كلمة رثاء المناضل القائد الوطني عثمان ابو غربية
بقلم:اللواء جبريل الرجوب
كلمة رثاء من اللواء جبريل الرجوب لأخيه المناضل القائد الوطني عثمان ابو غربية
بسم الله الرحمن الرحيم
"كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ* وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ"
صدق الله العظيم
سأُسمّيه شقيقاً وقائدا وصديقا لا يتكرر ! وسأراه محمولاً على الهتاف الساخن العالي ، وسيكون كما أراد شهيدا باقيا في وجدان إخوته ورفاق دربه .
فلترفَعْ حركة فتح الجبارة أصواتها وهي تودع قائدا متمرسا من قادتها وهم يرحلون شهداء ، نرصف صورهم الرضية على جدران القلوب، ونعزي الديارُ التي سكنها الشهيد، ولتترنّمْ البلادُ، ولتنتظر موكبَه بعطر الرجوع والأعراس، ليَنْسلَّ إلى حيثُ رُفاتِ جدوده وشاهدِ المظلمةِ الباقي، وإلى أن تعودَ البلاد، ونرفعَ الشواهدَ ونغنّي بحنّائنا الصعبِ، ونرمي غلالاتِ ربيعنا إلى الحدودِ والصغار.
ولتَحْضُرْ قرى الزعتر والميرمية والفرفحينا التي جزّوا جدائلها الخضراء، الآن، لتكتبَ في تقويمها خطواتِ الرجلِ الراسخِ الذي ضفضفَ بالجُرأة، ومات فكان شهيداً ، لأنّ رُمّانةَ صدرهِ احتشدت بغضبٍ وافرٍ وحزنٍ فائرٍ على ظلالِ الأسوار الثقيلةِ ولزوجةِ الدمِ المجانيّ، وجُلجلةِ المصلوبين على العقربِ المُخاتلِ في المعتقلاتِ في أزمان السيدةِ العمياء "العدالة" التي اعتقلوها في أرقامِ مجلس أمنهم مثيلَ غوانتنامو وأبو غريب، وعلى حاملاتِ الطائراتِ وطوطمِ الرعبِ السائد، ولأنه قُتل مرات ومَرّات وتقطّع أوصالاً كأنه الشظايا، ولأنه هاجر ولوحق وشاهَدَ قتل أخوته ، واحتمل ، كأنه صخرةُ البَدّ التي تعصر ولا تتكسّر، فتعطي الزيتَ لذعةَ العسل والليمون.
وشهيدنا الذي وُلِد في عصرِ الإرهاب الأكبر، تحت ظلالِ بَقْرِ البطون وأعوامِ المذابحِ التي تخطّى زمنَ دقلديانوس المُرعب، كان شعبهُ يَهْجِسُ كالعقربِ وَسَطَ النارِ، وكان في ولايةِ الدرك المُبْهَمين المتآمِرين، لكنّه أخذَ القرارَ المواجِهَ من قبضةِ الهزيمةِ المُغْلَقة، بعد أن تجاوزَ البحثَ عن ذاتهِ، ليجدها مُقاومةً خَذَلَها المحيطون الرسميّون وارتباكُ الأحزاب المُتلهِّيّةِ بعلوم الجدل، فيما أسقطَ الفاسدونَ قلعتَهم من الداخل بالتنازلِ المُتدّرج، وشرّبونا واقعيّةً سياسيّةً أودتْ بالدمِ والإنجازِ والقضيةِ، وظلّت الفجائعُ والحسراتُ واليُتْمُ والرصاصُ والحواجزُ والإذلالُ والغازُ المُسيّلُ للعارِ والقبولُ المخدوع. لكنه، على رغم ذلك، طلع كالسنبلة الحُرّة، من بلد طاهر مغسول بدمع الثكالى ودماء الطيور البريئة وشرايين الشهداء، وانغمس في حمأة المجابهة مع النقيض، وكان مع أشقائه في الثورة، يقدّون زهر عمرهم في الجبال والخنادق، وخرجوا إلى الحياة ليجعلوها كاملةً بصمودهم العبقري وبموتهم الأنقى والعنيف.
وإذا كانت كلُّ قبيلةٍ بحاجةٍ إلى أُسطورة، وكلُّ حربٍ إلى بطلٍ فإنّ أسطورتَنا هم القادة الشهداء ومعتقلونا وجرحانا ، وكان بطلنا الشهيد على رأس أولئك الذين نسجوا داخلَ حركتنا العملاقة كوابحَ عَمِلَت على الحدِّ من الهرولةِ وأدت إلى تمتينِ بقاء الناسِ البُسطاءِ في بلدهم، على الرغم من الدَهَمِ والهدمِ والجوع، وكان الشهيد واحداً من هؤلاء الذين تقدّموا صفوفَ العملِ حتى أصبح نسراً قيصرياً، يخفقُ في كلِّ اتجاهٍ، وتمضي اجتراحاتُهُ في تأصيل كلِّ بناءٍ حتى هدّهُ الانحسارُ والتراجعُ الكابي المرتكس، ولم ينكسر قلمه وهو يهتف شعرا لفلسطين أو وهو يؤرخ لأيام مقاومتها عبر حركة فتح الغلابة .
لقد عَرفنا الشهيد وهو في كل مواقع القيادة والمواجهة،إلى أن عاد لقدسه الخالدة ليكون أقرب في مجالدة المحتلين ، ولسانُ حالهِ يقول لهم: أنتم تخشونَ قتلنا أكثر مما نخافُ من الموتِ، وأنتم أيها المحتلون تهشّمونَ عظامَنا وتكسّرون ضلوعنا لكنها ستنجبرُ، أمّا كسركم فلا جبر له لأنه انكسارُ الروحِ وضياعُ ما تبقى في الإنسان للإنسانِ .
وشهد الجميع بأن خطبهُ لأبناء شعبه كانت ضوءاً يكتمل لتثبيت الروح وتنوير الوجدان، وبحضرة كلام العالي الذي لا يخيب. لكن شهداءنا يشبهون مَلِكَ جركوفيا في مواجهةَ القيصر، حاربوه وحاولوا أن يُخْرجوه من أرضهم، وكان فِعْلُهم يقولُ لنا: هيا إلى مخالب الموتِ ففي قلوبنا أغنية. لكنهم سقطوا قبل الوصول لأن الرعاة باعوا الطريق.
والشهيد، كان يدرك الفرق بين فعل الديمقراطية الحرّة واجبةِ الوجود، وما بين ديمقراطية الفصائل البراغماتية التي تعاني من أزمات بنيوية عميقة، فذهب إلى العمل الملتزم مباشرةً تاركاً خلفهُ غُثاءَ الكلام ورمادَ الألقابِ، فسارَ مع رفاقه في اللجنة المركزية إلى الحراك الفذّ النظيف، فوجدواَ خلفهم الناسَ الشرفاءُ يتبعونهُم واثقين مطمئنين. فللشهيدِ مجدٌ منقوشُ على الحجرِ وفي النيران الأبديةِ.
وكان يدعو للتطهّريةِ العمليّةِ قولاً وسلوكاً لأنه طيبٌ في خُلُقِهِ وخَلْقِه، وكان نموذجاً للالتزام ببطانته الوطنية وبمعناها الأخلاقي والنظري، البعيد عن الغرضِ والظلامية والانغلاق والتزمّت الأعمى، فنال هذا الامتياز. ولعلّنا هنا لنَقْبسَ من وهج هذا النموذج والمثال وَنَشْحذَ الأرواحَ الطالعةَ.
لقد كان الشهيد واحداً من الذين أنبتوا يراعات النور في الحقول والثوابت وأبقوها نابضةً ممرعة بدءاً من الدولة المستقلة، والقدسُ عاصمتها إلى أبد الداهرين، وانتهاءً بزوال الاستيطان والاحتلال الكامل، وعودة اللاجئين إلى أرضهم الأولى.. فإما الثوابتُ وإعادةُ بعثِ الحياةِ في مؤسساتنا بشفافية وعَدْلٍ وقانون، وإما التصدّي المُميتُ لعولمةِ الانهيار والعبودية. لهذا نعلن أن حزننا جليل وكبير على فراق الشهيد ابي عبدالله .. وللشهداء الأحياء الأبرارِ ذِكْرٌ خالدٌ ، والبقاءُ لله . وإنا لله وإنا إليه راجعون .
كلمة رثاء من اللواء جبريل الرجوب لأخيه المناضل القائد الوطني عثمان ابو غربية
بسم الله الرحمن الرحيم
"كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ* وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ"
صدق الله العظيم
سأُسمّيه شقيقاً وقائدا وصديقا لا يتكرر ! وسأراه محمولاً على الهتاف الساخن العالي ، وسيكون كما أراد شهيدا باقيا في وجدان إخوته ورفاق دربه .
فلترفَعْ حركة فتح الجبارة أصواتها وهي تودع قائدا متمرسا من قادتها وهم يرحلون شهداء ، نرصف صورهم الرضية على جدران القلوب، ونعزي الديارُ التي سكنها الشهيد، ولتترنّمْ البلادُ، ولتنتظر موكبَه بعطر الرجوع والأعراس، ليَنْسلَّ إلى حيثُ رُفاتِ جدوده وشاهدِ المظلمةِ الباقي، وإلى أن تعودَ البلاد، ونرفعَ الشواهدَ ونغنّي بحنّائنا الصعبِ، ونرمي غلالاتِ ربيعنا إلى الحدودِ والصغار.
ولتَحْضُرْ قرى الزعتر والميرمية والفرفحينا التي جزّوا جدائلها الخضراء، الآن، لتكتبَ في تقويمها خطواتِ الرجلِ الراسخِ الذي ضفضفَ بالجُرأة، ومات فكان شهيداً ، لأنّ رُمّانةَ صدرهِ احتشدت بغضبٍ وافرٍ وحزنٍ فائرٍ على ظلالِ الأسوار الثقيلةِ ولزوجةِ الدمِ المجانيّ، وجُلجلةِ المصلوبين على العقربِ المُخاتلِ في المعتقلاتِ في أزمان السيدةِ العمياء "العدالة" التي اعتقلوها في أرقامِ مجلس أمنهم مثيلَ غوانتنامو وأبو غريب، وعلى حاملاتِ الطائراتِ وطوطمِ الرعبِ السائد، ولأنه قُتل مرات ومَرّات وتقطّع أوصالاً كأنه الشظايا، ولأنه هاجر ولوحق وشاهَدَ قتل أخوته ، واحتمل ، كأنه صخرةُ البَدّ التي تعصر ولا تتكسّر، فتعطي الزيتَ لذعةَ العسل والليمون.
وشهيدنا الذي وُلِد في عصرِ الإرهاب الأكبر، تحت ظلالِ بَقْرِ البطون وأعوامِ المذابحِ التي تخطّى زمنَ دقلديانوس المُرعب، كان شعبهُ يَهْجِسُ كالعقربِ وَسَطَ النارِ، وكان في ولايةِ الدرك المُبْهَمين المتآمِرين، لكنّه أخذَ القرارَ المواجِهَ من قبضةِ الهزيمةِ المُغْلَقة، بعد أن تجاوزَ البحثَ عن ذاتهِ، ليجدها مُقاومةً خَذَلَها المحيطون الرسميّون وارتباكُ الأحزاب المُتلهِّيّةِ بعلوم الجدل، فيما أسقطَ الفاسدونَ قلعتَهم من الداخل بالتنازلِ المُتدّرج، وشرّبونا واقعيّةً سياسيّةً أودتْ بالدمِ والإنجازِ والقضيةِ، وظلّت الفجائعُ والحسراتُ واليُتْمُ والرصاصُ والحواجزُ والإذلالُ والغازُ المُسيّلُ للعارِ والقبولُ المخدوع. لكنه، على رغم ذلك، طلع كالسنبلة الحُرّة، من بلد طاهر مغسول بدمع الثكالى ودماء الطيور البريئة وشرايين الشهداء، وانغمس في حمأة المجابهة مع النقيض، وكان مع أشقائه في الثورة، يقدّون زهر عمرهم في الجبال والخنادق، وخرجوا إلى الحياة ليجعلوها كاملةً بصمودهم العبقري وبموتهم الأنقى والعنيف.
وإذا كانت كلُّ قبيلةٍ بحاجةٍ إلى أُسطورة، وكلُّ حربٍ إلى بطلٍ فإنّ أسطورتَنا هم القادة الشهداء ومعتقلونا وجرحانا ، وكان بطلنا الشهيد على رأس أولئك الذين نسجوا داخلَ حركتنا العملاقة كوابحَ عَمِلَت على الحدِّ من الهرولةِ وأدت إلى تمتينِ بقاء الناسِ البُسطاءِ في بلدهم، على الرغم من الدَهَمِ والهدمِ والجوع، وكان الشهيد واحداً من هؤلاء الذين تقدّموا صفوفَ العملِ حتى أصبح نسراً قيصرياً، يخفقُ في كلِّ اتجاهٍ، وتمضي اجتراحاتُهُ في تأصيل كلِّ بناءٍ حتى هدّهُ الانحسارُ والتراجعُ الكابي المرتكس، ولم ينكسر قلمه وهو يهتف شعرا لفلسطين أو وهو يؤرخ لأيام مقاومتها عبر حركة فتح الغلابة .
لقد عَرفنا الشهيد وهو في كل مواقع القيادة والمواجهة،إلى أن عاد لقدسه الخالدة ليكون أقرب في مجالدة المحتلين ، ولسانُ حالهِ يقول لهم: أنتم تخشونَ قتلنا أكثر مما نخافُ من الموتِ، وأنتم أيها المحتلون تهشّمونَ عظامَنا وتكسّرون ضلوعنا لكنها ستنجبرُ، أمّا كسركم فلا جبر له لأنه انكسارُ الروحِ وضياعُ ما تبقى في الإنسان للإنسانِ .
وشهد الجميع بأن خطبهُ لأبناء شعبه كانت ضوءاً يكتمل لتثبيت الروح وتنوير الوجدان، وبحضرة كلام العالي الذي لا يخيب. لكن شهداءنا يشبهون مَلِكَ جركوفيا في مواجهةَ القيصر، حاربوه وحاولوا أن يُخْرجوه من أرضهم، وكان فِعْلُهم يقولُ لنا: هيا إلى مخالب الموتِ ففي قلوبنا أغنية. لكنهم سقطوا قبل الوصول لأن الرعاة باعوا الطريق.
والشهيد، كان يدرك الفرق بين فعل الديمقراطية الحرّة واجبةِ الوجود، وما بين ديمقراطية الفصائل البراغماتية التي تعاني من أزمات بنيوية عميقة، فذهب إلى العمل الملتزم مباشرةً تاركاً خلفهُ غُثاءَ الكلام ورمادَ الألقابِ، فسارَ مع رفاقه في اللجنة المركزية إلى الحراك الفذّ النظيف، فوجدواَ خلفهم الناسَ الشرفاءُ يتبعونهُم واثقين مطمئنين. فللشهيدِ مجدٌ منقوشُ على الحجرِ وفي النيران الأبديةِ.
وكان يدعو للتطهّريةِ العمليّةِ قولاً وسلوكاً لأنه طيبٌ في خُلُقِهِ وخَلْقِه، وكان نموذجاً للالتزام ببطانته الوطنية وبمعناها الأخلاقي والنظري، البعيد عن الغرضِ والظلامية والانغلاق والتزمّت الأعمى، فنال هذا الامتياز. ولعلّنا هنا لنَقْبسَ من وهج هذا النموذج والمثال وَنَشْحذَ الأرواحَ الطالعةَ.
لقد كان الشهيد واحداً من الذين أنبتوا يراعات النور في الحقول والثوابت وأبقوها نابضةً ممرعة بدءاً من الدولة المستقلة، والقدسُ عاصمتها إلى أبد الداهرين، وانتهاءً بزوال الاستيطان والاحتلال الكامل، وعودة اللاجئين إلى أرضهم الأولى.. فإما الثوابتُ وإعادةُ بعثِ الحياةِ في مؤسساتنا بشفافية وعَدْلٍ وقانون، وإما التصدّي المُميتُ لعولمةِ الانهيار والعبودية. لهذا نعلن أن حزننا جليل وكبير على فراق الشهيد ابي عبدالله .. وللشهداء الأحياء الأبرارِ ذِكْرٌ خالدٌ ، والبقاءُ لله . وإنا لله وإنا إليه راجعون .
