نتائج مخيبة لمساهمة الإنترنت في النمو
خليل زهر
على رغم الاستثمارات الهائلة في تقنيات الاتصالات والمعلومات والتي أدت الى الانتشار السريع لخدمات الهاتف الخليوي والانترنت والخدمات الأخرى مثل جمع البيانات وتخزينها وتحليلها ونشرها، وتضاعف عدد مستخدمي الإنترنت ثلاث مرات خلال العقد الماضي من بليون في 2005 الى 3.2 بليون في 2015. وعلى رغم ان نسبة مستخدمي الهاتف الخليوي بين الشرائح الفقيرة والمتدنية الدخل في الدول النامية بلغت 70 في المئة، وهي أعلى كثيراً من نسبة تغطية الخدمات الأخرى كالكهرباء والمياه والصرف الصحي، يبقى أثر ذلك على النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل أو توفير خدمات أفضل للمواطن، دون المتوقع بكثير.
هذا بعض ما جاء في تقرير رئيس لمجموعة البنك الدولي صدر الشهر الماضي حول التنمية في العالم للعام الحالي ودور الانترنت فيها.
وإذ ولدت الثورة الرقمية فوائد مباشرة مثل تسهيل الاتصال وتداول المعلومات، ووفرت منتجات رقمية مجانية ووسائل ترفيه جديدة، فإن تأثير هذه التقنية على الإنتاجية العالمية وتوسيع الفرص للطبقات الفقيرة والمتوسطة وانتشار الحكم الصالح، جاءت أقل بكثير من المتوقع. فبينما وصل الاتصال بين الشركات الى مستويات غير معهودة فإن الإنتاجية العالمية تتباطأ. وحيث غيرت التقنية الرقمية عالم الأعمال فإن أسواق العمل، بخاصة في الدول الغنية، ازدادت قطبية وعدم مساواة. وبينما ازداد عدد الدول الديموقراطية، فإن نسبة الانتخابات العادلة والشفافة في انخفاض مستمر، ليس بسبب التقنية الرقمية بل رغماً عنها.
وأدرج التقرير عدداً من العوامل التي تحول دون مواكبة عائد التقنية الرقمية مستوى انتشارها واستخدامها. فعلى رغم سرعة انتشارها، ما زال 60 في المئة من سكان العالم يفتقرون الى هذه الخدمات. كما أن الكثير من مستخدمي الإنترنت لا تتوافر لهم شبكة النطاق العريض السريعة الضرورية لتحقيق الاستفادة من هذه التقنية.
كما أن التقنيات الرقمية، إذ تولد فرص عمل جديدة للمهارات المتقدمة والعالية، فإنها في المقابل تلغي فرصاً وظيفية في المهارات الروتينية من خلال المكننة. وبالتالي ترغم عدداً أكبر من القوى العاملة على التنافس على وظائف منخفضة الأجور وتزداد انخفاضاً بفعل هذا التنافس. فهي تجعل من العمليات الروتينية وتلك ذات الكثافة في المعاملات، أرخص كلفة وأسرع وأسهل، لكن معظم هذه المعاملات له جوانب لا يمكن مكننتها حيث تتطلب تقديراً وحدساً وفكراً إنسانياً لا توفرها حتى النظم الذكية. وبالتالي فعندما تستخدم التقنية في المكننة في غياب توافر المهارات الجديدة المكملة، فإنها تفشل في تحقيق الفوائد المرجوة. فالتقنية قد تؤدي الى تحسين إنتاجية العامل، ولكن ليس إذا كان هذا الأخير يفتقر الى معرفة استخدامها. كما أن التقنية الرقمية بطبيعتها تعزز الاحتكارات الطبيعية وبالتالي تقوي موقع الشركات القائمة. وفي حال غياب بيئة عمل تنافسية فإن ذلك يؤدي الى قيام أسواق مركزة تفيد الشركات القائمة وتعيق المبادرات ونماذج العمل الجديدة التي تولدها هذه التقنيات من دخول السوق.
وعلى صعيد القطاع العام فإن استثمار هذا القطاع في التقنيات الرقمية قد يؤدي، في غياب المراقبة والمحاسبة والمؤسسات الكفوءة والتنظيمات الفاعلة، الى تعزيز وتضخيم نفوذ النخب والاستئثار بالسلطة. فكما ورد في التقرير، فإن التقنية الرقمية التي تراقب انتظام حضور المدرّس الى المدرسة يفترض أن تؤدي الى تحسين مخرجات نظام التعليم، ولكن ليس إذا كان هذا الأخير يفتقر الى المساءلة والمحاسبة.
ويوصي التقرير بأن على الدول التي تريد تحقيق فوائد من التقنيات الرقمية، علاوة على ضرورة جعل خدمة الانترنت السريعة متاحة للجميع، عليها تطوير القاعدة النظيرة للثورة الرقمية بركائزها الثلاثة. أولاً، وضع التنظيمات الملائمة لخلق مناخ ديناميكي للأعمال يتيح للشركات توظيف التقنيات الرقمية في التنافس والابتكار. ثانياً، تطوير مهارات العمال وموظفي الدولة ورجال الأعمال لتمكينهم من الاستفادة من الفرص التي يوفرها الاقتصاد الرقمي. وثالثاً، بناء مؤسسات تستخدم التقنيات الرقمية لتمكين المواطن.
وإن بدت القاعدة النظيرة للثورة الرقمية مألوفة فلأن ركائزها الثلاث هي الركائز التقليدية للتنمية الاقتصادية العابرة للزمان والمكان، والتي لا يمكن القفز فوقها أو تجاوزها كما أثبتت التجارب المتعددة. فالتنمية لا تنجح إن لم يتوافر لها مناخ أعمال يتميز ببيئة تنافسية صحية مشجعة للاستثمار، بخاصة المبادرة والابتكار. كما أنها لا تقوم في غياب منظومة تعليمية متطورة سواء بأساليبها العصرية أو مناهجها الحديثة، بينما توافر مؤسسات حكومية وعامة مسؤولة وشفافة يبقى عاملاً أساساً لا يمكن تجاهله. انها العوامل ذاتها التي ما لبثت تحدد مصير التنمية الاقتصادية والاجتماعية حول العالم. لقد حسمت أيضاً مصير عمليات التخصيص التي شهدتها العقود الثلاثة الماضية والتي غيرت معالم الاقتصاد العالمي، فكان النجاح حيث توافرت هذه العوامل والفشل حيث غابت. وهي تحدد اليوم مصير الاستفادة من الثورة الرقمية في بناء الاقتصاد الحديث وتحقيق التنمية المستدامة.
على رغم الاستثمارات الهائلة في تقنيات الاتصالات والمعلومات والتي أدت الى الانتشار السريع لخدمات الهاتف الخليوي والانترنت والخدمات الأخرى مثل جمع البيانات وتخزينها وتحليلها ونشرها، وتضاعف عدد مستخدمي الإنترنت ثلاث مرات خلال العقد الماضي من بليون في 2005 الى 3.2 بليون في 2015. وعلى رغم ان نسبة مستخدمي الهاتف الخليوي بين الشرائح الفقيرة والمتدنية الدخل في الدول النامية بلغت 70 في المئة، وهي أعلى كثيراً من نسبة تغطية الخدمات الأخرى كالكهرباء والمياه والصرف الصحي، يبقى أثر ذلك على النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل أو توفير خدمات أفضل للمواطن، دون المتوقع بكثير.
هذا بعض ما جاء في تقرير رئيس لمجموعة البنك الدولي صدر الشهر الماضي حول التنمية في العالم للعام الحالي ودور الانترنت فيها.
وإذ ولدت الثورة الرقمية فوائد مباشرة مثل تسهيل الاتصال وتداول المعلومات، ووفرت منتجات رقمية مجانية ووسائل ترفيه جديدة، فإن تأثير هذه التقنية على الإنتاجية العالمية وتوسيع الفرص للطبقات الفقيرة والمتوسطة وانتشار الحكم الصالح، جاءت أقل بكثير من المتوقع. فبينما وصل الاتصال بين الشركات الى مستويات غير معهودة فإن الإنتاجية العالمية تتباطأ. وحيث غيرت التقنية الرقمية عالم الأعمال فإن أسواق العمل، بخاصة في الدول الغنية، ازدادت قطبية وعدم مساواة. وبينما ازداد عدد الدول الديموقراطية، فإن نسبة الانتخابات العادلة والشفافة في انخفاض مستمر، ليس بسبب التقنية الرقمية بل رغماً عنها.
وأدرج التقرير عدداً من العوامل التي تحول دون مواكبة عائد التقنية الرقمية مستوى انتشارها واستخدامها. فعلى رغم سرعة انتشارها، ما زال 60 في المئة من سكان العالم يفتقرون الى هذه الخدمات. كما أن الكثير من مستخدمي الإنترنت لا تتوافر لهم شبكة النطاق العريض السريعة الضرورية لتحقيق الاستفادة من هذه التقنية.
كما أن التقنيات الرقمية، إذ تولد فرص عمل جديدة للمهارات المتقدمة والعالية، فإنها في المقابل تلغي فرصاً وظيفية في المهارات الروتينية من خلال المكننة. وبالتالي ترغم عدداً أكبر من القوى العاملة على التنافس على وظائف منخفضة الأجور وتزداد انخفاضاً بفعل هذا التنافس. فهي تجعل من العمليات الروتينية وتلك ذات الكثافة في المعاملات، أرخص كلفة وأسرع وأسهل، لكن معظم هذه المعاملات له جوانب لا يمكن مكننتها حيث تتطلب تقديراً وحدساً وفكراً إنسانياً لا توفرها حتى النظم الذكية. وبالتالي فعندما تستخدم التقنية في المكننة في غياب توافر المهارات الجديدة المكملة، فإنها تفشل في تحقيق الفوائد المرجوة. فالتقنية قد تؤدي الى تحسين إنتاجية العامل، ولكن ليس إذا كان هذا الأخير يفتقر الى معرفة استخدامها. كما أن التقنية الرقمية بطبيعتها تعزز الاحتكارات الطبيعية وبالتالي تقوي موقع الشركات القائمة. وفي حال غياب بيئة عمل تنافسية فإن ذلك يؤدي الى قيام أسواق مركزة تفيد الشركات القائمة وتعيق المبادرات ونماذج العمل الجديدة التي تولدها هذه التقنيات من دخول السوق.
وعلى صعيد القطاع العام فإن استثمار هذا القطاع في التقنيات الرقمية قد يؤدي، في غياب المراقبة والمحاسبة والمؤسسات الكفوءة والتنظيمات الفاعلة، الى تعزيز وتضخيم نفوذ النخب والاستئثار بالسلطة. فكما ورد في التقرير، فإن التقنية الرقمية التي تراقب انتظام حضور المدرّس الى المدرسة يفترض أن تؤدي الى تحسين مخرجات نظام التعليم، ولكن ليس إذا كان هذا الأخير يفتقر الى المساءلة والمحاسبة.
ويوصي التقرير بأن على الدول التي تريد تحقيق فوائد من التقنيات الرقمية، علاوة على ضرورة جعل خدمة الانترنت السريعة متاحة للجميع، عليها تطوير القاعدة النظيرة للثورة الرقمية بركائزها الثلاثة. أولاً، وضع التنظيمات الملائمة لخلق مناخ ديناميكي للأعمال يتيح للشركات توظيف التقنيات الرقمية في التنافس والابتكار. ثانياً، تطوير مهارات العمال وموظفي الدولة ورجال الأعمال لتمكينهم من الاستفادة من الفرص التي يوفرها الاقتصاد الرقمي. وثالثاً، بناء مؤسسات تستخدم التقنيات الرقمية لتمكين المواطن.
وإن بدت القاعدة النظيرة للثورة الرقمية مألوفة فلأن ركائزها الثلاث هي الركائز التقليدية للتنمية الاقتصادية العابرة للزمان والمكان، والتي لا يمكن القفز فوقها أو تجاوزها كما أثبتت التجارب المتعددة. فالتنمية لا تنجح إن لم يتوافر لها مناخ أعمال يتميز ببيئة تنافسية صحية مشجعة للاستثمار، بخاصة المبادرة والابتكار. كما أنها لا تقوم في غياب منظومة تعليمية متطورة سواء بأساليبها العصرية أو مناهجها الحديثة، بينما توافر مؤسسات حكومية وعامة مسؤولة وشفافة يبقى عاملاً أساساً لا يمكن تجاهله. انها العوامل ذاتها التي ما لبثت تحدد مصير التنمية الاقتصادية والاجتماعية حول العالم. لقد حسمت أيضاً مصير عمليات التخصيص التي شهدتها العقود الثلاثة الماضية والتي غيرت معالم الاقتصاد العالمي، فكان النجاح حيث توافرت هذه العوامل والفشل حيث غابت. وهي تحدد اليوم مصير الاستفادة من الثورة الرقمية في بناء الاقتصاد الحديث وتحقيق التنمية المستدامة.
