها لاحقا"، كما طالب جميع الأسر غير القادرة على الخروج من المدينة لرفع الراية البيضاء على اسطح المنازل، حتى يتسنى للجيش أن يكون قادرا على التمييز بينها وبين المشتركين فيها. ويبدو أن هذه الخطة خيالية إلى حدّ ما: أولاً وقبل كل شيء، لم يتم توفير "الطرق الآمنة" بعد، في حين ان الهجوم الواسع قد بدأ بالفعل. وعلاوة على ذلك، فقد أثبتت الأحداث الماضية تجاهل تام من الوحدات العسكرية التابعة للحكومة والمليشيات للمدنيين، الذين غالباً ما كانوا يتعرّضون للقتل أو الإعتقال في كل مرّة يتمكنون فيها من الهروب من المدن المحاصرة. وبعبارة أخرى، فإن التصريحات هذه لأ تعدوا عن كونها محاولة من السلطات العراقية لتضليل الرأي العام ودفعه الى الاعتقاد انها تسعى لحماية للمدنيين. إذ لو كانت هنالك جهود لحماية المدنيين حقيقية، لكان قد تم تنفيذ استراتيجية تفصيلية ودقيقة من قبل السلطات إما بإخلاء المدينة قبل بدء الهجوم، أو على الأقل توفير الحماية اللازمة والمأوى لأولئك الذين يستطيعون الخروج من المدينة.

منذ غزو عام 2003 والاحتلال، تعرّضت المدينة لعدّة حملات عسكرية بما في ذلك ما قادته الولايات المتحدة من حملات عام 2004، مما أدى إلى تدميرها تدميراً شبه كامل. وفضلاً عن ذلك، ففي السنوات الأخيرة، قامت القوات الحكومية والميليشيات بقصف ممنهج ضد المدنيين في المدينة في شكل عمليات عسكرية تحمل شعارات طائفية، مما أدى إلى مجازر عديدة ضد المدنيين وبخاصّة النساء والأطفال. ومنذ بداية عام 2016 تم محاصرة الفلوجة، ومنعت جميع المواد الغذائية والأدوية، بما في ذلك المساعدات الإنسانية، من دخول المدينة. ويبدو أن الحملة الأخيرة ليست سوى هجوم طائفي وعمليات قتل واسعة، والتي يمكن أن تشكل في محصلتها جرائم إبادة جماعية، على حساب المدنيين الفلوجة.


وكما اسلفنا فأن الهجوم تدعمه إيران، لا سيما من قبل الحرس الثوري، حيث زودت الجيش العراقي بالأسلحة والذخيرة التي تحمل لافتات وصوراً ذات دلالات طائفية لا تؤدّي الا الى مزيد من الإحتقان الطائفي واشاعة الكراهيّة. إن الدور الذي تلعبه إيران يبعث على القلق فهذه الدولة لا تعطي أي وزنٍ لحقوق الإنسان ولا للاعتبارات الإنسانيّة، ومن شأن مشاركتها ان تزيد من عمليات الإنتقام ضد المدنيين.


ويرى مركز جنيف الدولي للعدالة ان ما يجعل الوضع أكثر إثارة للجدل هو الغطاء الجوي الذي توفّره الولايات المتحدة، الدولة دائمة العضوّية في مجلس الأمن الدولي، من أجل ان تواصل الميليشيات المعروفة بارتكاب أعنف الجرائم ضد المدنيين العزّل، جرائمها في إطار عقيدة الكراهية الطائفية. فقد صرّح قادة الميليشيات اليوم، 23/5/2016، عن ضرورة تدمير الفلوجة بل استصالها من العراق ـ على حدّ تعبيرهم ـ معتبرين انها مصدر الإرهاب متناسين، على ما يبدو، انهم وميليشياتهم اول من مارس الإرهاب في العراق.

وكما هو متوقع، فإن "تحرير" الفلوجة لن يختلف كثيراً عن غيرها من عمليّات "التحرير" السابقة التي جرت في الرمادي وتكريت وبيجي أو جرف الصخر، والتي ادّت إلى التدمير المطلق لهذه المدن، فضلاً عن قتل العديد من المدنيين الأبرياء. فقد نجم عن القصف الجوي مساء اليوم الاول قتل عدد غير قليل من المدنيين بينهم 11 شخص من عائلة واحدة حسب ما اكدّته مصادر رسميّة عراقيّة. إن ما يحدث هو عمليّات إبادة جماعية، تترافق مع تدمير معظم البنى التحتية والمنازل والمحلاّت التجارية والممتلكات العامة والأراضي الزراعية وبالتالي تحويل المدن إلى أماكن غير صالحة للسكن وتحقيق سياسة منهجية لتشريد سكّانها من قبل اصحاب الأيديولوجيات الطائفية، هذه السياسة موجهة في الغالب ضد (العرب السنة). وكمثال على ذلك، فقد اكدّت الأمم المتحدة على ان تدمير الرمادي شيئ "مذهل"، وربما أسوأ من أي مكان آخر في العراق.

 



 

وعلاوة على ذلك، فإنه لا يبدو من قبيل الصدفة أن بداية معركة الفلوجة قد تزامنت مع اقتحام المتظاهرين للمنطقة الخضراء يوم الجمعة 20 مايو 2016، مع مقتل أربعة متظاهرين وجرح نحو 110 أشخاص آخرين. ولعل هذا التزامن يؤكد أن السلطات تريد تحويل الانتباه بعيداً عن مطالب المتظاهرين والفشل المزمن في الاستجابة للصرخات المدوية للشعب العراقي، والتي هي ببساطة تدعو إلى تحسين الظروف المعيشية وتأمين الحقوق الأساسية التي ظلّت مطلباً اساسياً منذ فترة طويلة مهملة.

 

ويؤكدّ، مركز جنيف الدولي للعدالة، أنه يتمنّى القضاء على الجماعات الإرهابية اينما كانت في مدن العراق. ومع ذلك، فأن هذا لا يمكن أن يتحقق من خلال النهج الوحشي للسلطات العراقية والميليشيات المدعومة من القوات الجوية الأمريكية وقوات الحرس الإيرانية. كما أنها أثبتت أن السياسة المُتبعّة لم تكن تجلب سوى الضرر والقتل للمدنيين وأدت بالمقابل الى تكاثر الجماعات الإرهابية وتعاظم وحشيتهم. كما انها تسبّبت في تشريد الملايين من العراقيين، بما في ذلك التدمير الكامل للمدن بأكملها. ولذلك يحثّ المركز على وجوب توقف مثل هذه الهجمات العنيفة على السكّان، على الفور، وضرورة اتباع نهج مختلف من أجل "تحرير" المدن مثل الفلوجة، لأن سفك دماء المدنيين باسم محاربة الإرهاب ليس أقل خطورة من الإرهاب نفسه .


وأخيرا، مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف المذكورة أعلاه، فان مركز جنيف الدولي، يطالب المجتمع الدولي، وعلى وجه الخصوص الأمم المتحدة، باتخاذ جميع التدابير اللازمة لوقف هذه الحملات الوحشية ضد المواطنين العراقيين فضلاً عن تنفيذ ما يلزم من السياسات من اجل حلٍّ شامل ومُستدام يخفّف من معاناة الشعب العراقي.

 

كما يرى، ان من المهام المُلّحة جدّاً ان تتولى الأمم المتحدة الضغط على جميع الدول المعنيّة لتغيير نهجها في "مكافحة الإرهاب" بأثر فوري، فالإجراءات التي اتخذت، حتى الآن، لم تسهم إلا بمزيد من التدهور للظروف الهشة للشعب العراقي

 

التعليقات