خطبة الجمعة للعلامة السيد علي فضل الله
رام الله - دنيا الوطن
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله.. وهذا الشَّهر الَّذي ندخل في رحابه اليوم، وفقاً للمبنى الفقهيّ الّذي يأخذ بالحسابات الفلكية، هو شهر بناء التقوى، هو شهر أرادنا الله أن ندخله بقلوب صافية نقيّة من كلّ حقدٍ وعداوة، وأن نجمّد فيه المشاحنات والخلافات الّتي نهشت استقرارنا؛ الخلافات داخل البيت الواحد، وبين الأرحام والجيران، وداخل المجتمع.. الخلافات الّتي أنتجناها وأنتجها الآخرون.. الخلافات السياسية، وإن استطعنا أن نوقف الحروب، فعلينا أن لا نقصّر.. فهذا الشهر أراده الله أن يكون شهر سلام ووئام وطمأنينة وسكينة.
شهر رجب هو فرصة هيأها الله لعباده وأوجبها عليهم.. وهو واحد من الأشهر الأربعة الحُرُم الّتي أشار إليها الله عندما قال: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}.
والمقصود بالأشهر الحرم، هو الأشهر الّتي يحرم فيها القتال، وإعلان العداوات، وشنّ حروب أو مواصلتها، فلنجعل هذا الشهر، كما أراده الله، محطة لتهدئة أنفسنا، ولاستراحة المحاربين، وهدنة إجبارية لهم من رب العالمين لا تحتاج إلى تدخّل أحد، وينبغي أن تُحتَرم.. لعلّ ذلك يساهم في وأد توتراتنا وانفعالاتنا، ويعزّز لغة الحوار ومدّ الجسور في كل ساحاتنا الملتهبة، حتى نتّقي الآلام ونواجه التّحدّيات التي تحيط بنا من كل جانب..
والبداية من لبنان، الذي يستمر فيه مسلسل الفضائح؛ هذه الفضائح التي لم تقف عند الحد الذي كنا أشرنا إليه، بل امتدَّت لتصل إلى الاتجار بالبشر. أما رائحة الفساد، فبتنا نشمّها ونتحسّسها في كل مفاصل حياتنا، وحيث ما ذهبنا، ورغم أننا قد نرى الفساد الكبير جلياً، ولكن لا ينبغي أن نغفل الفساد الصغير، وهو نتاج الترهل الذي تعيشه الدولة، في ظل الانقسام السياسيّ والمحاصصات وفقدان الرقابة.
وما يزيد من تفاقمه في هذه المرحلة، هو تعطيل المفاصل الأساسية في الدولة، حيث الشغور الرئاسي، وعدم انتظام عمل المؤسسات، وعدم تفعيل المجلس النيابي. وإذا كان هناك من عمل لمجلس الوزراء، فهو تفكيك الألغام السياسية بين مكوناته.. حيث يخشى عند كل جلسة من انفجار لغم يؤدي إلى فرط عقد هذا المجلس، بحيث أصبح تأجيل الجلسات، وحتى إيقافها، مطلباً وطنياً للحؤول دون أن تفوح منها رائحة الطائفية البغيضة أو تزيد من تأجيج الأحقاد الدفينة..
إننا أمام الفساد المستشري، نعيد التأكيد على دور فاعل للقضاء، الذي نريده دائماً وأبداً نزيهاً عادلاً شفافاً، ليبقى صمام أمان لهذا البلد.. ولن يتحقق هذا الأمر إلا عندما يرفع السياسيون أيديهم عنه، وتنتهي تدخلاتهم وتوجيهاتهم.. ونحن نثق بأنّ هناك في القضاء من يتعالى على المال وعلى التدخلات.. وأن الفساد لا ينمو ولا يستشري إذا لم تتنامَ له حاضنة تحميه وتؤمن له التغطية أو تتستر عليه.
إنّ الفساد لا يُحارب بتفكيك أجهزته أو القبض على ضحاياه فقط، بل عندما يحاسب الّذين أمّنوا له الحماية وأوجدوا له الغطاء.. وعندما يقرّر الشعب أن يحاسب ويعاتب، ولا ينادي بنجاة فاسد، أو يرفعه إلى سدة البرلمان أو إلى أي موقع في البلد، فالشخص الذي نجد لديه ذرة من فساد، ويكون الفساد هيناً عليه، لا يمكن أن يكون مصلحاً، ولا يصلح به البلد..
إنّ الفساد سينتهي عندما نرى رموزه وصنّاعه، يُطاح بهم، ويصبحون وراء القضبان، ويصيرون لعنةً على كلّ لسان.
ونبقى في لبنان؛ بلد الحريات، لندين إيقاف بثّ مؤسسة إعلامية مثّلت عنواناً من عناوين المقاومة في هذا البلد، وعانت آثار العدوان، إننا نرى في إيقاف قناة المنار الفضائية عدواناً على الحرية التي يمثِّل لبنان أنموذجها، وخنقاً لصوت نريده أن يكون حاضراً في مواجهة إعلام العدو الصهيوني.
إن حماية الإعلام في لبنان بكلّ تنوعاته، هي مسؤولية الدولة اللبنانية والشعب اللبناني، ومسؤولية المؤسسات الإعلامية التي يجب أن تتضامن مع بعضها البعض، لأن ما يصيب أية وسيلة إعلامية سوف يصيب الوسائل الأخرى.. وقصة "أكلتُ يوم أكل الثور الأبيض" معروفة.
وأخيراً، وفي التّاسع من نيسان، تمرّ علينا ذكرى استشهاد الفقيه والمفكّر والمرجع السيد محمد باقر الصّدر وأخته الكاتبة والرسالية بنت الهدى.. إننا في هذه المناسبة، نتذكر مآثر هذه الشّخصيّة؛ شخصية الشهيد الصدر، الذي ترك أثره في الفقه والفكر الإسلامي، وفي الحركة الإسلامية، وفي العراق بالخصوص.. إننا أحوج ما نكون إلى استلهام كل الإرث الذي تركه والبناء عليه، وإلى استعادة وصاياه وكلماته التي توجّه بها إلى الشعب العراقي... حين حذره من أن يكون وقوداً للفتنة.. ودعاه إلى أن لا يسقط في الامتحان يوم تقبل عليه دنيا هارون رشيد كما أقبلت.
ليكن العراق أنموذجاً في العيش المشترك، وفي الانفتاح على محيطه، وليقدّم تجربته الرائدة في العدالة الاجتماعية وبناء الإنسان.
رحم الله الشَّهيد الصَّدر وأخته العلوية، والفاتحة إلى روحهما الطاهرتين.
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله.. وهذا الشَّهر الَّذي ندخل في رحابه اليوم، وفقاً للمبنى الفقهيّ الّذي يأخذ بالحسابات الفلكية، هو شهر بناء التقوى، هو شهر أرادنا الله أن ندخله بقلوب صافية نقيّة من كلّ حقدٍ وعداوة، وأن نجمّد فيه المشاحنات والخلافات الّتي نهشت استقرارنا؛ الخلافات داخل البيت الواحد، وبين الأرحام والجيران، وداخل المجتمع.. الخلافات الّتي أنتجناها وأنتجها الآخرون.. الخلافات السياسية، وإن استطعنا أن نوقف الحروب، فعلينا أن لا نقصّر.. فهذا الشهر أراده الله أن يكون شهر سلام ووئام وطمأنينة وسكينة.
شهر رجب هو فرصة هيأها الله لعباده وأوجبها عليهم.. وهو واحد من الأشهر الأربعة الحُرُم الّتي أشار إليها الله عندما قال: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}.
والمقصود بالأشهر الحرم، هو الأشهر الّتي يحرم فيها القتال، وإعلان العداوات، وشنّ حروب أو مواصلتها، فلنجعل هذا الشهر، كما أراده الله، محطة لتهدئة أنفسنا، ولاستراحة المحاربين، وهدنة إجبارية لهم من رب العالمين لا تحتاج إلى تدخّل أحد، وينبغي أن تُحتَرم.. لعلّ ذلك يساهم في وأد توتراتنا وانفعالاتنا، ويعزّز لغة الحوار ومدّ الجسور في كل ساحاتنا الملتهبة، حتى نتّقي الآلام ونواجه التّحدّيات التي تحيط بنا من كل جانب..
والبداية من لبنان، الذي يستمر فيه مسلسل الفضائح؛ هذه الفضائح التي لم تقف عند الحد الذي كنا أشرنا إليه، بل امتدَّت لتصل إلى الاتجار بالبشر. أما رائحة الفساد، فبتنا نشمّها ونتحسّسها في كل مفاصل حياتنا، وحيث ما ذهبنا، ورغم أننا قد نرى الفساد الكبير جلياً، ولكن لا ينبغي أن نغفل الفساد الصغير، وهو نتاج الترهل الذي تعيشه الدولة، في ظل الانقسام السياسيّ والمحاصصات وفقدان الرقابة.
وما يزيد من تفاقمه في هذه المرحلة، هو تعطيل المفاصل الأساسية في الدولة، حيث الشغور الرئاسي، وعدم انتظام عمل المؤسسات، وعدم تفعيل المجلس النيابي. وإذا كان هناك من عمل لمجلس الوزراء، فهو تفكيك الألغام السياسية بين مكوناته.. حيث يخشى عند كل جلسة من انفجار لغم يؤدي إلى فرط عقد هذا المجلس، بحيث أصبح تأجيل الجلسات، وحتى إيقافها، مطلباً وطنياً للحؤول دون أن تفوح منها رائحة الطائفية البغيضة أو تزيد من تأجيج الأحقاد الدفينة..
إننا أمام الفساد المستشري، نعيد التأكيد على دور فاعل للقضاء، الذي نريده دائماً وأبداً نزيهاً عادلاً شفافاً، ليبقى صمام أمان لهذا البلد.. ولن يتحقق هذا الأمر إلا عندما يرفع السياسيون أيديهم عنه، وتنتهي تدخلاتهم وتوجيهاتهم.. ونحن نثق بأنّ هناك في القضاء من يتعالى على المال وعلى التدخلات.. وأن الفساد لا ينمو ولا يستشري إذا لم تتنامَ له حاضنة تحميه وتؤمن له التغطية أو تتستر عليه.
إنّ الفساد لا يُحارب بتفكيك أجهزته أو القبض على ضحاياه فقط، بل عندما يحاسب الّذين أمّنوا له الحماية وأوجدوا له الغطاء.. وعندما يقرّر الشعب أن يحاسب ويعاتب، ولا ينادي بنجاة فاسد، أو يرفعه إلى سدة البرلمان أو إلى أي موقع في البلد، فالشخص الذي نجد لديه ذرة من فساد، ويكون الفساد هيناً عليه، لا يمكن أن يكون مصلحاً، ولا يصلح به البلد..
إنّ الفساد سينتهي عندما نرى رموزه وصنّاعه، يُطاح بهم، ويصبحون وراء القضبان، ويصيرون لعنةً على كلّ لسان.
ونبقى في لبنان؛ بلد الحريات، لندين إيقاف بثّ مؤسسة إعلامية مثّلت عنواناً من عناوين المقاومة في هذا البلد، وعانت آثار العدوان، إننا نرى في إيقاف قناة المنار الفضائية عدواناً على الحرية التي يمثِّل لبنان أنموذجها، وخنقاً لصوت نريده أن يكون حاضراً في مواجهة إعلام العدو الصهيوني.
إن حماية الإعلام في لبنان بكلّ تنوعاته، هي مسؤولية الدولة اللبنانية والشعب اللبناني، ومسؤولية المؤسسات الإعلامية التي يجب أن تتضامن مع بعضها البعض، لأن ما يصيب أية وسيلة إعلامية سوف يصيب الوسائل الأخرى.. وقصة "أكلتُ يوم أكل الثور الأبيض" معروفة.
وأخيراً، وفي التّاسع من نيسان، تمرّ علينا ذكرى استشهاد الفقيه والمفكّر والمرجع السيد محمد باقر الصّدر وأخته الكاتبة والرسالية بنت الهدى.. إننا في هذه المناسبة، نتذكر مآثر هذه الشّخصيّة؛ شخصية الشهيد الصدر، الذي ترك أثره في الفقه والفكر الإسلامي، وفي الحركة الإسلامية، وفي العراق بالخصوص.. إننا أحوج ما نكون إلى استلهام كل الإرث الذي تركه والبناء عليه، وإلى استعادة وصاياه وكلماته التي توجّه بها إلى الشعب العراقي... حين حذره من أن يكون وقوداً للفتنة.. ودعاه إلى أن لا يسقط في الامتحان يوم تقبل عليه دنيا هارون رشيد كما أقبلت.
ليكن العراق أنموذجاً في العيش المشترك، وفي الانفتاح على محيطه، وليقدّم تجربته الرائدة في العدالة الاجتماعية وبناء الإنسان.
رحم الله الشَّهيد الصَّدر وأخته العلوية، والفاتحة إلى روحهما الطاهرتين.

التعليقات