قصة حياة الأسير محمد عطية محمود أبو وردة
رام الله - دنيا الوطن
الميلاد: مع العجائز المهاجرة من عراق المنشية, ومع رائحة الدم التي فاضت من جسد الأجداد, تاركة خلفها ذكريات مثقلة وزعتها يد الغاصب على مخيمات الشتات, ومع صرخات الأطفال المحرومة التي عاشها أبناء المخيمات, هلهلت تباشير الفرح على وجه جدتي وهي ترى أمي في يوم ميلادي, تُبَشِّر بقدومي في السابع عشر من يناير (كانون الثاني) لعام 1976م, لِتُسلمني كابون الوكالة الذي عاش معنا طويلاً في مخيم الفوار الذي يفور بغضبة أهله على غصة التهجير التي شردتهم عام 1948م ليكون إعلانا لميلادي على طريق اللجوء المستمر على أبناء شعبنا.
النشأة: نشأت بين ضيق أزقة المخيم المكتظة بأهله, وضيق حضن أمي التي أكرمني الله بها حريصة على أن ترضعني لبن الحرية والتمرد على سطوة الاحتلال وجبروته, فكان لها الدور البارز والهام في تنشئتي ودفعي للصلاة بالمسجد منذ طفولتي, وتحفيظي لبعض آياتٍ من القرآن الكريم, تعلَّقت بحياة المخيم رغم قسوتها, لعبت على ترابه وبين بيوتاته المتلاصقة, تنسمت عبير هوائه, ركضت على حصائر مسجده حتى تدرجت قدماي سنة فسنة نحو مدارسه التي كانت للوهم أقرب منها للحقيقة لأنها شيمة انتفاضة الحجارة كان يتنامى في صفوفنا ونحن صغار في كل يوم حتى أصبحنا نحمل الحجارة في حقائبنا للتصدي لبطش الجيش الملاصق لمخيمنا في نقاط تمركزه, كبرنا مع الحجارة ورصاصات الجيش والشعارات التي كتبتها يداي الصغيرتان على الجدران مُتَلفِّعة بوشاح حركة التحرير الفلسطيني- فتح- حتى كنتُ أُلَقَّب بالشيخ الفتحاوي الصغير, إلى أن كان الاعتقال الأول في عام 1992م والذي استمر لمدة 3 شهور لأعاود المسير على نفس الدرب بعد التحرر لكن برؤية جديدة, بدأت تحولاتها على يد الشيخ كمال الطيطي (أبو سياف) والمدرسة المباركة المدرسة الشرعية في مدينة الخليل وأساتذتها الكرام الذين وضعوا قدماي في صفوف حركة المقاومة الإسلامية – حماس- بالإضافة إلى دور طلابها وعلى رأسهم عباس العويوي, والاستشهادي رائد مسك, ثم رحلت في مركب السنين إلى كلية العلوم التربوية في مدينة رام الله ومعهد المعلمين سابقا, لِأتوشَّح بوشاح الكتلة الإسلامية في الأعوام ما بين 1993-1996م, متنقلا بين معظم لجانها وأميرا لها متأخرا, والتي كانت أهم منعطفا في حياتي مارست فيها دوري كناشط في صفوف حركة المقاومة الإسلامية –حماس- وكل فعالياتها داخل المعهد وخارجه, حتى جاء خبر استشهاد المهندس يحيى عياش – مهندس كتائب القسام في الضفة الغربية, ليكون استشهاده محطة جديدة تحطُّ بها أقدامي في ركائب القسام المباركة.
عملي الجهادي: بعد أن كان لي شرف الانتماء لكتائب القسام في كلية العلوم التربوية على يد أحد الأخوة الغزيين الذي عرَّفني بدوره على الأخ الأسير حسن سلامة, الذي كان بدوره أحد مسئولي القسام في غزة, والذي قّدِمّ إلى الضفة الغربية لِتُسطَّر عمليات الثأر لدماء المهندس يحيى عياش, فكانت معرفتي للأسير حسن سلامة البدء الحقيقي لنشاطي في كتائب القسام, وكان من أهم أعمالنا: 1- عملية الرد الأولى ثأراً للعياش والتي كانت في 25/ فبراير(شباط) / 1996م نفذها الاستشهادي مجدي محمد محمود أبو وردة من مخيم الفوار في مدينة القدس شارع 18 وأسفرت عن مقتل 26 صهيونيا وجرح العشرات, حيث قام بتفجير نفسه في حافلة ركاب, والتي كان دوري فيها هو تنظيم الاستشهادي وإيصاله إلى القائد حسن سلامة.
2- عملية الرد الثانية وفي نفس التاريخ نفذها الاستشهادي إبراهيم حسن سراحنة من مخيم الفوار في مدينة عسقلان المحتلة وأسفرت عن مصرع صهيوني وجرح العشرات.
3- العملية الثالثة كانت بعد أسبوع من سابقاتها وفي نفس مدينة القدس شارع 18أيضا, نفذها الاستشهادي رائد عبد الكريم الشغنوبي من برقة –نابلس, وتسفر عن مصرع 18 صهيوني وجرح العشرات.
4- محاولة إرسال استشهادي رابع في انتفاضة الأقصى بعد خروجي من سجن الأجهزة الأمنية الفلسطينية عام 2001م لكن قدر الله لم يكتب لها النجاح.
الاعتقال: حطَّت أجهزة السلطة الفلسطينية يدها عليَّ في آذار (مارس) من نفس العام, لِنُقاد إلى سجونها ومراكز تحقيقها في مدينة أريحا, لِأُدان بهذه العمليات وأُحكم في محكمة صورية بالمؤبد والأشغال الشاقّة فاتحاً بذلك رحلة المعاناة والآلام من أرض أريحا استمر فيها لمدة خمس سنوات ونصف أمضيتُها في حرِّ أغوارها مُستنظِراً يوم الخلاص, إلى أن كان في بداية انتفاضة الأقصى الذي فَقدت فيه السلطة الفلسطينية سيطرتها على مدن الضفة بسبب الاجتياحات, حملتني الأقدار إلى مدينة الخليل من جديد آملاً في استنشاق هواء مخيمنا(مخيم الفوار) بعد سنوات من الفراق, لكنَّ جهاز الوقائي أعاد اعتقالي ثانية إلى سجونه لمدة أربعة شهور, إلى أن بدأت عملية اجتياح الخليل من إبريل(نيسان) 2002م ليُطلق سراحي إلى حياة المطاردة والملاحقة من قِبَل الجيش الإسرائيلي.
الحالة الاجتماعية: لم يدع لي التشريد ومرارة انتفاضة الحجارة والسجن مكاناً للحب والزواج, لكن بعد خروجي من سجن أريحا وقدومي إلى مدينة الخليل باحثاً عن هواء المخيم الذي حالت أجهزة السلطة بيني وبينه, كان قدري باستنشاق عبير هواء آخر هبَّ من قلب جامعة الخليل, هواء المرأة التي أحببت وكانت لي كالموت قدراً لا يُرد ومشروع حياة تعويضي عن مرارة سنوات السجن وقسوتها التي تطايرت منذ أن رأتها عيناي في جامعتها:
وخفق القلب للحياة ورفَّ الزهر في حقل عمري المجرود
وانتشت روحي الكئيبة بالحب وغنَّت كالبلبل الغرِّيد .
لكنَّ هذا التغريد مرة أخرى في سجون السلطة التي من سجن الأمن الوقائي لتبدأ معي حياة الحب المُلفَّع بأشواك السجن وأسلاكه, قضيت فترة الأحلام الوردية فترة الخطوبة عند الأمن الوقائي, وتدرجت بالوردات خلسة إلى حياتي الزوجية التي لم يبقَ لها من اسمها نصيب, إذ تزوجتها وأنا بين عساكر الأجهزة الأمنية, خرجت من سجنهم لصالة الأفراح التي لم تضم بين جنباتها إلا العروس والعسكر, أنهيت مراسم الزواج بالعودة إلى غرفتي في سجن المقاطعة, اختلست بعض الساعات لمزاورتها كما تختلس العيون المحرومة رؤية القمر, إلى أن تم اجتياح المدينة وعاشت معي المطاردة القاسية,وفي تلك الفترة أكرمني الله بطفل اسميته حمزة امتدادا لي ولها وجامعاً لقلبين لم يجمعهما بتلك الزوجية إلا أيام قليلة.
حياة المطاردة: بدَأَت باجتياح مدينة الخليل واستمرت لمدة 3 شهور وكانت صفحاتها قد تُوِّجت بمزيد من المعاناة والمشاهد القاسية إلى أن كان الاعتقال الأخير في نوفمبر(تشرين الثاني) من العام 2002م.
الميلاد: مع العجائز المهاجرة من عراق المنشية, ومع رائحة الدم التي فاضت من جسد الأجداد, تاركة خلفها ذكريات مثقلة وزعتها يد الغاصب على مخيمات الشتات, ومع صرخات الأطفال المحرومة التي عاشها أبناء المخيمات, هلهلت تباشير الفرح على وجه جدتي وهي ترى أمي في يوم ميلادي, تُبَشِّر بقدومي في السابع عشر من يناير (كانون الثاني) لعام 1976م, لِتُسلمني كابون الوكالة الذي عاش معنا طويلاً في مخيم الفوار الذي يفور بغضبة أهله على غصة التهجير التي شردتهم عام 1948م ليكون إعلانا لميلادي على طريق اللجوء المستمر على أبناء شعبنا.
النشأة: نشأت بين ضيق أزقة المخيم المكتظة بأهله, وضيق حضن أمي التي أكرمني الله بها حريصة على أن ترضعني لبن الحرية والتمرد على سطوة الاحتلال وجبروته, فكان لها الدور البارز والهام في تنشئتي ودفعي للصلاة بالمسجد منذ طفولتي, وتحفيظي لبعض آياتٍ من القرآن الكريم, تعلَّقت بحياة المخيم رغم قسوتها, لعبت على ترابه وبين بيوتاته المتلاصقة, تنسمت عبير هوائه, ركضت على حصائر مسجده حتى تدرجت قدماي سنة فسنة نحو مدارسه التي كانت للوهم أقرب منها للحقيقة لأنها شيمة انتفاضة الحجارة كان يتنامى في صفوفنا ونحن صغار في كل يوم حتى أصبحنا نحمل الحجارة في حقائبنا للتصدي لبطش الجيش الملاصق لمخيمنا في نقاط تمركزه, كبرنا مع الحجارة ورصاصات الجيش والشعارات التي كتبتها يداي الصغيرتان على الجدران مُتَلفِّعة بوشاح حركة التحرير الفلسطيني- فتح- حتى كنتُ أُلَقَّب بالشيخ الفتحاوي الصغير, إلى أن كان الاعتقال الأول في عام 1992م والذي استمر لمدة 3 شهور لأعاود المسير على نفس الدرب بعد التحرر لكن برؤية جديدة, بدأت تحولاتها على يد الشيخ كمال الطيطي (أبو سياف) والمدرسة المباركة المدرسة الشرعية في مدينة الخليل وأساتذتها الكرام الذين وضعوا قدماي في صفوف حركة المقاومة الإسلامية – حماس- بالإضافة إلى دور طلابها وعلى رأسهم عباس العويوي, والاستشهادي رائد مسك, ثم رحلت في مركب السنين إلى كلية العلوم التربوية في مدينة رام الله ومعهد المعلمين سابقا, لِأتوشَّح بوشاح الكتلة الإسلامية في الأعوام ما بين 1993-1996م, متنقلا بين معظم لجانها وأميرا لها متأخرا, والتي كانت أهم منعطفا في حياتي مارست فيها دوري كناشط في صفوف حركة المقاومة الإسلامية –حماس- وكل فعالياتها داخل المعهد وخارجه, حتى جاء خبر استشهاد المهندس يحيى عياش – مهندس كتائب القسام في الضفة الغربية, ليكون استشهاده محطة جديدة تحطُّ بها أقدامي في ركائب القسام المباركة.
عملي الجهادي: بعد أن كان لي شرف الانتماء لكتائب القسام في كلية العلوم التربوية على يد أحد الأخوة الغزيين الذي عرَّفني بدوره على الأخ الأسير حسن سلامة, الذي كان بدوره أحد مسئولي القسام في غزة, والذي قّدِمّ إلى الضفة الغربية لِتُسطَّر عمليات الثأر لدماء المهندس يحيى عياش, فكانت معرفتي للأسير حسن سلامة البدء الحقيقي لنشاطي في كتائب القسام, وكان من أهم أعمالنا: 1- عملية الرد الأولى ثأراً للعياش والتي كانت في 25/ فبراير(شباط) / 1996م نفذها الاستشهادي مجدي محمد محمود أبو وردة من مخيم الفوار في مدينة القدس شارع 18 وأسفرت عن مقتل 26 صهيونيا وجرح العشرات, حيث قام بتفجير نفسه في حافلة ركاب, والتي كان دوري فيها هو تنظيم الاستشهادي وإيصاله إلى القائد حسن سلامة.
2- عملية الرد الثانية وفي نفس التاريخ نفذها الاستشهادي إبراهيم حسن سراحنة من مخيم الفوار في مدينة عسقلان المحتلة وأسفرت عن مصرع صهيوني وجرح العشرات.
3- العملية الثالثة كانت بعد أسبوع من سابقاتها وفي نفس مدينة القدس شارع 18أيضا, نفذها الاستشهادي رائد عبد الكريم الشغنوبي من برقة –نابلس, وتسفر عن مصرع 18 صهيوني وجرح العشرات.
4- محاولة إرسال استشهادي رابع في انتفاضة الأقصى بعد خروجي من سجن الأجهزة الأمنية الفلسطينية عام 2001م لكن قدر الله لم يكتب لها النجاح.
الاعتقال: حطَّت أجهزة السلطة الفلسطينية يدها عليَّ في آذار (مارس) من نفس العام, لِنُقاد إلى سجونها ومراكز تحقيقها في مدينة أريحا, لِأُدان بهذه العمليات وأُحكم في محكمة صورية بالمؤبد والأشغال الشاقّة فاتحاً بذلك رحلة المعاناة والآلام من أرض أريحا استمر فيها لمدة خمس سنوات ونصف أمضيتُها في حرِّ أغوارها مُستنظِراً يوم الخلاص, إلى أن كان في بداية انتفاضة الأقصى الذي فَقدت فيه السلطة الفلسطينية سيطرتها على مدن الضفة بسبب الاجتياحات, حملتني الأقدار إلى مدينة الخليل من جديد آملاً في استنشاق هواء مخيمنا(مخيم الفوار) بعد سنوات من الفراق, لكنَّ جهاز الوقائي أعاد اعتقالي ثانية إلى سجونه لمدة أربعة شهور, إلى أن بدأت عملية اجتياح الخليل من إبريل(نيسان) 2002م ليُطلق سراحي إلى حياة المطاردة والملاحقة من قِبَل الجيش الإسرائيلي.
الحالة الاجتماعية: لم يدع لي التشريد ومرارة انتفاضة الحجارة والسجن مكاناً للحب والزواج, لكن بعد خروجي من سجن أريحا وقدومي إلى مدينة الخليل باحثاً عن هواء المخيم الذي حالت أجهزة السلطة بيني وبينه, كان قدري باستنشاق عبير هواء آخر هبَّ من قلب جامعة الخليل, هواء المرأة التي أحببت وكانت لي كالموت قدراً لا يُرد ومشروع حياة تعويضي عن مرارة سنوات السجن وقسوتها التي تطايرت منذ أن رأتها عيناي في جامعتها:
وخفق القلب للحياة ورفَّ الزهر في حقل عمري المجرود
وانتشت روحي الكئيبة بالحب وغنَّت كالبلبل الغرِّيد .
لكنَّ هذا التغريد مرة أخرى في سجون السلطة التي من سجن الأمن الوقائي لتبدأ معي حياة الحب المُلفَّع بأشواك السجن وأسلاكه, قضيت فترة الأحلام الوردية فترة الخطوبة عند الأمن الوقائي, وتدرجت بالوردات خلسة إلى حياتي الزوجية التي لم يبقَ لها من اسمها نصيب, إذ تزوجتها وأنا بين عساكر الأجهزة الأمنية, خرجت من سجنهم لصالة الأفراح التي لم تضم بين جنباتها إلا العروس والعسكر, أنهيت مراسم الزواج بالعودة إلى غرفتي في سجن المقاطعة, اختلست بعض الساعات لمزاورتها كما تختلس العيون المحرومة رؤية القمر, إلى أن تم اجتياح المدينة وعاشت معي المطاردة القاسية,وفي تلك الفترة أكرمني الله بطفل اسميته حمزة امتدادا لي ولها وجامعاً لقلبين لم يجمعهما بتلك الزوجية إلا أيام قليلة.
حياة المطاردة: بدَأَت باجتياح مدينة الخليل واستمرت لمدة 3 شهور وكانت صفحاتها قد تُوِّجت بمزيد من المعاناة والمشاهد القاسية إلى أن كان الاعتقال الأخير في نوفمبر(تشرين الثاني) من العام 2002م.
حياة السجن: حياة الصفحات المطوية, ومرارة الفراق التي لا يعرفها إلا من عاشها, وحياة الشوق لزوجة عايشتها أيام وفارقتها سنوات, وطفل وُلِد وعاش وكبر دون أن يلمس يداي أو يضمه حضني أو تشبع رؤيته عيناي, ولأهل حرموا من بيتهم ومن لمِّ شملهم ولو لمرة واحدة, لكن قدر الله بالابتلاء يكون لأحبابه الذين أسأله أن أكون منهم وأن يُعنِّي على الثبات على قدره وعلى التزام دينه وتعلُّم كتابه والصبر على حلقات العلم التي رافقتني في رحلة معاناتي, أما الأشخاص الذين تأثرت من أكثر من تأثرت به وبكلماته وكتبه هو الشيخ أحمد القطّان الذي كان من البارزين في حركة حماس ومن مدرسي المدرسة الشرعية, والشهيد كمال الطيطي والشهيد عبد الله القواسمي, والشهيد عبد المجيد دودين.

التعليقات