على هامش الذكرى الثالثة عشر لإحتلال العراق هل سيظل العراق قابعا.. في أسر الماضي؟!
رام الله - دنيا الوطن - محمد المحسن
لا شك في أن سقوط العراق بيد قوات الاحتلال الأمريكي ـ البريطاني هو زلزال كبير بكل المقاييس،لا بمقياس ريختر وحده. وحسبنا أن نقول إنه زلزل فينا أكثر مسلماتنا،وخلق لدينا احباطا لا نعتقد أننا سنتخلص من ترسباته في المدي المنظور، ذلك أن بغداد،بوجه خاص،تمثل في نظرنا تاريخا كاملا من الحضارة والثقافة والتراث كما أن لها مكانة أسطورية في الذاكرة الجماعية للعرب،ولها عمق تاريخي وحضاري لا يضاهي بين مدن العالم أجمع.
لكن لا بد من أن نستفيد من ذلك السقوط المريع دروسا هامة تعيننا علي تجاوز المحنة.
وأول هذه الدروس أن مسؤولية ما حدث لا تتعلق حكما ـبالمبادئ الأساسية التي تربت عليها أجيالنا،وإنما تقع هذه المسؤولية في الدرجة الأولي علي أدعياء تطبيقها.
أعرف مسبقا أن هذا الكلام لحن قديم مستهلك وأن قطاعات كبيرة مما يسمي بالصحافة الثقافية انقضت بكل ثقلها علي كل تلك المبادئ،رابطة ربطا محكما بين العروبة والأنظمة العربية،وبين الإشتراكية وكبت الحريات،وبين التأميم والفساد.
والسؤال:تري ماذا لو اتبعنا منطق هذه الصحافة،فربطنا ربطا لا فكاك منه ما بين الديمقراطية والإحتلال الأمريكي، وما بين الليبرالية وافقار الشعوب،وما بين الحرية والاستغلال؟
إن مسؤولية المثقفين هي العناية بما سماه الراحل ادوارد سعيد وغيره سياسة التفاصيل،إذ لا يجوز أن نحكم علي مبادئ نهضتنا الأساسية بالفشل،بل يجب أن نبحث أين فشلت هذه المبادئ علي مستوي التطبيق، وكيف نطور مبادئنا لنتفادي اختلالات التطبيق،كيلا يطاح بكل وجودنا،فنغدو أذلاء أمام الإدارة الأمريكية،أيتاما علي مائدة اللئام العرب الجدد.أدعياء الديمقراطية والليبرالية والحرية.
ماذا أردت أن أقول؟
أردت القول إن سقوط بغداد ذو أسباب أعمق من أن تلخص بإشكالية الدكتاتورية أو غياب الديمقراطية علي ما حاول الكثير تفسير سبب الهزيمة العسكرية بالاستناد إليهما.فقد حسب هؤلاء أن رفض الدكتاتورية أو الدفاع عن الديمقراطية يحتاجان إلي تقديم تأويلات مبالغ فيها،وغير دقيقة،عند تقويم تجربة هزيمة في حرب،وقد تسني لهم ذلك الإيحاء بأن قيام الديمقراطية أو امتلاك المواطن لحريته السياسية يؤديان تلقائيا إلي صمود الشعب في حرب غير متكافئة،أو إلي التمسك بسيادة الدولة واستقلالها وعزة الوطن.
ولكن بعض الحقائق تثبت عكس ذلك:فعلي سبيل المثال لم تستطع الديمقراطيات في أوروبا أن تصمد في وجه الغزو النازي،الذي راح يكتسحها الواحدة تلو الأخري،حتي احتل الأراضي المنخفضة وفرنسا متوقفا عند شواطئ بحر المانش.بل ان بعض تلك الديمقراطيات فتح لذلك الغزو الأبواب من خلال الانتخابات (كما حدث في النمسا مثلا).وبعضها تهاوي قبل أن تدخل قوات هتلر الحدود (كتشيكوسلوفاكيا وبولندا مثلا).
واليوم نرى مجموعة من الديمقراطيات الحديثة في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية حولت نفسها إلي ما يشبه القوات المرتزقة للعدوانية الأمريكية..وكل ذلك لا يعطي أمثلة تؤكد أن الديمقراطية تؤدي تلقائيا إلي الإستمساك بالوطن أو استقلاله وعزته.غير أن هذا كله لا يعني انقاصا من أهمية الديمقراطية،وإنما يعد دحضا لتحميلها ما لا تحتمل،وتجنبا للتبسيطية في قراءة تجارب الحروب.
ومن جهة ثانية ليس من الصحيح اعتبار كل نظام شمولي،أو قيادة تتسم بالفردية أو الدكتاتورية أو حزب متفرد بالسلطة،عاجزا أو عاجزة عن الدفاع عن الوطن واستقلاله.فعلي سبيل المثال خاضت الشعوب السوفييتية أكبر حرب وطنية وكسبتها تحت قيادة ستالين ـوستالين دكتاتور بامتياز ـوهناك أمثلة مشابهة من الصين وفيتنام وكوبا. إن التبسيطية بالقول أن الدكتاتورية (بحزبها الشمولي) لا يمكنها القتال أو الصمود تشكل الوجه الآخر للعملة التي تعزو الهزيمة إلي غياب الديمقراطية.فرفض الدكتاتورية،حتي ولو انتصرت في حرب وطنية كبري،يجب أن يبقي ثابتا علي الرغم من ذلك الإنتصار.
ولهذا يتوجب البحث عن أسباب أعمق لحالات الإنتصار في الحرب،وأبعد من اشكاليتي الدكتاتورية و الديمقراطية.
واذن؟
إذا كان الهدف من مناقشة تجربة العراق هو كيف نهيئ بلادنا لإمتلاك القدرة والمنعة،وكيف نحمي استقلالها وأرضها من العدوان على الرغم من اختلال ميزان القوي العسكرية،فلا بد من السعي إلي توفير الأسباب أو أغلبها.وعندئذ يمكن الحديث عن الديمقراطية واحترام حقوق الانسان ضمن ذلك السياق وفي خدمته،ولا ينبغي أن ننسي التشديد على الجانب الأخلاقي والتقشفي واحساس الجماهير بأن قادتها وعائلاتهم يتقدمونهم في التضحية والإبتلاء.
وخلاصة القول إن الذين يريدون أن يدافعوا عن الديمقراطية لن يخدموها إن جعلوها الدواء لكل داء أو اعتيروها هي الحل،ولكن يجب أن يضعوها في حدودها وضمن معطيات وخصوصيات معينة،لا أن يحولوها الي ايديولوجية وهمية لا تستطيع الرد علي الحجج المقابلة.
والذين يريدون الهجوم علي الدكتاتورية ليسوا بحاجة إلي دعم دعواهم باتخاذ ـ النظام العراقي السابق ـ نموذجا.
ما العمل؟
لقد بات لزاما علينا تجاوز مرحلة ما قبل 9 نيسان (أبريل) 2003، بعد أن بسط العدوان الأمريكي- البريطاني احتلاله علي العراق وحقّق جزءا كبيرا من أهدافه الحقيقية.فالمرحلة الراهنة تفترض أن تواصل ـ الجبهات ـ رفضها للاحتلال ومقاومته، والحيلولة دون تمكينه من الأرض.
لا شك في أن سقوط العراق بيد قوات الاحتلال الأمريكي ـ البريطاني هو زلزال كبير بكل المقاييس،لا بمقياس ريختر وحده. وحسبنا أن نقول إنه زلزل فينا أكثر مسلماتنا،وخلق لدينا احباطا لا نعتقد أننا سنتخلص من ترسباته في المدي المنظور، ذلك أن بغداد،بوجه خاص،تمثل في نظرنا تاريخا كاملا من الحضارة والثقافة والتراث كما أن لها مكانة أسطورية في الذاكرة الجماعية للعرب،ولها عمق تاريخي وحضاري لا يضاهي بين مدن العالم أجمع.
لكن لا بد من أن نستفيد من ذلك السقوط المريع دروسا هامة تعيننا علي تجاوز المحنة.
وأول هذه الدروس أن مسؤولية ما حدث لا تتعلق حكما ـبالمبادئ الأساسية التي تربت عليها أجيالنا،وإنما تقع هذه المسؤولية في الدرجة الأولي علي أدعياء تطبيقها.
أعرف مسبقا أن هذا الكلام لحن قديم مستهلك وأن قطاعات كبيرة مما يسمي بالصحافة الثقافية انقضت بكل ثقلها علي كل تلك المبادئ،رابطة ربطا محكما بين العروبة والأنظمة العربية،وبين الإشتراكية وكبت الحريات،وبين التأميم والفساد.
والسؤال:تري ماذا لو اتبعنا منطق هذه الصحافة،فربطنا ربطا لا فكاك منه ما بين الديمقراطية والإحتلال الأمريكي، وما بين الليبرالية وافقار الشعوب،وما بين الحرية والاستغلال؟
إن مسؤولية المثقفين هي العناية بما سماه الراحل ادوارد سعيد وغيره سياسة التفاصيل،إذ لا يجوز أن نحكم علي مبادئ نهضتنا الأساسية بالفشل،بل يجب أن نبحث أين فشلت هذه المبادئ علي مستوي التطبيق، وكيف نطور مبادئنا لنتفادي اختلالات التطبيق،كيلا يطاح بكل وجودنا،فنغدو أذلاء أمام الإدارة الأمريكية،أيتاما علي مائدة اللئام العرب الجدد.أدعياء الديمقراطية والليبرالية والحرية.
ماذا أردت أن أقول؟
أردت القول إن سقوط بغداد ذو أسباب أعمق من أن تلخص بإشكالية الدكتاتورية أو غياب الديمقراطية علي ما حاول الكثير تفسير سبب الهزيمة العسكرية بالاستناد إليهما.فقد حسب هؤلاء أن رفض الدكتاتورية أو الدفاع عن الديمقراطية يحتاجان إلي تقديم تأويلات مبالغ فيها،وغير دقيقة،عند تقويم تجربة هزيمة في حرب،وقد تسني لهم ذلك الإيحاء بأن قيام الديمقراطية أو امتلاك المواطن لحريته السياسية يؤديان تلقائيا إلي صمود الشعب في حرب غير متكافئة،أو إلي التمسك بسيادة الدولة واستقلالها وعزة الوطن.
ولكن بعض الحقائق تثبت عكس ذلك:فعلي سبيل المثال لم تستطع الديمقراطيات في أوروبا أن تصمد في وجه الغزو النازي،الذي راح يكتسحها الواحدة تلو الأخري،حتي احتل الأراضي المنخفضة وفرنسا متوقفا عند شواطئ بحر المانش.بل ان بعض تلك الديمقراطيات فتح لذلك الغزو الأبواب من خلال الانتخابات (كما حدث في النمسا مثلا).وبعضها تهاوي قبل أن تدخل قوات هتلر الحدود (كتشيكوسلوفاكيا وبولندا مثلا).
واليوم نرى مجموعة من الديمقراطيات الحديثة في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية حولت نفسها إلي ما يشبه القوات المرتزقة للعدوانية الأمريكية..وكل ذلك لا يعطي أمثلة تؤكد أن الديمقراطية تؤدي تلقائيا إلي الإستمساك بالوطن أو استقلاله وعزته.غير أن هذا كله لا يعني انقاصا من أهمية الديمقراطية،وإنما يعد دحضا لتحميلها ما لا تحتمل،وتجنبا للتبسيطية في قراءة تجارب الحروب.
ومن جهة ثانية ليس من الصحيح اعتبار كل نظام شمولي،أو قيادة تتسم بالفردية أو الدكتاتورية أو حزب متفرد بالسلطة،عاجزا أو عاجزة عن الدفاع عن الوطن واستقلاله.فعلي سبيل المثال خاضت الشعوب السوفييتية أكبر حرب وطنية وكسبتها تحت قيادة ستالين ـوستالين دكتاتور بامتياز ـوهناك أمثلة مشابهة من الصين وفيتنام وكوبا. إن التبسيطية بالقول أن الدكتاتورية (بحزبها الشمولي) لا يمكنها القتال أو الصمود تشكل الوجه الآخر للعملة التي تعزو الهزيمة إلي غياب الديمقراطية.فرفض الدكتاتورية،حتي ولو انتصرت في حرب وطنية كبري،يجب أن يبقي ثابتا علي الرغم من ذلك الإنتصار.
ولهذا يتوجب البحث عن أسباب أعمق لحالات الإنتصار في الحرب،وأبعد من اشكاليتي الدكتاتورية و الديمقراطية.
ومن هذه الأسباب إيمان الشعب بالقضية التي يقاتل من أجلها،ونوع التعبئة الايديولوجية والسياسية والقيمية والأخلاقية، وتوفير حد من العدالة الاجتماعية أو الوعد بتوفيرها،والإقتناع بقوة المقاومة وبإمكانية انتزاع الإنتصار بالصبر والصمود والمثابرة والقتال.وهنا يلعب التحليل السياسي وتقدير الموقف دورا هاما في اظهار نقاط ضعف العدو ونقاط القوة في جبهة المقاومة.
ثم هنالك مزايا ينبغي أن تتوفر في القيادة بما يتعدي سماتِ الدكتاتورية والفردية أو الجماعيةوالديمقراطية،مثل:الشجاعة،والتصميم،والإستعداد للتضحية،وحسن إدارة الصراع،والذكاء، واعطاء الثقة للناس بحكمة القيادة وثباتها علي المبدأ والصمود حتي النهاية.
ومن هنا عندما تفتقر القيادة،سواء أكانت دكتاتورية أم ديمقراطية،إلي أغلب هذه المزايا وتتسم إضافة إلي ذلك بالفساد والتردد أو الانحلال والتبعية،يحدث الإنهيار أمام الضغط الخارجي..بحرب أو من دون حرب!
ومن هنا عندما تفتقر القيادة،سواء أكانت دكتاتورية أم ديمقراطية،إلي أغلب هذه المزايا وتتسم إضافة إلي ذلك بالفساد والتردد أو الانحلال والتبعية،يحدث الإنهيار أمام الضغط الخارجي..بحرب أو من دون حرب!
واذن؟
إذا كان الهدف من مناقشة تجربة العراق هو كيف نهيئ بلادنا لإمتلاك القدرة والمنعة،وكيف نحمي استقلالها وأرضها من العدوان على الرغم من اختلال ميزان القوي العسكرية،فلا بد من السعي إلي توفير الأسباب أو أغلبها.وعندئذ يمكن الحديث عن الديمقراطية واحترام حقوق الانسان ضمن ذلك السياق وفي خدمته،ولا ينبغي أن ننسي التشديد على الجانب الأخلاقي والتقشفي واحساس الجماهير بأن قادتها وعائلاتهم يتقدمونهم في التضحية والإبتلاء.
وخلاصة القول إن الذين يريدون أن يدافعوا عن الديمقراطية لن يخدموها إن جعلوها الدواء لكل داء أو اعتيروها هي الحل،ولكن يجب أن يضعوها في حدودها وضمن معطيات وخصوصيات معينة،لا أن يحولوها الي ايديولوجية وهمية لا تستطيع الرد علي الحجج المقابلة.
والذين يريدون الهجوم علي الدكتاتورية ليسوا بحاجة إلي دعم دعواهم باتخاذ ـ النظام العراقي السابق ـ نموذجا.
ما العمل؟
لقد بات لزاما علينا تجاوز مرحلة ما قبل 9 نيسان (أبريل) 2003، بعد أن بسط العدوان الأمريكي- البريطاني احتلاله علي العراق وحقّق جزءا كبيرا من أهدافه الحقيقية.فالمرحلة الراهنة تفترض أن تواصل ـ الجبهات ـ رفضها للاحتلال ومقاومته، والحيلولة دون تمكينه من الأرض.
ولهذا من الخطأ البقاء في أسر الماضي،أو الاستمرار في ـ اجترار ـما حدث في 7 و8 و9 نيسان (أبريل) 2003، أو ترك ما حدث في النفوس من صدمة وخيبة أمل يقعدنا عن مواجهة التحديات الراهنة،أي تلك التي تواجه العراق في هذه المرحلة الحاسمة، وتواجه سورية ولبنان وفلسطين.. وتهدد سائر الدول العربية..

التعليقات