نحو موقف اسلامي من وثيقة كايروس فلسطين
* بقلـــم :
د.جميل جمعة سلامة
مدخـــــل :
في مبادرة فريدة ومتميزة وقد تكون غير مسبوقة وطنياً وفي المنطقة عموماً بادرت مجموعة من الشخصيات الفلسطينية المسيحية الدينية وغير الدينية في فلسطين لمحاكاة تجربة جنوب افريقيا الشهيرة المعروفة بوثيقة كايروس لعام1985م والتي دعت العالم بأسره لوقفة حق في وجه نظام الفصل العنصري (الأبرتهايد) ضد الأغلبية السوداء و كانت محطة مفصلية في النضال الجنوب افريقي والذي توج بعد سنوات من هذه الوثيقة بمحاصرة هذا النظام العنصري اللاإنساني وعزله حتى تفككه ورحيله إلى غير رجعة، وعودة المساواة والحرية والديمقراطية لهذا البلد المتربع أقصى القارة الافريقية ليعتلي نيلسون مانديلا الأسود سدته ورئاسته في درس قاس لأنظمة الاستبداد والاحتلال, حيث أُعلن رسمياً بتاريخ 11/12/2009م عن انطلاقة كايروس فلسطين .
ومن القائمين على هذه الوثيقة ومن قاموا بصياغتها وأعلانها شخصيات فلسطينية مسيحية دينية و وطنية وازنة كالبطريرك ميشيل صباح بطريرك القدس للاتين السابق والمطران د. عطاالله رئيس اساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس والمطران د. منيب يونان مطران القدس والشرق للكنيسة الانجيلية اللوثرية ورئيس الاتحاد اللوثري العالمي والقس د. متري الراهب و د. رفعت عودة قسيس المنسق العام للمبادرة و السيدات سدر دعيبس و نورا قرط و لوسي ثلجية... وغيرهم.
و وصف معدو الوثيقة وثيقتهم بأنها كلمة الفلسطينيين المسيحيين للعالم حول ما يجري في فلسطين في لحظة زمنية يتوقون فيها إلى تجلي نعمة الله في الأرض المقدسة والمعاناة التي تمر بها, مطالبين المجتمع الدولي بوقفة حق تجاه ما يواجهه شعبهم الفلسطيني من ظلم وقهر وتشريد ومعاناة وتمييز عنصري منذ أكثر من ستة عقود متواصلة, وهي ليست دراسة لاهوتية فكرية أو ورقة سياسية فحسب بل هي وثيقة إيمان وعمل تسمي الأمور بمسمياتها بوضوح ودون مواربة و أن الإحتلال هو منبع كل شر في هذه البلاد.
هذه الخطوة التي تعكس وعياً متقدماً ومسؤولية وطنية ناضجة ورؤيا مستقبلية تعتبر أيضاً حالة من صيرورة البناء الذاتي للمجتمع المسيحي في فلسطين إلى جانب المجتمع الإسلامي اللذين يشكلان معاً المجتمع الفلسطيني الأم , وتحولاً هاماً للنضال الوطني الفلسطيني المتعدد الأشكال وجسراً نحو تعزيز العقد الإجتماعي الوطني(Social contract) كما نظر له المفكر الفرنسي الإصلاحي (جان جاك روسو) في نظريته العقد الإجتماعي, وهي صيغة يرى فيها معدو الوثيقة الوصفة الأفضل لتعزيز بنية العائلة الفلسطينية الكبيرة والإطار الوطني العام في الحاضر والمستقبل والشراكة في النضال الموحد ضد اخر احتلال في التاريخ.
و رغم الزخم الإعلامي الذي صاحب إصدار هذه الوثيقة عام2009م إلا أنه غلب عليه طابع الخطاب الموجه للخارج أكثر منه للداخل فضلاً عن مخاطبة النخبة دون الإهتمام بالقاعدة الشعبية التي تشكل الحاضنة الطبيعية الدافئة لمثل هذه المبادرات, علاوة عن مجهولية المبادرة في الوسط الفلسطيني بوجه عام و المجتمع الإسلامي منه على وجه الخصوص.
لذلك جاءت هذه الدراسة لتقدم هذه الوثيقة في عرض مبسط للرأي العام الوطني والإسلامي على حد سواء والموقف المطلوب منه لحشد الدعم للمبادرة وانجاحها لتشكل رافعة للبناء الذاتي الفلسطيني ولعملية التحرر الوطني المنشود.
** كايروس : الفكرة - المبادرة... والسياق الفلسطيني :
كايروس هي كلمة مقتبسة من اللغة اليونانية القديمة وتعني بالعربية "هذه اللحظة من الوقت", وفكرة الوثيقة كما أسلفنا –جنوب افريقية المنطلق فلسطينية المحاكاة والتقليد, وتعني في القاموس الجنوب افريقي أنه حانت لحظة انهاء التمييز العنصري للأقلية البيضاء ضد الأغلبية السوداء على خلفية اللون, وفي القاموس الفلسطيني تعني حان الوقت للعمل من أجل السلام العادل في فلسطين وإنهاء الاحتلال الاسرائيلي الصهيوني ووضع حد لمعاناة الشعب الفلسطيني ومأساته.
و تتشابه الوثيقتان من حيث الفكرة والمبادرة، فكايروس جنوب افريقيا بدأت بمجموعة من الشخصيات الدينية والوطنية على أرضية إنهاء الأبارتهايد ضد الأغلبية السوداء الممارس بسادية من الأقلية البيضاء وحلفائها, وكايروس فلسطين أيضاً بدأت بائتلاف مجموعة من قيادات مسيحية فلسطينية دينية وعلمانية تمثل ألوان الطيف الفلسطيني المسيحي على أرضية انهاء الاحتلال و انجاز الاستقلال الوطني.
وعن خلفية اعداد هذه الوثيقة يقول معدوها أنها صرخة أمل تداعي لها مجموعة من الفلسطينيين المسيحيين بعد الصلاة والتفكير والتشاور وتبادل الرأي في معاناة بلادهم وشعبهم تحت الإحتلال انطلاقاً من ايمانهم المسيحي والوطني معاً بعد وصول مأساة شعبهم الفلسطيني إلى طريق مسدود دون أي أفق حقيقي لحلها وأن ما يطرح هو إدارة للأزمة ليس إلا, وبالتالي, كانت هذه المبادرة للجميع وتحمل رسالة للكل الفلسطيني الإسلامي والمسيحي وللإحتلال وللكنائس وللمجتمع الدولي قاطبة أن القضية الفلسطينية ليست سياسية فحسب بل هي سياسة يدمر فيها الانسان في الأرض المقدسة لجميع الديانات.
الوثيقة التي أعدت في دائرة مغلقة و في جو من السرية لتجنب أي ضغوط قد تمارس على معديها أعلنت في دار الندوة بمدينة بيت لحم مهد السيد المسيح بحضور معديها الى جانب قيادات مسيحية وطنية وعالمية (نحو خمسين مسؤولاً كنيسا من دول عديدة) وعدد من الضيوف من بعض الدول العربية والأجنبية وممثلين أيضأ عن الوسطين الإسلامي واليهودي ، كشف فيها معدوها أنهم صاغوها من خلال نقاش مستمر مسترشدين بإيمانهم وحبهم لشعبهم ومستمدين النصح من الكثير من الخيرين من الفلسطينيين والعرب والعالم للوصول بها إلى أرقى صيغة وبصورتها الحالية.
و أكد معدو الوثيقة أنها مظلة للعمل الوطني المسيحي وصوتاً وطنياً معبراً عن طموحات المسيحيين الفلسطينيين بالاطار الوطني الأوسع وبعيداً عن الطائفية والفئوية الدينية.
و يرنو معدو الوثيقة إلى أن تحقق الوثيقة أهدافها تماماً كما حصل مع نظيرتها الجنوب افريقية لتكون رافعة وأداة للنضال ضد الظلم والإحتلال الصهيوني وسياسة التمييز العنصري الذي يمارسها وخلاص من هذا الإحتلال، و بخلاصه سيعم السلام والإستقرار للمنطقة بأسرها بل العالم أيضاً.
** مضامين الوثيقة :
الوثيقة كبيرة الحجم نسبياً و يبدو أن القائمين عليها أرادوها أن تكون كاملة وشاملة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً ويعكس ذلك التأني في إعدادها حيث استغرق ذلك نحو العامين بهدف الروية والتجويد لتكون في مستوى اللحظة التاريخية ولتكون خطاباً عقلانياً ومقبولاً في الأوساط المحلية والدولية على السواء, وقد توزعت بنودها بعد الديباجة التي عكست فلسفة الوثيقة على محاور عدة بين سياسية ودينية, داخلية وخارجية, بيد أن الروح المسيحية الوطنية والضمير الإنساني والأخلاقي كان حاضرا دوما في ثناياها ويظلل سطورها.
ومن أبرز هذه المحاور الرئيسة ما يلي:-
1. توصيف الواقع في فلسطين : شخصت الوثيقة الواقع الفلسطيني بصراحة ووضوح دون تنميق أو تجميل بوصفها هذا الواقع" يقولون سلام سلام ولا سلام" وفصلت بمرارة وألم جوانب هذا الواقع حيث فشل عملية السلام والتسوية واستمرار الإحتلال الصهيوني وتوسعه وتمزيق الوطن جغرافيا سواء بإقامة جدار الفصل العنصري الذي حول المدن الفلسطينية إلى كانتونات أو عزل غزة ومحاصرتها واستمرار عملية الاستيطان والتهويد وإقامة الحواجز العسكرية المذلة للفلسطينيين وإغلاق المعابر للعالم والفصل بين العوائل الفلسطينية ونهب الخيرات والموارد الطبيعية ومحاربة الحرية الدينية للمسلمين والمسيحيين على السواء والحيلولة دون وصولهم لمقدساتهم وتهويد و أسرلة القدس واستمرار مأساة الأسرى واللاجئين في مخيماتهم, كما تطرقت الوثيقة إلى الأهل في الـــ 48 وسياسة التمييز الإسرائيلية الممنهجة ضدهم.
وبينت الوثيقة أن هذا الواقع يتم في ظل ضرب اسرائيل عرض الحائط بالشرعية الدولية في ظل عجز عربي وعالمي مما دفع بأبناء الشعب الفلسطيني سيما المسيحيين إلى الهجرة للخارج مما يهدد كينونتهم كجزء من الشعب وهويته الوطنية وتفريغ الأرض من أصحابها الحقيقيين.
وفي لفتة مثيرة للإعجاب والاقرار بالشجاعة حيت الوثيقة المقاومة الفلسطينية بما فيها المسلحة واعتبرتها حقاً مشروعاً لشعبنا وفندت الرواية الاسرائيلية بوصفها إرهاباً بنصها على أنها ليست قضية حرب على الإرهاب وإنما قضية احتلال إسرائيلي ومقاومة فلسطينية مشروعة لوضع حد له, وتكررت هذه اللفتة أيضاً في ادانة الوثيقة للإنقسام الداخلي الفلسطيني ووصفته بكارثة الصراع الداخلي محملة الأسرة الدولية مسؤوليته لرفضها التعامل مع نتائج انتخابات 2006 الديمقراطية وعدم احترامها ارادة الشعب الفلسطيني داعية القيادات الفلسطينية لإنهاء هذا الانقسام اللامبرر وانجاز الوحدة الوطنية والقفز عن المصالح الحزبية من أجل الخير العام لشعبنا وقضيته.
وهذا التوصيف هو الواقع بعينه ولا يختلف عليه اثنان من أبناء شعبنا الذين يكتوون بنار الاحتلال صباح مساء من جهة و بلهيب الانقسام الأليم من جهة أخرى، وجاءت الوثيقة على هذا النحو عاكسة حقيقية وشاملة للموقف الوطني بكل موضوعية ودون انحياز أو افراط أو تفريط.
2- كلمة المسيحية الفلسطينية... كلمة إيمان ورجاء ومحبة:-
أكدت الوثيقة أن كلمة المسيحيين الفلسطينيين في ظل الواقع السابق الذي وصفته بالنكبة هي كلمة الإيمان والرجاء والمحبة.
أ- الإيمان: وهو إيمان بالله الواحد الأحد خالق الكون والإنسان وأن كرامته من كرامته تعالى وأن الله خلق الناس لا لنتخاصم وتقتتل بل لتتعارف وتتحاب فيما بينها على قاعدة الاحترام المتبادل, وعرجت هنا الوثيقة على العقيدة المسيحية القائمة ( الاب والابن والروح القدس) وتعاليم السيد المسيح عليه السلام مبينة أن كلمة الله هي الحب والسلام والعناية بالشعوب والأفراد خلافاً لبعض التفاسير الأصولية التي تحمل الموت والدمار حينما تجمد كلمة الله فتستعمل سلاحاً في حاضرنا , يحرمنا من حقنا في أرضنا.
وأوضحت الوثيقة أن لأرضنا الفلسطينية مهد الديانات السماوية الثلاث رسالة كونية شاملة وهذه الرسالة ليست عنواناً لبرنامج سياسي وانما مقدمة لخلاص كوني شامل يتمثل في تحقيق ملكوت الله على الأرض.
وأكدت الوثيقة على أن الوجود الفلسطيني (مسيحي وإسلامي) في الأرض المقدسة ليس طارئاً بل جذوره ضاربة في عمق التاريخ والجغرافيا وقد وقع على شعبنا ظلم من الاحتلال الذي هجر شعبنا وحل محله بدعم غربي, وفي إشارة إلى وعد بلفور لليهود ودعم دول غربية له انتقدت الوثيقة ذلك بشدة بنصها" أراد الغرب أن يعوض عما أقترف هو في حق اليهود في أوروبا فقام بالتعويض على حسابنا وفي أرضنا, حاول تصحيح الظلم فنتج عنه ظلم جديد" .
وفي موقف ديني متقدم هاجمت الوثيقة بعض التفسيرات اللاهوتية الغربية التي تحاول أن تضفى على هذا الظلم الذي لحق بشعبنا شرعية لاهوتية وكتابية (انجيلية) داعية هؤلاء النفر من اللاهوتيين المشوهين إلى تعميق الفكر في كلمة الله وتصويب تفسيراتهم حتى يروا في كلمة الله مصدر حياة لكل الشعوب.
واعتبرت الوثيقة من زاوية دينية أن الإحتلال الصهيوني لفلسطين هو خطيئة ضد الله وضد الإنسان وأن أي لاهوت يدعي الاستناد إلى الكتاب المقدس أو الدين لتبرير هذا الإحتلال بعيد كل البعد عن تعاليم الكنيسة مشددة على أن ذلك ظلم سياسي و لاهوتي على السواء.
ب- الرجاء:- أشارت الوثيقة بتشاؤم لحل قريب للقضية الفلسطينية وإنهاء الإحتلال رغم توالي المفاوضات والمبادرات المختلفة بيد أنها شددت على الأمل في المستقبل بنصها" يبقى رجاؤنا قوياً لأنه رجاء في الله يستند إلى الإيمان به " , وأوضحت أن هذا الرجاء هو مصدر الهام للمستقبل ولإرادة الصمود والبقاء والسعي لتغيير الواقع المر بسبب اصرار الإحتلال ورفضه لحل الصراع.
وأشارت الوثيقة إلى علامات هذا الرجاء و المتمثلة في الكنيسة في فلسطين بأنواعها ومذاهبها المختلفة، والتي رأت فيها بالرغم من انقساماتها وضعفها تسند هذا الرجاء برعاياها ومؤسساتها وصلاتها ورسالتها علاوة على الحوارات المستمرة بيت اتباع الديانات السماوية الثلاث سواء على مستوى النخبة أو القاعدة إلى جانب صمود الأجيال واستمرار الذاكرة وتزايد معسكر السلام والمصالحة وتحقيق العدل سواء في أوساط شعبنا أو شعب الإحتلال أو العالم اذ أنه رغم عدم قدرته على تغيير الواقع إلا أنه طاقة تقصر زمن المعاناة وتسرع بالحل المنشود.
وشددت الوثيقة هنا على دور رسالة الكنيسة الفلسطينية التي وصفته بدعامة العدل والحقيقة وكرامة الإنسان سواء كرامته نفسه أو كرامة خصمه وليس دورها كمؤسسة دينية دعم وتأييد نظام سياسي ظالم مؤكدة على الكنيسة أن ترفع صوتها ضد الظلم رغم أن بعضهم يودون لو تبقى في صمتها متقوقعة في عباداتها , وأن الواقع الذي تعيشه الكنيسة الفلسطينية تحت الاحتلال جعلها تصقل تجربتها وإيمانها لتكون قوة المحبة بدل قوة الإنتقام وثقافة الحياة بدل ثقافة الموت، و في نفس الوقت كنيسة شاهدة وصامدة وفاعلة في الأرض المقدسة وأرض القيامة.
ج- المحبة:-
دعت الوثيقة إلى نشر المحبة لتشمل الأصدقاء والأعداء لتقوم بإصلاح الشر ووقف الإعتداء وليس الإستسلام له, و وصفت الوثيقة الإحتلال الإسرائيلي بأنه شر مطلق وخطيئة ويجب مقاومته والتصدي له وأعتبرت ذلك جزءاً من رسالة المحبة المسيحية وإن مسؤولية ذلك تقع أولاً على الفلسطينيين أنفسهم ثم على المجتمع الدولي داعية الإحتلال إلى مراجعة ذاته والتراجع عن الظلم الذي أوقعه على غيره .
و أوضحت الوثيقة موقفها من المقاومة الفلسطينية للإحتلال بشجاعة فائقة و بشكل صريح وشفاف لا يقبل التأويل واعتبرته خياراً مسيحياً و حق و واجب على المسيحي كما شقيقه المسلم, ورغم أنها أشارت إلى المقاومة المبدعة والسلمية حسب منطق المحبة لوقف الظلم واسترداد الأرض والحرية والكرامة كنوع من الذكاء السياسي لتفادي الصدام المباشر مع الإحتلال وحلفائه وتفادي تهمة التحريض على العنف والإرهاب إلا أن الوثيقة انحنت بتبجيل واحترام للشهداء الذين مارسوا المقاومة المسلحة ضد الإحتلال وبذلوا أرواحهم رخيصة في سبيل الوطن داعية المواطنين الفلسطينيين إلى الإستعداد للدفاع عن كرامتهم وأرضهم وحريتهم .
وقدمت الوثيقة التحية لحملات المقاطعة الدولية بأنواعها السياسية والإقتصادية والثقافية...وغيرها ضد إسرائيل وإحتلالها واصفة الإحتلال بأنه الإرهاب بعينه ومصدره الأصلي موجهة رسالة للإسرائيليين إما نواصل العنف لنهلك فيه معاً أو نتجه لسلام ننعم به سوياً والبداية هو إنهاء الإحتلال وظلمه.
3- رسالة لأبناء فلسطين (مسيحيين ومسلمين):-
أ - للمسيحيين:-
خاطبت الوثيقة المسيحيين الفلسطينيين بقولها " نحن عددنا قليل ولكن رسالتنا كبيرة ومهمة أننا جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني وشركاء وطن ونضال, فأخي أسير فأنا أسير مثله وأخي قُتل فأنا مقتول وأخي دمر منزله فمنزلي هو المدمر" , وحثت الوثيقة المسيحيين في فلسطين على الصمود والتشبت بأرضهم كما هو حالهم في هذه الديار عبر قرون طويلة وجيلاً بعد جيل, ودعتهم إلى التمسك بالأمل والصبر والصمود وإن المستقبل لهم ولشعبهم رغم الأشواك والطريق المظلم والمسدود حالياً.
وفي مراجعة شجاعة للذات ولمسيرة المشاركة المسيحية في النضال الوطني الطويل أشارت الوثيقة ضمناً إلى نوع من التقصير السلبي في هذه المسيرة بقولها" قد نكون أفراداً أو رؤساء كنيسة قد صمتنا في حين كان يجب أن يرتفع صوتنا ليندد بالظلم ويشارك في المعاناة, هو زمن توبة عن الصمت وعن اللامبالاة وعن عدم المشاركة وهجرة الأرض " ، و دعت الوثيقة المسيحيين إلى نشر المحبة في الأرض للمسلم واليهودي وللعالمين للوصول إلى حل عادل في الأرض المقدسة.
ب - للمسلمين:-
وصفت الوثيقة المسلمين في فلسطين بالأخوة والجيران وزملاء العمل ورفقاء الدرب في كل مجالات الحياة, وأبناء شعب واحد ووطن واحد ولغة واحدة وتقاليد ومعاناة وقضية واحدة ومصير مشترك وأن التاريخ صاغهم مجتمعاً واحداً وكياناً واحداً لا يقبل القسمة على اثنين.
وأكدت الوثيقة على المسؤولية المشتركة للمسلمين والمسيحيين تجاه بعضهم البعض بنصها" نحن مسؤولون بعضنا عن بعض أمام العالم ونقف للدفاع عن بعضنا البعض في وجه من يريد أن يشوه تاريخنا, وأن العالم ينظر إلينا ويستقوي علينا بانقساماتنا ويتسلل الينا من خلال طائفياتنا وعشائرياتنا ليزرع الفتن بيننا أو يؤججها ومن ثم يتفرج علينا نتقاتل ليأتي بعد ذلك بلؤم ونفاق وخبث ليصنع السلام بيننا وفق مصالحه وأنانياته.
ودعت الوثيقة المسلمين إلى المحبة والعيش المشترك والتخلص من التعصب والتطرف ومواجهته حيث يؤدي إلى الاقصاء والموت وتدفع الأقليات الدينية الثمن الأكبر لهذا التطرف حيث أضحى الشرق مهدداً أن يصبح خالياً من التعددية التي كانت ويجب أن تبقى سمة رئيسة له, مبنية أن التطرف انحراف عن رسالة الأديان السماوية وتشويه لها و أن التراث الديني المشترك يدعو للتعارف والتعاون والتوادد, حاثة المسلمين على محاربة هذا التطرف معاً من خلال تعزيز الحوار والتلاقي واحترام التنوع والإختلاف على قاعدة المواطنة الصالحة والمساواة في الحقوق والواجبات والحريات والتسامح والاخاء وتكريس ذلك من خلال التربية الملتزمة والمناهج الدراسية و الاعلام الهادف وأن ذلك ينطبق على المسلمين والمسيحيين على السواء,
وقد أقرت الوثيقة بمسؤولية دينية ووطنية مقدرة ومسؤولة " أنه في التاريخ المسيحي حقبات من التعصب والقتل باسم الدين وأن البيت المسيحي لا يخلو ممن يروجون لثقافة التكفير والاقصاء وممن يستخدمون الدين لأغراض سياسية أنانية, فالتطرف لادين له وهو ليس حكراً على أتباع دين ما دون سواه "، وأردفت الوثيقة ذلك بالتزام صريح بمحاربة ذلك بنصها" نحن نتعهد بالاستمرار في محاسبة أنفسنا وتطهير بيتنا ولاهوتنا من أي مظهر من مظاهر التطرف الديني معاً سنواجه كل تطرف يهدد مستقبل أرضنا وقدسية الأديان فيها".
وأضافت الوثيقة أن التطرف الذي تمر به منطقتنا وثقافة العزل والتكفير والتعصب من شأنها أن تحِّيد مسارنا عن همنا الأول والرئيس فلسطينيين وعرباً وهو زوال الإحتلال وتقرير المصير, ودعت الوثيقة إلى دولة مستقبلية لكل مواطنيها في فلسطين وليست دولة دينية سواء كانت يهودية أو إسلامية تقوم على احترام الدين ولكن أيضاً على المساواة والعدل والحرية والتعددية بعيداً عن السيطرة العددية أو الدينية وذلك في مبادرة مدروسة وهادفة إلى المحافظة على المكون المسيحي الصغير وسط المكونين الإسلامي واليهودي اللذين يشكلان أغلبية في فلسطين التاريخية المعاصرة علاوة على أن فلسطين هي منبع المسيحية وأقدس الأماكن المسيحية في العالم.
4- رسالة لليهود و الإسرائليين:-
خاطبت الوثيقة اليهود لمراجعة الذات ومسارهم الحالي الذي لم يفض إلا للكراهية والدمار والدماء بقولها " لقد إقتتلنا ولا زلنا نقتتل إلا أننا قادرون اليوم وغداً على المحبة والعيش معاً وقادرون على تنظيم حياتنا السياسية بكل تعقيداتها بمنطق هذه المحبة وبقوتها بعد إزالة الإحتلال وإقامة العدل", واعتبرت الوثيقة ذلك المنفذ الوحيد للسلم والاستقرار في المنطقة داعية الإسرائيليين إلى تجنب السير في مناورات سياسية لا تنتهي ولا هدف لها سوى إبقاء الحال على ما هو عليه, والسير معاً نحو رؤية جديدة قائمة على المساواة والمشاركة لا على الاستعلاء أو انكار الأخر أو الإعتداء بحجة الخوف والأمن, وبالتالي السلام ممكن والمصالحة النهائية ممكنة وبذلك يتحقق العدل والأمن للجميع.
وحثت الوثيقة القيادات الدينية اليهودية للدفاع عن الإنسان المظلوم وعن الكرامة التي منحها الله للإنسان والسمو فوق المواقف السياسية التي أخفقت حتى الآن ومازالت تسير بالجميع في طريق الاخفاق والمعاناة.
وانتقدت الوثيقة بشدة يهودية الدولة الإسرائيلية باعتبارها تخنق الدولة وتحصرها في حدود ضيقة وتجعلها دولة تفضّل مواطناً على مواطن وتستثني وتفرق بين مواطنيها داعية أن تكون دولة لكل مواطنيها.
5- كلمة لكنائس العالم:-
توزعت هذه الكلمة التي تخاطب الوثيقة فيها جميع كنائس العالم بين شكر لجزء منها ونقد حاد لجزء ثان ودعوة مشتركة للجميع, وقد صيغت هذه الكلمة بميزان لاهوتي وسياسي دقيق وواع للغاية وتعبر بحق ليس عن الموقف الفلسطيني المسيحي من هذه الكنائس وانما عن الشعب الفلسطيني برمته، ففي بدايتها شكرت الوثيقة الكنائس التي تضامنت مع قضية شعبنا قولاً وعملاً وأيدت الحق الفلسطيني في التحرر وتقرير المصير, وقد تحملت هذه الكنائس ما تحملت من ضغوط بسبب هذه المواقف النبيلة المناصرة للحق والعدل.
وهاجمت الوثيقة بلباقة مواقف العديد من الكنائس الداعمة لإسرائيل المحتلة على حساب الإنسان الفلسطيني المظلوم مستندة لمواقف لاهوتية أصولية خاطئة داعية هذه الكنائس ومسؤوليها إلى التوبة وإعادة النظر في مواقفها لإبقاء كلمة الله بشرى سارة للجميع لا لتحويلها لسلاح يفتك بالمظلوم لأن الله تعالى ليس حليفاً لأحد ولا خصماً مع أحد في وجه أحد.
ودعت الوثيقة الكنائس عموماً إلى عدم منح أي غطاء لاهوتي للظلم الذي يعيشه شعبنا أو لخطيئة الإحتلال وأن يعملوا على إستعادة شعبنا لحريته ودعم التوصل إلى سلام عادل, وأن لا يحكموا على واقعنا عن بعد بل عليهم أن يحضروا لفلسطين كزائرين أو كحجاج لتقصي الحقيقة من مصدرها واكتشاف الانسان الإسرائيلي والفلسطيني معاً, وأدانت الوثيقة كل أشكال العنصرية الدينية والعرقية للجميع بما فيها المعاداة للسامية وكراهية المسلمين(الاسلاموفوبيا) داعية الكنائس ومسؤوليها إلى قول كلمة حق واتخاذ موقف حق من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وممارسة الضغوط على الإحتلال بما في ذلك استخدام سلاح المقاطعة وسحب الاستثمارات وغيرها من الوسائل اللاعنفية.
وهي كلمة مؤثرة من جهة واستفزازية من جهة أخرى للضمير المسيحي والكنسي ذي التأثير العالمي القوي لمغادرة مربع الحيادية إلى الجهر بالحق والاشارة للظالم بوضوح انسجاماً مع تعاليم المسيحية والإله الخالق, كما مايزت الوثيقة بين انتمائها للكنائس والمسيحية عموماً وبين انحيازها لقضية شعبها المظلوم والعادلة وجعلت الكنيسة الفلسطينية كنيسة وطنية بامتياز وليست كنيسة منسلخة عن بيئتها وعن رعيتها الفلسطينية رغم محاولات تدجينها وشطب وطنيتها وعروبتها على أرضها التاريخية.
6- كلمة للأسرة الدولية:-
دعت الوثيقة المجتمع الدولي لاحترام ارادة شعبنا الفلسطيني وعدم التدخل في شؤونه الداخلية والكف عن سياسة الكل بمكالين وتطبيق القانون الدولي والقرارات الدولية على الجميع بما فيها الإحتلال الإسرائيلي بعيداً عن شريعة الغاب التي تفتح المجال للعنف والعنف المضاد, وأهابت الوثيقة بالمجتمع الدولي على حمل اسرائيل عنوة على الإلتزام بالشرعية الدولية من خلال تطبيق نظام عقوبات فاعل عليها لارغامها على إنهاء احتلالها لفلسطين والأراضي العربية وتحقيق السلام والأمن للجميع.
و خصت الوثيقة القدس بأهمية استثنائية حيث دعت المجتمع الدولي لجعلها مصدر الهام لحل القضية الفلسطينية نظراً لقداستها ورسالتها للديانات الثلاث لتكون أرضاً جديدة في أرض الله.
و ختمت الوثيقة برجاء إيماني (صرخة أمل) رغم غياب الأمل بأن نهاية هذه المعاناة حتمية بانتصار الخير على الشر والكراهية والدماء وأن الخير مصدره الله الصالح والعادل وإن المستقبل لأرض جديدة وانسان جديد.
** أصداء الوثيقة و ردود الأفعال عليها :
منذ صدور الوثيقة عام2009 كان هنالك تفاعلاً دولياً وإقليمياً ومحلياً هاماً معها وكان لها ولايزال صدىً مدوياً ساد أغلبه الدعم والتأييد لها سيما في الأوساط المسيحية العالمية إذ أنه – و ربما لأول مرة - يُخاطب العالم عموماً والمسيحي منه على وجه الخصوص بصوت فلسطيني مسيحي صرف لعرض المظلمة الفلسطينية بروح لاهوتية سياسية إنسانية جامعة، وفيما يلي نستعرض أبرز وأهم ردود الأفعال هذه:-
ا0 دوليـــــــــــــــــــــاً:
+ القارة الافريقية :
-جنوب افريقيا: البلد صاحب وثيقة كايروس الأصل حيث أصدر مجلس الكنائس فيها بياناً أعلن دعمه الكامل لوثيقة كايروس فلسطين وتبني توصياتها سيما الدعوة لمقاطعة اسرائيل حاثاً جميع الكنائس فيه للإلتزام بذلك طالباً من الشعب الفلسطيني الصفح والتوبة عن قصورهم السابق في دعم قضيته, وتجلى ذلك في دعوة أعضاء الوثيقة الفلسطينية لاحتفالات الذكرى الـــ 25 لصدور وثيقتهم .
- كنائس افريقيا :- أكد مجلس كنائس عموم افريقيا تأييده لوثيقة كايروس فلسطين وأن نضال الشعب الفلسطيني هو نضالهم وأن القضية الفلسطينية قضيتهم .
+ القارة الأوربية:-
- بريطانيا: شكلت مجموعة من الكنائس والمؤسسات والشخصيات في بريطانيا شبكة لدعم كايروس فلسطين, وحصلت توأمة أولية بين كايروس فلسطين ومؤسسة " أموس ترست" وهي مبادرة بريطانية تحمل شعار(سلام عادل لفلسطين) لحشد الرأي العام البريطاني لإنهاء الإحتلال ودعم السلام والعدل في فلسطين وتحمل شعار كايروس فلسطين " نحن الآن في لحظة حق ومطالبون برفع صوتنا ".
- هولندا: الكنيسة البروتستانية فيها كانت في السابق من أكثر الكنائس تأييداً لإسرائيل، و بعد نشر الوثيقة حدث تحول كبير في موقفها و قامت بترجمتها إلى اللغة الهولندية، وبتاريخ17/2/2010م وجهت رسالة رسمية للحكومة الإسرائيلية من خلال سفيرها في هولندا طالبت فيها ألا يكون أمن إسرائيل على حساب حقوق الشعب الفلسطيني، وأدانت الكنيسة تشييد جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية وآثاره المأساوية على الفلسطينيين من حيث سلب أراضيهم وتدمير منازلهم ومزارعهم وطالبوا الحكومة الإسرائيلية بالإلتزام وتنفيذ قرار محكمة العدل الدولية بعدم قانونيته وتعويض المتضررين منه, ودعت إسرائيل إلى منح الفلسطينيين الحق في البناء في مناطقهم الواقعة في منطقتي ب, ج وفقاً لاتفاق أوسلو داعية المجتمع الدولي إلى تطبيق العدل والقانون بين الفلسطينيين واليهود، و تبع ذلك إصدار مجلس الكنائس البروتستانية فيها بياناً لدراسة خيار سحب استثماراتهم من الشركات التي تدعم الإحتلال الإسرائيلي.
- ألمانيا:- قام مجلس الكنائس البروتستانية فيها بإرسال رسالة تأييد ودعم لمعدي الوثيقة ودعى لتبني مقاطعة إسرائيل الواردة في الوثيقة داعياً اسرائيل لإنهاء إحتلالها لفلسطين والكنائس الألمانية لتنفيذ ذلك.
- الدول الاسكندنافية( النرويج-السويد-الدنمارك): قامت هذه الدول بترجمة هذه الوثيقة للغاتها المحلية وتعميمها وعلاوة على ذلك قام مجلس كنائس النرويج والكنيسة اللوثرية فيه بتبني الوثيقة في مؤتمر بالعاصمة أوسلو، والحال ذاته في العاصمة السويدية ستوكهولم والعاصمة الفنلندية هلسنكي, ودعم مماثل من الدنمارك سيما من اتحاد الشباب المسيحي فيه.
- ايطاليا:- نظمت مؤسسة سلام المسيح فيها عام 2010 مهرجان انطلاقة ثانية للوثيقة.
+ القارة الأمريكية:-
-الولايات المتحدة: حيث دعا رئيس الكنيسة اللوثرية فيها للوقوف مع محنة الشعب الفلسطيني وتبني وثيقة كايروس الفلسطينية على المستوى الأمريكي والعالمي وقد تبعها في ذلك عدد من الكنائس الأخرى كالكنيسة الميثودية وكنيسة المسيح المخلص ...وغيرها.
- كندا: أعلنت الكنيسة الكندية المتحدة احدى أكبر الكنائس في كندا عن دعمها للوثيقة ولتطبيق توصياتها.
-وفي دول أمريكا اللاتينية: قامت البرازيل ودول عديدة بإطلاق الوثيقة ودعمها وأرسلت وفوداً إلى فلسطين لمعاينة المأساة والمعاناة الفلسطينية.
وهنالك مواقف مماثلة في الدعم والتأييد من دول عديدة كالهند وفرنسا وسويسرا وماليزيا وإندونيسيا وأستراليا واسيا, وكان أبرزها من الفلبين وشبكة السلام من أجل الحياة فيها وهي شبكة عالمية تضم العديد من الأديان والقوميات ومقرها العاصمة مانيلا حيث تبنت الشبكة الوثيقة ودعت أعضاءها للشروع في تعميمها وتطبيق توصياتها.
- مجلس الكنائس العالمي, فقد سارع هذا المجلس إلى تبني الوثيقة وتوصياتها أيضاً وخاطب المجلس الكنائس القارية في قارات العالم الست لتبنيها والإسراع بذلك معتبراً الوثيقة إعلاناً تاريخياً ومحطة رئيسية في تاريخ المعاناة الفلسطينية، والحال ذاته مع مجلس كنائس الشرق الأوسط.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد, بل تطور إلى تشكيل أطر دائمة لدعم الوثيقة وتوصياتها, وقد تجلى ذلك من خلال تأسيس حركة دولية داعمة للوثيقة سميت بــــ " الكايروس الدولي للعدالة" Global kairos groupتتولى التعريف بها ونشرها في شتى بلدان العالم خصوصاً الدول الأعضاء في الحركة (حيث تمت ترجمتها لأكثر من عشرين لغة) ومراقبة تطبيق توصياتها لتقديم دعم عملي وفعلي ناصر للشعب الفلسطيني المظلوم.
ب - عربيــــــــــا ً: الواضح أن مستوى التعريف بها ونشرها في العالم العربي ودوله محدود ودون المطلوب، وبالرغم من ذلك فإن هنالك العديد من رسائل الدعم والتأييد للوثيقة وتوصياتها ويبدو أن ذلك راجع إلى محدودية تأثير العالم العربي في الضغط على إسرائيل مقارنة بالمجتمع المسيحي الغربي والدول الغربية.
ج - وطنيـــــــــــاً : فقد كان واضحاً الدعم الرسمي والشعبي لها على حدٍ سواء وإن كان منحصراً في المستوى النخبوي أو المسيحي الى حد كبير, فقد نالت الوثيقة تأييدا من رؤساء الكنائس في القدس لها رغم الحذر الشديد في الترويج و التنظير لها خشية ردة فعل اسرائيل عليهم وسحب اعترافها بهم سيما أن أغلبيتهم غير فلسطينيين و مرتبطون بمرجعياتهم في الخارج ، وقد صرح رئيس الوزراء السابق سلام فياض من جانبه أن الوثيقة هي رسالة الفلسطينيين جميعاً للعالم, فيما نظمت لقاءات عديدة مع الفصائل الفلسطينية وأخرى شعبية بمشاركات محلية مختلفة، غير أن الوثيقة لم تأخذ الزخم الوطني الكبير المطلوب باعتبارها فلسطينية المنشأ والمنبع وحدثاً وطنياً مفصلياً وتاريخياً هاماً في مسيرة النضال الوطني لدحر الإحتلال وانجاز الإستقلال.
هذا الحراك الدولي والاقليمي والمحلي المتنوع والداعم للوثيقة أثار اللوبي الصهيوني فعمل من خلال مؤسساته المنتشرة في انحاء العالم وأذرعتها السياسية والاعلامية والاجتماعية ...الخ على تشويه موقف الوثيقة لدى الرأي العام المسيحي الدولي والتهديد باعتبارهم لاساميين ويمارسون الارهاب الفكري و السياسي.
بيد أن هذه الأصداء و ردود الفعل التراكمية والمتصاعدة تشكل أرضية منتجة وفاعلة لموقف عالمي متنام وداعم لقضيتنا و ضاغط على اسرائيل ، وله ما بعده من النتائج المستقبلية المبشرة لتحقيق أهداف كايروس وغاياتها باذنه تعالى .
** كايروس فلسطين... نموذج المسيحية الوطنية:
مما لا شك فيه أن مبادرة كايروس ابداع فلسطيني جديد في التصدي للإحتلال الإسرائيلي لبلادنا ولون جديد يضاف إلى ألوان وأشكال النضال الوطني المستمر على مدار زهاء سبعة عقود شارك فيه أبناء فلسطين مسلمين ومسيحيين، بيد أن هذه المبادرة الجريئة تتفرد بأنها مبادرة فلسطينية مسيحية صرفة – و هذا وإن كان يعتبره البعض تغريداً منفرداً خارج السرب الوطني الجامع أو ابرازاً مقصوداً للبعد المسيحي في ظل التناقص الملحوظ لأعداد المسيحيين في فلسطين بسبب ممارسات الإحتلال اللانسانية والتي جعلت الوطن كانتونات داخل سجن كبير- إلا أنها مبادرة تصب في المحصلة في الدائرة الوطنية الأم وفي خدمة المشروع الوطني الجامع وتجسد الإنتماء الوطني الراسخ للمواطنين المسيحيين باقتدار واعجاب, وحتى وإن صدقت رواية البعض بتعمد معدي الوثيقة أن تكون مبادرة مسيحية خالصة لابراز دور الاشقاء المسيحيين ومساهمتهم في مسيرة التحرر الوطني فلا أجد غضاضة في ذلك فهناك مبادرات اسلامية بذاتها وهنالك مبادرات مشتركة والعبرة أن تكون هذه المبادرات روافد في البحيرة الوطنية الكبيرة تماماً كما هي وثيقة كايروس الفلسطينية رافعة حقيقية لنضال شعبنا وابداعاته في المقاومة و مواجهة الإحتلال الغاشم.
فالمسيحية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية والدينية لفلسطين, ففلسطين منشأ المسيحية ومنها انطلقت إلى العالم بأسره وفي رحابها مهد السيد المسيح عليه السلام وفي مدنها تضم أقدم الكنائس والمقدسات المسيحية, والمواطنون المسيحيون هم جزء أصيل من النسيج الإجتماعي الفلسطيني ورغم أقليتهم وسط أغلبية مواطنيهم المسلمين إلا أن لهم حضوراً مشهوداً وأداء متميزاً يفوق عددهم بكثير فهم في الخارطة السياسية والإقتصادية والأكاديمية والتجارية والفنية لبلادنا بل ويمتد هذا الحضور ويتميز في الشتات والمنافي حيث كانوا دوماً ذخراً لبلادهم وقضيتهم وأدوارد سعيد و جورج حبش وكمال ناصر و يوجين قطران وميشيل عبد المسيح و كبوتشى... وغيرهم نماذج ساطعة على ذلك خارج الوطن تماماً كما هو ميشيل صباح, عطاالله حنا ومنويل مسلم وأميل حبيبى وهند خوري ورفعت قسيس ومنيب يونان وحنا ناصر وعيسى طرزي... وغيرهم نماذج مضيئة أخرى داخل الوطن.
الوثيقة التي صيغت بنصوص مؤثرة تخاطب العقل والوجدان والقلب معاً وتسرى فيها متدفقة بروح وطنية صافية وصادقة ومعبرة أكدت على الانغماس الكامل للمواطنين المسيحيين في المشروع الوطني جنباً إلى جنب مع اشقائهم المسلمين, وأن أي تردد أو لا مبالاة أو صمت قد حدث في السابق مرفوض وغير مقبول ولا حياد في مسيرة الوطن بوصفها " نحن جزء من التحديات وشركاء في كل ما حصل ويحصل", وفي موضع آخر من الوثيقة" قد نكون أفراداً أو رؤساء كنيسة قد صمتنا في حين كان يجب أن يرتفع صوتنا ليندد بالظلم ويشارك في المعاناة, هو زمن توبة عن الصمت وعن اللامبالاة وعن عدم المشاركة", وفي انتقاد واضح لانكفاء البعض المسيحي في الدائرة المسيحية فقط بعيداً عن شعبه ككل واندماجه فيه نصت الوثيقة" توبة لاهتماماتنا بمؤسساتنا في بعض الأحيان على حساب رسالتنا, فَلُجِم الصوت النبوي الذي يمنحه الروح للكنائس"
بل ذهب معدو الوثيقة بوطنيتهم أبعد من ذلك بالاشتباك مع بعض الكنائس المتصهينة والتي تستخدم الكتاب المقدس لدعم الظالم ضد المظلوم واعتبرت ذلك استخدامات سياسوية للانجيل وانحرافاً عنه واطلقتها مدوية أن الاحتلال خطيئة ضد الله وضد الناس وعلى المسيحي الفلسطيني مقاومته الى جانب أخيه الفلسطيني المسلم.
ان هذه المراجعات الهامة داخل البيت المسيحي الفلسطيني الداخلي تعكس وعياً متجدداً وشعوراً عاليا بالمسؤولية الوطنية وادراكاً ناضجاً أن الجميع في قارب الوطن الواحد إما ينجون أو يغرقون معاً وأن المصير مشترك.
هذه المسيحية الوطنية النموذج المطلوب من اخواننا و مواطنينا المسيحيين والوثيقة بلا شك التجسيد العملي لذلك، وهي تحتاج إلى وقفة وطنية داعمة لها ولمعديها والى تكريم حقيقي ومشهود لهؤلاء النفر الغياري على شعبهم ووطنهم وقضيتهم.
** رؤية اسلامية للوثيقة:
لو أريد أن يكون لهذه الوثيقة عنواناً اسلامياً لأخترت لها عنوان " وقفة المستضعفين في وجه الظالمين", ولو بحثت عن اطار قرآني لها لما وجدت أنسب من قوله تعالى " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم كانوا يحذرون" سورة القصص (الآيات 5-6)، فالكرامة الإنسانية فلسفة الاسلام والأديان السماوية جمعاء مصداقاً لقوله تعالى " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً " سورة الاسراء الآية 70 والمخاطب هنا قرآنياً هو الإنسان أي انسان على وجه البسيطة بغض النظر عن دينه أو عرقة أو لونه أو خلفيته الاجتماعية أو إقامته , وهي بذلك حق أصيل لشعبنا بمسلميه ومسيحييه وحتى لخصومه اليهود الصهاينة مع الاحتفاظ لشعبنا بحقه في مقاومة هذا الاحتلال وبكل أشكال المقاومة.
والظلم آفة كل شيء في عالمنا الحاضر وعوالم من سبقنا ومن سيأتي بعدنا, والظالم لا دين له ولا انتماء له وهو يعمل ضد رسالة الله العادل العدل وضد كتب رسله وانبيائه أجمعين, وقد حرمه الله على نفسه سبحانه وتعالى في الحديث القدسي" يا عبادي اني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا" فهي دعوة للمؤمنين جميعاً للتعاون على الظالم.
فالوثيقة اسلامية الروح أو مسيحية بروح اسلامية وهذا يعزز أن منبع الأديان السماوية واحد ورسالتها واحدة, وهي تتقاطع تماماً في أهدافها مع أهداف الاسلام في إغاثة الملهوف ونصرة المظلوم ومواجهة الطاغوت كما أكدت الوثيقة في نصوصها".
البعض يريد حرف البوصلة و أن نغرق في تكفير بعضنا البعض ويريد لاختلاف الدين أن يكون جداراً فاصلاً بيننا, وأصوات تريد لنضالنا الوطني أن يرتد للداخل كما حدث في الانقسام السياسي عام2007 ولا يزال– للأسف الشديد- قائماً ومستمراً, ونسوا قول الله تعالى" يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم " النساء -135، و قوله " و أقسطوا إن الله يحب المقسطين" الحجرات – 9 وقوله أيضاً " لا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى" المائدة - 8, وعلى قاعدة "لا إكراه في الدين", و" لكم دينكم ولي دين" وفي ظل العهدة العمرية الخالدة التي أكدت على أن " المواطنين المسيحيين لا يكرهون على دينهم و لا يضار أحد منهم و لا يسكن بايلياء معهم أحد من اليهود " .
الاسلام يحثنا على الالتحام مع هذه الوثيقة من باب التعاون على البر مصداقاً لقوله تعالى " وتعانوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" المائدة – 2 ولا يوجد بر يفوق بر التصدى للظلم, ولا يوجد إثم وعدوان أكبر من هذا الإحتلال الغاشم, ولنا في التاريخ عبر عديدة على هذا التعاون وكيف خاض مسيحيو الشرق إلى جانب اخوانهم المسلمين في جيش صلاح الدين الأيوبي القتال ضد الهجمات الصليبية الغربية التي تدثرت بثوب المسيحية لاخفاء أهدافهم الاستعمارية وسرقة ونهب ثروات المنطقة واحتلالها، ومن باب الوطن الواحد والمواطنة الواحدة.
فالمواطنة تظللنا جميعاً وهي العقد الإجتماعي بيننا والإنسانية تبقى مظلتنا الأم وهذا ما أكدت عليه الوثيقة بأن المعركة في فلسطين ليست بين اليهود والمسلمين وانما بين الإحتلال والمحتل وبين الظالم والمظلوم , بل وذهب معدو الوثيقة - الذين أصفهم بالفدائيين والمقاتلين من أجل الحرية- أبعد من ذلك باعتبار اللاهوت الداعم لإسرائيل لاهوت محرف وخاطئ وأن الإحتلال ضد الدين في خطوة جريئة وتصحيحية قد تقلب الرأي العام المسيحي العالمي المتعاطف تقليدياً مع الإحتلال حيث تهدف الوثيقة لحشد دعم المسيحيين في العالم من أجل قضيتنا, فالعالم المسيحي ومناصروه هو الأكبر في خريطة العالم الدينية والديمغرافية, وبالتالي أفضل من يخاطبه هو إخواننا المسيحيين كما أنه من الأنجع أن نخاطب نحن الفلسطينيين المسلمين العالم الإسلامي لتتكامل الجهود، فالدين محرك أساسي في عالم اليوم وقراراته.
كما أن هذه الوثيقة أضحت اليوم أرضية متميزة لحوار اسلامي مسيحي في فلسطين دائم ومستمر وناجح بل نموذجاً يحتذى في الاقليم والمنطقة أيضاً.
نقول هذه الوثيقة تمثلنا جميعاً مسلمين ومسيحيين وأبناء الإنسانية الصادقين معنا أيضا .
** الموقف المطلوب :
ان مدخل الموقف الإسلامي المطلوب من الوثيقة قوله تعالى" قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم" وأن أفضل كلمة سواء هو مواجهة الظالم والمحتل الإسرائيلي.
لقد نصت الوثيقة على أنها مبادرة كلمة الفلسطينيين المسيحيين انطلقت من قلب المعاناة الفلسطينية وأن خيارهم المسيحي في مواجهة الإحتلال هو المقاومة لوقف الظلم و اجبار الظالم على التراجع عن بغيه وظلمه، وبالتالي فإن معدي كايروس الأبطال لهم علينا حق النصرة كفلسطينيين مسلمين ومن واجبنا الديني والوطني والأخلاقي دعمهم والتعاضد معهم كفريق واحد وأبناء شعب واحد وليس كما يروج الإحتلال بأنهم مجموعة صغيرة راديكالية لا تمثل المسيحيين الفلسطينيين, ونحن نقول له وللعالمين أن كايروس تمثلنا جميعاً وأن معدوها لا يمثلون الفلسطينيين المسيحيين فحسب بل والمسلمين أيضاً وأن الوثيقة تشكل مصدر الهام لنا جميعاً.
نحذر من الوقوع في فخ الفتنة الدينية والسقوط في وحل "فرق تسد" وتأجيج صراع ديني في فلسطين (إسلامي-مسيحي) في وقت تعتبر فلسطين الأرض المقدسة واحة للتسامح والتعايش الديني ونموذجاً راسخاً للاخاء بعض النظر عن موقف أرعن هنا أو أخر مشبوه هناك، فالمسيحيون يا أبناء شعبنا المسلمين هم ملح هذه الأرض وهم أسبق منا في هذه الديار وديانتهم هي الأسبق من ديانتنا, وبلادنا مهد ديانتهم وأن الكثير من عوائلنا وقبائلنا المسلمة اليوم هي مسيحية الأصل.
مسيحيو فلسطين في هذه الوثيقة يدافعون عن القضية الوطنية المشتركة وعن صورتنا الإسلامية ويرفضون العنصرية ضد المسلمين ( الاسلاموفوبيا) أي كراهية المسلمين ويدعون العالم إلى ادانتها ويرفضون وصف المقاومة بالارهاب وإنما دفاع مشروع وحق مكفول, يؤمنون بدولة فلسطينية وتعددية ونحن نؤيد دولة مدنية غير ثيوقراطية, دولة لجميع مواطنيها بعيداً عن التمييز العرقي أو الديني.
البعض في أوساطنا الإسلامية – بكل أسف ومرارة - لا يزال أسير صورة نمطية قديمة بائسة و متخلفة تجاه مواطنيهم المسيحيين بأنهم طابور خامس وامتداد للغرب الصليبي و ربما يضعهم في كفة واحد مع اليهود في مساواة ظالمة بين الضحية والجلاد وبين ابن شعبه و عدوهما المشترك ويتحفظ تجاه أي مبادرة تصدر عنهم وبالتالي سيكون موقفهم الرفض وفي أحسن حال التحفظ تجاه وثيقة كايروس, وهذه النظرة الجاهلية العقيمة وهذا النفر المعزول والمنبوذ يناقض موقفه قوله تعالى" ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين و رهبانا و أنهم لا يستكبرون " المائدة - 82, ولو كان عمر بن الخطاب حياً لكان أول من تبرأ منهم, ولعل غياب اللقاء والحوار مع هؤلاء و عدم تعارفهم و اختلاطهم بمواطنيهم المسيحيين سبباً لهذه الأفكار واستمرارها.
كما أن البعض الاسلامي الأخر للأسف قد يتحسس باعتبار أن الوثيقة مسيحية النشأة وأطلقتها الكنائس الفلسطينية ونسى أن الفضل في السبق لأصحابه والاشقاء المسيحيين هم أصحاب السبق والفضل معاً و هذا يؤكد الشراكة التاريخية والراسخة في النضال الوطني وابداعاتهم في ذلك رغم أصوات الاحتواء والتوجيه المشوهة والاستعمارية لسلخهم عن وطنهم وشعبهم الأم وقضيته الوطنية العادلة ، وجاءت هذه الوثيقة لتثبت بالدليل القاطع و العملي فشل هذه الاصوات ورهانات من يقف خلفها.
المواطنون المسيحيون يقدمون من خلال وثيقة كايروس نموذجاً راقياً في التعامل مع الإختلاف وإدارة الأزمات وتحليل المواقف والانخراط في مشروعهم الوطني كما تفرض عليهم مواطنتهم في وقت تمنع بعض الدول والحكومات الإسلامية ابنائها وشعوبها حتى من التضامن مع فلسطين, فهؤلاء علينا أن نحافظ على وجودهم كما نحافظ على وجودنا وحياتنا.
نداء وثيقة كايروس نداء المظلوم الفلسطيني والمظلومية الفلسطينية, نداء المستضعفين في الأرض المقدسة صادر عن إخواننا وأخواتنا المسيحيين من أبناء فلسطين, ورسالتنا لهم: وصلت رسالتكم، لستم وحدكم نحن معكم, نداؤكم نداؤنا, وصرختكم صرختنا وألمكم ألمنا وأهدافكم أهدافنا وطموحاتكم طموحاتنا, والخندق الواحد يجمعنا.
دقت الساعة للعمل معاً لإنهاء الإحتلال عن بلادنا واجلاء مستوطنيه وتشييد دولتنا الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس نعيش في رحابها أخوة متحابين ومواطنين صالحين ليعم السلام أرض السلام.
أن الإيجاب في المبادرة من المسيحيين الفلسطينيين لاشقائهم ومواطنيهم المسلمين يحتاج إلى قبول(بالمفهوم القانوني) وبالتالي من الواجب أن يكون هنالك موقفاً فلسطينياً اسلامياً واضحاً ومفهوما للوثيقة لتكون وثيقة وطنية جامعة يخاطب فيها الشعب الفلسطيني المظلوم بمسلميه ومسيحييه العالم كل العالم لوضع حد لمعاناته وظلم الاحتلال الغاشم له، وهذه الدراسة ان شاء الله أرضية و نواة لهذا الموقف المطلوب .
هذا ما نريد أن نعمل عليه ونصل إليه ونحققه بجهد الجميع المسيحي والإسلامي ليعود لفلسطين ضياؤها ووهجها وايصال رسالتها للعالمين ليقول العالم كلمة حق وعدل في وجه هذا الاحتلال البغيض وقد حانت هذه اللحظة من الوقت فلنعمل معاً وسوياً.
** رسالتنا لمعدي الوثيقة :
مما لا شك فيه أنكم قمتم بدور وطني بطولي غير مسبوق، وتصديتم لمرحلة مفصلية من تاريخ شعبنا ونضاله العنيد ضد الاحتلال و ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي ونقل قضية شعبكم و وطنكم بلسان مسيحي مبين للعالمين ، ودعوني أذكركم هنا بما قاله القس الجنوب الأفريقي برام هانيكوم في مؤتمر انطلاقة الوثيقة الثالث عام 2012 وهو يخاطبكم " لا تعون تماماً ماعملتوه فأنتم استطعتم وضع القضية الفلسطينية في موقعها الصحيح من اهتمام العالم واستطعتم اعادة تقديم الفلسطينيين للعالم كشعب مكافح ومناضل في سبيل حريته, ومن العار على العالم أن لا يقوم بدعم قضيته العادلة" , وأنا بدوري أقول لهؤلاء الأخوة والأخوات أنكم بهذه الوثيقة أعدتم كتابة تاريخ المسيحية في فلسطين وسطرتم بأحرف الوطن شراكة مصير واحد مع إخوانكم المسلمين وسددتم طعنة نافذة لدعاة الطائفية داخل بيتنا الفلسطيني وخارجه و وقفتم سنداً منيعاً في وجه اللاهوت المنحرف المشوه الداعم زوراً للظلم والاحتلال باسم الرب والدين وطرزتم وثيقة دستورية لوطن منقسم ومظلوم ستتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل وأطلقتم صرخة لا زالت أصداؤها تتردد في أرجاء الكون ولن تتوقف إلا باسترداد سيادتنا الوطنية على مقدساتنا المسيحية والإسلامية على السواء.
كما أؤكد للأخوة في مجموعة كايروس الوطنية الطلائعية: الوثيقة ليست نهاية مشواركم دعوني أقول لكم أنها البداية بعد تحديد مسار البوصلة، مطلوب منكم اليوم أن تشمروا عن سواعدكم وأن تطوروا وتمأسسوا ذاتكم و تعملوا مع الجميع المسيحي والإسلامي على بسط سيادتكم و رفع الوصاية الأجنبية على المقدسات المسيحية وعلى الطوائف المسيحية في بلادنا وتعريب وفلسطنة الكنائس واسنادها لأبناء فلسطين المسيحيين سيما في مدن بيت لحم والقدس والناصرة فأهل مكة أدرى بشعابها تماماً كما هو حال إشراف السعودية على الأماكن المقدسة الإسلامية في مكة والمدينة، فالأمر جزء من سيادتنا الوطنية غير القابل للمساومة، وكذلك الإشراف على مواسم الحج المسيحي وتنظيم استقبال الحجيج إلى الأراضي المقدسة والسياحة الدينية المسيحية عموماً وتغيير الواقع المشوه من حيث إشراف الإحتلال والأجانب على ذلك بعيداً عن أهل الدار ليكون ذلك رافعة اضافية لمشروع التحرر الوطني من خلال تحصين هؤلاء الحجيج من الرواية الإسرائيلية المضللة التي تصور الإحتلال الظالم بحامي حمى المسيحية ومقدساتها، وتزويدهم بحقائق الجغرافيا والتاريخ ومظلومية شعبنا وقضيتنا ليعودوا سفراء لنا في بلادهم ولعل نص الوثيقة الموجه لهؤلاء الحجيج " تعال وأنظر" يصلح عنواناً لهذا الحراك المرجو والمنشود.
نقول لكم أيها الأحبة طوبى لكم وليبارككم الرب وليبارككم شعبكم ووطنكم لاخلاصكم ونبلكم, وستخلدون في تاريخ بلادكم بأحرف من نور وستحفظ الذاكرة الوطنية همتكم وشجاعتكم ووطنيتكم الحقة, وأن شجرة جهدكم ستزهر عاجلاً أم آجلاً حرية واستقلالاً وكرامة وأن الغزاة العابرون سيمضون ويرحلون كما بشر بذلك درويشنا الراحل.
الخاتمــــــــــــة :
مما لا شك فيه أن وثيقة كايروس فلسطين مبادرة رائدة ونوعية وبروح وطنية وبنكهة افريقية تحتاج إلى تبني وطني عريض لتحقيق أهدافها المرجوة، كما أن هذه الوثيقة وفلسفتها - في تقديري - نقطة تحول مفصلية في تاريخ المسيرة الوطنية المسيحية في فلسطين وخط فاصل بين مرحلة تقوقع وإنطواء وتردد سابقة ومرحلة انخراط كامل للفلسطينيين المسيحيين وترسيخ لانتماء وطني تاريخي في مسيرة شعبهم وبلادهم وقضيتهم وبشراكة كاملة مع مواطنيهم وإخوانهم المسلمين.
إن المطلوب اليوم بوضوح تعزيز الوطنية المسيحية في فلسطين وإبراز البعد المسيحي لفلسطين كجزء لا يتجزأ من الهوية الفلسطينية حيث فلسطين منبع الدين المسيحي ومحج المسيحيين في شتى أرجاء العالم من خلال حشد المجتمع المسيحي في مسيرة النضال والبناء الوطني وتطويره أدائه.
أخــــــــــيراً ... كايروس الجنوب افريقية نجحت وحققت أهدافها بامتياز ونجاح منقطع النظير فيما كايروس الفلسطينية أمامها الكثير للعمل، عملنا نحن جميعا مسيحيين و مسلمين ومعنا أمتنا والعالم الحر، وحتماً على موعد مع النصر والحرية فكما هُزم الفصل العنصري في جنوب افريقيا سيهزم هذا الاحتلال العنصري في فلسطين وان لغداً لناظره قريب.
د.جميل جمعة سلامة
مدخـــــل :
في مبادرة فريدة ومتميزة وقد تكون غير مسبوقة وطنياً وفي المنطقة عموماً بادرت مجموعة من الشخصيات الفلسطينية المسيحية الدينية وغير الدينية في فلسطين لمحاكاة تجربة جنوب افريقيا الشهيرة المعروفة بوثيقة كايروس لعام1985م والتي دعت العالم بأسره لوقفة حق في وجه نظام الفصل العنصري (الأبرتهايد) ضد الأغلبية السوداء و كانت محطة مفصلية في النضال الجنوب افريقي والذي توج بعد سنوات من هذه الوثيقة بمحاصرة هذا النظام العنصري اللاإنساني وعزله حتى تفككه ورحيله إلى غير رجعة، وعودة المساواة والحرية والديمقراطية لهذا البلد المتربع أقصى القارة الافريقية ليعتلي نيلسون مانديلا الأسود سدته ورئاسته في درس قاس لأنظمة الاستبداد والاحتلال, حيث أُعلن رسمياً بتاريخ 11/12/2009م عن انطلاقة كايروس فلسطين .
ومن القائمين على هذه الوثيقة ومن قاموا بصياغتها وأعلانها شخصيات فلسطينية مسيحية دينية و وطنية وازنة كالبطريرك ميشيل صباح بطريرك القدس للاتين السابق والمطران د. عطاالله رئيس اساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس والمطران د. منيب يونان مطران القدس والشرق للكنيسة الانجيلية اللوثرية ورئيس الاتحاد اللوثري العالمي والقس د. متري الراهب و د. رفعت عودة قسيس المنسق العام للمبادرة و السيدات سدر دعيبس و نورا قرط و لوسي ثلجية... وغيرهم.
و وصف معدو الوثيقة وثيقتهم بأنها كلمة الفلسطينيين المسيحيين للعالم حول ما يجري في فلسطين في لحظة زمنية يتوقون فيها إلى تجلي نعمة الله في الأرض المقدسة والمعاناة التي تمر بها, مطالبين المجتمع الدولي بوقفة حق تجاه ما يواجهه شعبهم الفلسطيني من ظلم وقهر وتشريد ومعاناة وتمييز عنصري منذ أكثر من ستة عقود متواصلة, وهي ليست دراسة لاهوتية فكرية أو ورقة سياسية فحسب بل هي وثيقة إيمان وعمل تسمي الأمور بمسمياتها بوضوح ودون مواربة و أن الإحتلال هو منبع كل شر في هذه البلاد.
هذه الخطوة التي تعكس وعياً متقدماً ومسؤولية وطنية ناضجة ورؤيا مستقبلية تعتبر أيضاً حالة من صيرورة البناء الذاتي للمجتمع المسيحي في فلسطين إلى جانب المجتمع الإسلامي اللذين يشكلان معاً المجتمع الفلسطيني الأم , وتحولاً هاماً للنضال الوطني الفلسطيني المتعدد الأشكال وجسراً نحو تعزيز العقد الإجتماعي الوطني(Social contract) كما نظر له المفكر الفرنسي الإصلاحي (جان جاك روسو) في نظريته العقد الإجتماعي, وهي صيغة يرى فيها معدو الوثيقة الوصفة الأفضل لتعزيز بنية العائلة الفلسطينية الكبيرة والإطار الوطني العام في الحاضر والمستقبل والشراكة في النضال الموحد ضد اخر احتلال في التاريخ.
و رغم الزخم الإعلامي الذي صاحب إصدار هذه الوثيقة عام2009م إلا أنه غلب عليه طابع الخطاب الموجه للخارج أكثر منه للداخل فضلاً عن مخاطبة النخبة دون الإهتمام بالقاعدة الشعبية التي تشكل الحاضنة الطبيعية الدافئة لمثل هذه المبادرات, علاوة عن مجهولية المبادرة في الوسط الفلسطيني بوجه عام و المجتمع الإسلامي منه على وجه الخصوص.
لذلك جاءت هذه الدراسة لتقدم هذه الوثيقة في عرض مبسط للرأي العام الوطني والإسلامي على حد سواء والموقف المطلوب منه لحشد الدعم للمبادرة وانجاحها لتشكل رافعة للبناء الذاتي الفلسطيني ولعملية التحرر الوطني المنشود.
** كايروس : الفكرة - المبادرة... والسياق الفلسطيني :
كايروس هي كلمة مقتبسة من اللغة اليونانية القديمة وتعني بالعربية "هذه اللحظة من الوقت", وفكرة الوثيقة كما أسلفنا –جنوب افريقية المنطلق فلسطينية المحاكاة والتقليد, وتعني في القاموس الجنوب افريقي أنه حانت لحظة انهاء التمييز العنصري للأقلية البيضاء ضد الأغلبية السوداء على خلفية اللون, وفي القاموس الفلسطيني تعني حان الوقت للعمل من أجل السلام العادل في فلسطين وإنهاء الاحتلال الاسرائيلي الصهيوني ووضع حد لمعاناة الشعب الفلسطيني ومأساته.
و تتشابه الوثيقتان من حيث الفكرة والمبادرة، فكايروس جنوب افريقيا بدأت بمجموعة من الشخصيات الدينية والوطنية على أرضية إنهاء الأبارتهايد ضد الأغلبية السوداء الممارس بسادية من الأقلية البيضاء وحلفائها, وكايروس فلسطين أيضاً بدأت بائتلاف مجموعة من قيادات مسيحية فلسطينية دينية وعلمانية تمثل ألوان الطيف الفلسطيني المسيحي على أرضية انهاء الاحتلال و انجاز الاستقلال الوطني.
وعن خلفية اعداد هذه الوثيقة يقول معدوها أنها صرخة أمل تداعي لها مجموعة من الفلسطينيين المسيحيين بعد الصلاة والتفكير والتشاور وتبادل الرأي في معاناة بلادهم وشعبهم تحت الإحتلال انطلاقاً من ايمانهم المسيحي والوطني معاً بعد وصول مأساة شعبهم الفلسطيني إلى طريق مسدود دون أي أفق حقيقي لحلها وأن ما يطرح هو إدارة للأزمة ليس إلا, وبالتالي, كانت هذه المبادرة للجميع وتحمل رسالة للكل الفلسطيني الإسلامي والمسيحي وللإحتلال وللكنائس وللمجتمع الدولي قاطبة أن القضية الفلسطينية ليست سياسية فحسب بل هي سياسة يدمر فيها الانسان في الأرض المقدسة لجميع الديانات.
الوثيقة التي أعدت في دائرة مغلقة و في جو من السرية لتجنب أي ضغوط قد تمارس على معديها أعلنت في دار الندوة بمدينة بيت لحم مهد السيد المسيح بحضور معديها الى جانب قيادات مسيحية وطنية وعالمية (نحو خمسين مسؤولاً كنيسا من دول عديدة) وعدد من الضيوف من بعض الدول العربية والأجنبية وممثلين أيضأ عن الوسطين الإسلامي واليهودي ، كشف فيها معدوها أنهم صاغوها من خلال نقاش مستمر مسترشدين بإيمانهم وحبهم لشعبهم ومستمدين النصح من الكثير من الخيرين من الفلسطينيين والعرب والعالم للوصول بها إلى أرقى صيغة وبصورتها الحالية.
و أكد معدو الوثيقة أنها مظلة للعمل الوطني المسيحي وصوتاً وطنياً معبراً عن طموحات المسيحيين الفلسطينيين بالاطار الوطني الأوسع وبعيداً عن الطائفية والفئوية الدينية.
و يرنو معدو الوثيقة إلى أن تحقق الوثيقة أهدافها تماماً كما حصل مع نظيرتها الجنوب افريقية لتكون رافعة وأداة للنضال ضد الظلم والإحتلال الصهيوني وسياسة التمييز العنصري الذي يمارسها وخلاص من هذا الإحتلال، و بخلاصه سيعم السلام والإستقرار للمنطقة بأسرها بل العالم أيضاً.
** مضامين الوثيقة :
الوثيقة كبيرة الحجم نسبياً و يبدو أن القائمين عليها أرادوها أن تكون كاملة وشاملة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً ويعكس ذلك التأني في إعدادها حيث استغرق ذلك نحو العامين بهدف الروية والتجويد لتكون في مستوى اللحظة التاريخية ولتكون خطاباً عقلانياً ومقبولاً في الأوساط المحلية والدولية على السواء, وقد توزعت بنودها بعد الديباجة التي عكست فلسفة الوثيقة على محاور عدة بين سياسية ودينية, داخلية وخارجية, بيد أن الروح المسيحية الوطنية والضمير الإنساني والأخلاقي كان حاضرا دوما في ثناياها ويظلل سطورها.
ومن أبرز هذه المحاور الرئيسة ما يلي:-
1. توصيف الواقع في فلسطين : شخصت الوثيقة الواقع الفلسطيني بصراحة ووضوح دون تنميق أو تجميل بوصفها هذا الواقع" يقولون سلام سلام ولا سلام" وفصلت بمرارة وألم جوانب هذا الواقع حيث فشل عملية السلام والتسوية واستمرار الإحتلال الصهيوني وتوسعه وتمزيق الوطن جغرافيا سواء بإقامة جدار الفصل العنصري الذي حول المدن الفلسطينية إلى كانتونات أو عزل غزة ومحاصرتها واستمرار عملية الاستيطان والتهويد وإقامة الحواجز العسكرية المذلة للفلسطينيين وإغلاق المعابر للعالم والفصل بين العوائل الفلسطينية ونهب الخيرات والموارد الطبيعية ومحاربة الحرية الدينية للمسلمين والمسيحيين على السواء والحيلولة دون وصولهم لمقدساتهم وتهويد و أسرلة القدس واستمرار مأساة الأسرى واللاجئين في مخيماتهم, كما تطرقت الوثيقة إلى الأهل في الـــ 48 وسياسة التمييز الإسرائيلية الممنهجة ضدهم.
وبينت الوثيقة أن هذا الواقع يتم في ظل ضرب اسرائيل عرض الحائط بالشرعية الدولية في ظل عجز عربي وعالمي مما دفع بأبناء الشعب الفلسطيني سيما المسيحيين إلى الهجرة للخارج مما يهدد كينونتهم كجزء من الشعب وهويته الوطنية وتفريغ الأرض من أصحابها الحقيقيين.
وفي لفتة مثيرة للإعجاب والاقرار بالشجاعة حيت الوثيقة المقاومة الفلسطينية بما فيها المسلحة واعتبرتها حقاً مشروعاً لشعبنا وفندت الرواية الاسرائيلية بوصفها إرهاباً بنصها على أنها ليست قضية حرب على الإرهاب وإنما قضية احتلال إسرائيلي ومقاومة فلسطينية مشروعة لوضع حد له, وتكررت هذه اللفتة أيضاً في ادانة الوثيقة للإنقسام الداخلي الفلسطيني ووصفته بكارثة الصراع الداخلي محملة الأسرة الدولية مسؤوليته لرفضها التعامل مع نتائج انتخابات 2006 الديمقراطية وعدم احترامها ارادة الشعب الفلسطيني داعية القيادات الفلسطينية لإنهاء هذا الانقسام اللامبرر وانجاز الوحدة الوطنية والقفز عن المصالح الحزبية من أجل الخير العام لشعبنا وقضيته.
وهذا التوصيف هو الواقع بعينه ولا يختلف عليه اثنان من أبناء شعبنا الذين يكتوون بنار الاحتلال صباح مساء من جهة و بلهيب الانقسام الأليم من جهة أخرى، وجاءت الوثيقة على هذا النحو عاكسة حقيقية وشاملة للموقف الوطني بكل موضوعية ودون انحياز أو افراط أو تفريط.
2- كلمة المسيحية الفلسطينية... كلمة إيمان ورجاء ومحبة:-
أكدت الوثيقة أن كلمة المسيحيين الفلسطينيين في ظل الواقع السابق الذي وصفته بالنكبة هي كلمة الإيمان والرجاء والمحبة.
أ- الإيمان: وهو إيمان بالله الواحد الأحد خالق الكون والإنسان وأن كرامته من كرامته تعالى وأن الله خلق الناس لا لنتخاصم وتقتتل بل لتتعارف وتتحاب فيما بينها على قاعدة الاحترام المتبادل, وعرجت هنا الوثيقة على العقيدة المسيحية القائمة ( الاب والابن والروح القدس) وتعاليم السيد المسيح عليه السلام مبينة أن كلمة الله هي الحب والسلام والعناية بالشعوب والأفراد خلافاً لبعض التفاسير الأصولية التي تحمل الموت والدمار حينما تجمد كلمة الله فتستعمل سلاحاً في حاضرنا , يحرمنا من حقنا في أرضنا.
وأوضحت الوثيقة أن لأرضنا الفلسطينية مهد الديانات السماوية الثلاث رسالة كونية شاملة وهذه الرسالة ليست عنواناً لبرنامج سياسي وانما مقدمة لخلاص كوني شامل يتمثل في تحقيق ملكوت الله على الأرض.
وأكدت الوثيقة على أن الوجود الفلسطيني (مسيحي وإسلامي) في الأرض المقدسة ليس طارئاً بل جذوره ضاربة في عمق التاريخ والجغرافيا وقد وقع على شعبنا ظلم من الاحتلال الذي هجر شعبنا وحل محله بدعم غربي, وفي إشارة إلى وعد بلفور لليهود ودعم دول غربية له انتقدت الوثيقة ذلك بشدة بنصها" أراد الغرب أن يعوض عما أقترف هو في حق اليهود في أوروبا فقام بالتعويض على حسابنا وفي أرضنا, حاول تصحيح الظلم فنتج عنه ظلم جديد" .
وفي موقف ديني متقدم هاجمت الوثيقة بعض التفسيرات اللاهوتية الغربية التي تحاول أن تضفى على هذا الظلم الذي لحق بشعبنا شرعية لاهوتية وكتابية (انجيلية) داعية هؤلاء النفر من اللاهوتيين المشوهين إلى تعميق الفكر في كلمة الله وتصويب تفسيراتهم حتى يروا في كلمة الله مصدر حياة لكل الشعوب.
واعتبرت الوثيقة من زاوية دينية أن الإحتلال الصهيوني لفلسطين هو خطيئة ضد الله وضد الإنسان وأن أي لاهوت يدعي الاستناد إلى الكتاب المقدس أو الدين لتبرير هذا الإحتلال بعيد كل البعد عن تعاليم الكنيسة مشددة على أن ذلك ظلم سياسي و لاهوتي على السواء.
ب- الرجاء:- أشارت الوثيقة بتشاؤم لحل قريب للقضية الفلسطينية وإنهاء الإحتلال رغم توالي المفاوضات والمبادرات المختلفة بيد أنها شددت على الأمل في المستقبل بنصها" يبقى رجاؤنا قوياً لأنه رجاء في الله يستند إلى الإيمان به " , وأوضحت أن هذا الرجاء هو مصدر الهام للمستقبل ولإرادة الصمود والبقاء والسعي لتغيير الواقع المر بسبب اصرار الإحتلال ورفضه لحل الصراع.
وأشارت الوثيقة إلى علامات هذا الرجاء و المتمثلة في الكنيسة في فلسطين بأنواعها ومذاهبها المختلفة، والتي رأت فيها بالرغم من انقساماتها وضعفها تسند هذا الرجاء برعاياها ومؤسساتها وصلاتها ورسالتها علاوة على الحوارات المستمرة بيت اتباع الديانات السماوية الثلاث سواء على مستوى النخبة أو القاعدة إلى جانب صمود الأجيال واستمرار الذاكرة وتزايد معسكر السلام والمصالحة وتحقيق العدل سواء في أوساط شعبنا أو شعب الإحتلال أو العالم اذ أنه رغم عدم قدرته على تغيير الواقع إلا أنه طاقة تقصر زمن المعاناة وتسرع بالحل المنشود.
وشددت الوثيقة هنا على دور رسالة الكنيسة الفلسطينية التي وصفته بدعامة العدل والحقيقة وكرامة الإنسان سواء كرامته نفسه أو كرامة خصمه وليس دورها كمؤسسة دينية دعم وتأييد نظام سياسي ظالم مؤكدة على الكنيسة أن ترفع صوتها ضد الظلم رغم أن بعضهم يودون لو تبقى في صمتها متقوقعة في عباداتها , وأن الواقع الذي تعيشه الكنيسة الفلسطينية تحت الاحتلال جعلها تصقل تجربتها وإيمانها لتكون قوة المحبة بدل قوة الإنتقام وثقافة الحياة بدل ثقافة الموت، و في نفس الوقت كنيسة شاهدة وصامدة وفاعلة في الأرض المقدسة وأرض القيامة.
ج- المحبة:-
دعت الوثيقة إلى نشر المحبة لتشمل الأصدقاء والأعداء لتقوم بإصلاح الشر ووقف الإعتداء وليس الإستسلام له, و وصفت الوثيقة الإحتلال الإسرائيلي بأنه شر مطلق وخطيئة ويجب مقاومته والتصدي له وأعتبرت ذلك جزءاً من رسالة المحبة المسيحية وإن مسؤولية ذلك تقع أولاً على الفلسطينيين أنفسهم ثم على المجتمع الدولي داعية الإحتلال إلى مراجعة ذاته والتراجع عن الظلم الذي أوقعه على غيره .
و أوضحت الوثيقة موقفها من المقاومة الفلسطينية للإحتلال بشجاعة فائقة و بشكل صريح وشفاف لا يقبل التأويل واعتبرته خياراً مسيحياً و حق و واجب على المسيحي كما شقيقه المسلم, ورغم أنها أشارت إلى المقاومة المبدعة والسلمية حسب منطق المحبة لوقف الظلم واسترداد الأرض والحرية والكرامة كنوع من الذكاء السياسي لتفادي الصدام المباشر مع الإحتلال وحلفائه وتفادي تهمة التحريض على العنف والإرهاب إلا أن الوثيقة انحنت بتبجيل واحترام للشهداء الذين مارسوا المقاومة المسلحة ضد الإحتلال وبذلوا أرواحهم رخيصة في سبيل الوطن داعية المواطنين الفلسطينيين إلى الإستعداد للدفاع عن كرامتهم وأرضهم وحريتهم .
وقدمت الوثيقة التحية لحملات المقاطعة الدولية بأنواعها السياسية والإقتصادية والثقافية...وغيرها ضد إسرائيل وإحتلالها واصفة الإحتلال بأنه الإرهاب بعينه ومصدره الأصلي موجهة رسالة للإسرائيليين إما نواصل العنف لنهلك فيه معاً أو نتجه لسلام ننعم به سوياً والبداية هو إنهاء الإحتلال وظلمه.
3- رسالة لأبناء فلسطين (مسيحيين ومسلمين):-
أ - للمسيحيين:-
خاطبت الوثيقة المسيحيين الفلسطينيين بقولها " نحن عددنا قليل ولكن رسالتنا كبيرة ومهمة أننا جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني وشركاء وطن ونضال, فأخي أسير فأنا أسير مثله وأخي قُتل فأنا مقتول وأخي دمر منزله فمنزلي هو المدمر" , وحثت الوثيقة المسيحيين في فلسطين على الصمود والتشبت بأرضهم كما هو حالهم في هذه الديار عبر قرون طويلة وجيلاً بعد جيل, ودعتهم إلى التمسك بالأمل والصبر والصمود وإن المستقبل لهم ولشعبهم رغم الأشواك والطريق المظلم والمسدود حالياً.
وفي مراجعة شجاعة للذات ولمسيرة المشاركة المسيحية في النضال الوطني الطويل أشارت الوثيقة ضمناً إلى نوع من التقصير السلبي في هذه المسيرة بقولها" قد نكون أفراداً أو رؤساء كنيسة قد صمتنا في حين كان يجب أن يرتفع صوتنا ليندد بالظلم ويشارك في المعاناة, هو زمن توبة عن الصمت وعن اللامبالاة وعن عدم المشاركة وهجرة الأرض " ، و دعت الوثيقة المسيحيين إلى نشر المحبة في الأرض للمسلم واليهودي وللعالمين للوصول إلى حل عادل في الأرض المقدسة.
ب - للمسلمين:-
وصفت الوثيقة المسلمين في فلسطين بالأخوة والجيران وزملاء العمل ورفقاء الدرب في كل مجالات الحياة, وأبناء شعب واحد ووطن واحد ولغة واحدة وتقاليد ومعاناة وقضية واحدة ومصير مشترك وأن التاريخ صاغهم مجتمعاً واحداً وكياناً واحداً لا يقبل القسمة على اثنين.
وأكدت الوثيقة على المسؤولية المشتركة للمسلمين والمسيحيين تجاه بعضهم البعض بنصها" نحن مسؤولون بعضنا عن بعض أمام العالم ونقف للدفاع عن بعضنا البعض في وجه من يريد أن يشوه تاريخنا, وأن العالم ينظر إلينا ويستقوي علينا بانقساماتنا ويتسلل الينا من خلال طائفياتنا وعشائرياتنا ليزرع الفتن بيننا أو يؤججها ومن ثم يتفرج علينا نتقاتل ليأتي بعد ذلك بلؤم ونفاق وخبث ليصنع السلام بيننا وفق مصالحه وأنانياته.
ودعت الوثيقة المسلمين إلى المحبة والعيش المشترك والتخلص من التعصب والتطرف ومواجهته حيث يؤدي إلى الاقصاء والموت وتدفع الأقليات الدينية الثمن الأكبر لهذا التطرف حيث أضحى الشرق مهدداً أن يصبح خالياً من التعددية التي كانت ويجب أن تبقى سمة رئيسة له, مبنية أن التطرف انحراف عن رسالة الأديان السماوية وتشويه لها و أن التراث الديني المشترك يدعو للتعارف والتعاون والتوادد, حاثة المسلمين على محاربة هذا التطرف معاً من خلال تعزيز الحوار والتلاقي واحترام التنوع والإختلاف على قاعدة المواطنة الصالحة والمساواة في الحقوق والواجبات والحريات والتسامح والاخاء وتكريس ذلك من خلال التربية الملتزمة والمناهج الدراسية و الاعلام الهادف وأن ذلك ينطبق على المسلمين والمسيحيين على السواء,
وقد أقرت الوثيقة بمسؤولية دينية ووطنية مقدرة ومسؤولة " أنه في التاريخ المسيحي حقبات من التعصب والقتل باسم الدين وأن البيت المسيحي لا يخلو ممن يروجون لثقافة التكفير والاقصاء وممن يستخدمون الدين لأغراض سياسية أنانية, فالتطرف لادين له وهو ليس حكراً على أتباع دين ما دون سواه "، وأردفت الوثيقة ذلك بالتزام صريح بمحاربة ذلك بنصها" نحن نتعهد بالاستمرار في محاسبة أنفسنا وتطهير بيتنا ولاهوتنا من أي مظهر من مظاهر التطرف الديني معاً سنواجه كل تطرف يهدد مستقبل أرضنا وقدسية الأديان فيها".
وأضافت الوثيقة أن التطرف الذي تمر به منطقتنا وثقافة العزل والتكفير والتعصب من شأنها أن تحِّيد مسارنا عن همنا الأول والرئيس فلسطينيين وعرباً وهو زوال الإحتلال وتقرير المصير, ودعت الوثيقة إلى دولة مستقبلية لكل مواطنيها في فلسطين وليست دولة دينية سواء كانت يهودية أو إسلامية تقوم على احترام الدين ولكن أيضاً على المساواة والعدل والحرية والتعددية بعيداً عن السيطرة العددية أو الدينية وذلك في مبادرة مدروسة وهادفة إلى المحافظة على المكون المسيحي الصغير وسط المكونين الإسلامي واليهودي اللذين يشكلان أغلبية في فلسطين التاريخية المعاصرة علاوة على أن فلسطين هي منبع المسيحية وأقدس الأماكن المسيحية في العالم.
4- رسالة لليهود و الإسرائليين:-
خاطبت الوثيقة اليهود لمراجعة الذات ومسارهم الحالي الذي لم يفض إلا للكراهية والدمار والدماء بقولها " لقد إقتتلنا ولا زلنا نقتتل إلا أننا قادرون اليوم وغداً على المحبة والعيش معاً وقادرون على تنظيم حياتنا السياسية بكل تعقيداتها بمنطق هذه المحبة وبقوتها بعد إزالة الإحتلال وإقامة العدل", واعتبرت الوثيقة ذلك المنفذ الوحيد للسلم والاستقرار في المنطقة داعية الإسرائيليين إلى تجنب السير في مناورات سياسية لا تنتهي ولا هدف لها سوى إبقاء الحال على ما هو عليه, والسير معاً نحو رؤية جديدة قائمة على المساواة والمشاركة لا على الاستعلاء أو انكار الأخر أو الإعتداء بحجة الخوف والأمن, وبالتالي السلام ممكن والمصالحة النهائية ممكنة وبذلك يتحقق العدل والأمن للجميع.
وحثت الوثيقة القيادات الدينية اليهودية للدفاع عن الإنسان المظلوم وعن الكرامة التي منحها الله للإنسان والسمو فوق المواقف السياسية التي أخفقت حتى الآن ومازالت تسير بالجميع في طريق الاخفاق والمعاناة.
وانتقدت الوثيقة بشدة يهودية الدولة الإسرائيلية باعتبارها تخنق الدولة وتحصرها في حدود ضيقة وتجعلها دولة تفضّل مواطناً على مواطن وتستثني وتفرق بين مواطنيها داعية أن تكون دولة لكل مواطنيها.
5- كلمة لكنائس العالم:-
توزعت هذه الكلمة التي تخاطب الوثيقة فيها جميع كنائس العالم بين شكر لجزء منها ونقد حاد لجزء ثان ودعوة مشتركة للجميع, وقد صيغت هذه الكلمة بميزان لاهوتي وسياسي دقيق وواع للغاية وتعبر بحق ليس عن الموقف الفلسطيني المسيحي من هذه الكنائس وانما عن الشعب الفلسطيني برمته، ففي بدايتها شكرت الوثيقة الكنائس التي تضامنت مع قضية شعبنا قولاً وعملاً وأيدت الحق الفلسطيني في التحرر وتقرير المصير, وقد تحملت هذه الكنائس ما تحملت من ضغوط بسبب هذه المواقف النبيلة المناصرة للحق والعدل.
وهاجمت الوثيقة بلباقة مواقف العديد من الكنائس الداعمة لإسرائيل المحتلة على حساب الإنسان الفلسطيني المظلوم مستندة لمواقف لاهوتية أصولية خاطئة داعية هذه الكنائس ومسؤوليها إلى التوبة وإعادة النظر في مواقفها لإبقاء كلمة الله بشرى سارة للجميع لا لتحويلها لسلاح يفتك بالمظلوم لأن الله تعالى ليس حليفاً لأحد ولا خصماً مع أحد في وجه أحد.
ودعت الوثيقة الكنائس عموماً إلى عدم منح أي غطاء لاهوتي للظلم الذي يعيشه شعبنا أو لخطيئة الإحتلال وأن يعملوا على إستعادة شعبنا لحريته ودعم التوصل إلى سلام عادل, وأن لا يحكموا على واقعنا عن بعد بل عليهم أن يحضروا لفلسطين كزائرين أو كحجاج لتقصي الحقيقة من مصدرها واكتشاف الانسان الإسرائيلي والفلسطيني معاً, وأدانت الوثيقة كل أشكال العنصرية الدينية والعرقية للجميع بما فيها المعاداة للسامية وكراهية المسلمين(الاسلاموفوبيا) داعية الكنائس ومسؤوليها إلى قول كلمة حق واتخاذ موقف حق من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وممارسة الضغوط على الإحتلال بما في ذلك استخدام سلاح المقاطعة وسحب الاستثمارات وغيرها من الوسائل اللاعنفية.
وهي كلمة مؤثرة من جهة واستفزازية من جهة أخرى للضمير المسيحي والكنسي ذي التأثير العالمي القوي لمغادرة مربع الحيادية إلى الجهر بالحق والاشارة للظالم بوضوح انسجاماً مع تعاليم المسيحية والإله الخالق, كما مايزت الوثيقة بين انتمائها للكنائس والمسيحية عموماً وبين انحيازها لقضية شعبها المظلوم والعادلة وجعلت الكنيسة الفلسطينية كنيسة وطنية بامتياز وليست كنيسة منسلخة عن بيئتها وعن رعيتها الفلسطينية رغم محاولات تدجينها وشطب وطنيتها وعروبتها على أرضها التاريخية.
6- كلمة للأسرة الدولية:-
دعت الوثيقة المجتمع الدولي لاحترام ارادة شعبنا الفلسطيني وعدم التدخل في شؤونه الداخلية والكف عن سياسة الكل بمكالين وتطبيق القانون الدولي والقرارات الدولية على الجميع بما فيها الإحتلال الإسرائيلي بعيداً عن شريعة الغاب التي تفتح المجال للعنف والعنف المضاد, وأهابت الوثيقة بالمجتمع الدولي على حمل اسرائيل عنوة على الإلتزام بالشرعية الدولية من خلال تطبيق نظام عقوبات فاعل عليها لارغامها على إنهاء احتلالها لفلسطين والأراضي العربية وتحقيق السلام والأمن للجميع.
و خصت الوثيقة القدس بأهمية استثنائية حيث دعت المجتمع الدولي لجعلها مصدر الهام لحل القضية الفلسطينية نظراً لقداستها ورسالتها للديانات الثلاث لتكون أرضاً جديدة في أرض الله.
و ختمت الوثيقة برجاء إيماني (صرخة أمل) رغم غياب الأمل بأن نهاية هذه المعاناة حتمية بانتصار الخير على الشر والكراهية والدماء وأن الخير مصدره الله الصالح والعادل وإن المستقبل لأرض جديدة وانسان جديد.
** أصداء الوثيقة و ردود الأفعال عليها :
منذ صدور الوثيقة عام2009 كان هنالك تفاعلاً دولياً وإقليمياً ومحلياً هاماً معها وكان لها ولايزال صدىً مدوياً ساد أغلبه الدعم والتأييد لها سيما في الأوساط المسيحية العالمية إذ أنه – و ربما لأول مرة - يُخاطب العالم عموماً والمسيحي منه على وجه الخصوص بصوت فلسطيني مسيحي صرف لعرض المظلمة الفلسطينية بروح لاهوتية سياسية إنسانية جامعة، وفيما يلي نستعرض أبرز وأهم ردود الأفعال هذه:-
ا0 دوليـــــــــــــــــــــاً:
+ القارة الافريقية :
-جنوب افريقيا: البلد صاحب وثيقة كايروس الأصل حيث أصدر مجلس الكنائس فيها بياناً أعلن دعمه الكامل لوثيقة كايروس فلسطين وتبني توصياتها سيما الدعوة لمقاطعة اسرائيل حاثاً جميع الكنائس فيه للإلتزام بذلك طالباً من الشعب الفلسطيني الصفح والتوبة عن قصورهم السابق في دعم قضيته, وتجلى ذلك في دعوة أعضاء الوثيقة الفلسطينية لاحتفالات الذكرى الـــ 25 لصدور وثيقتهم .
- كنائس افريقيا :- أكد مجلس كنائس عموم افريقيا تأييده لوثيقة كايروس فلسطين وأن نضال الشعب الفلسطيني هو نضالهم وأن القضية الفلسطينية قضيتهم .
+ القارة الأوربية:-
- بريطانيا: شكلت مجموعة من الكنائس والمؤسسات والشخصيات في بريطانيا شبكة لدعم كايروس فلسطين, وحصلت توأمة أولية بين كايروس فلسطين ومؤسسة " أموس ترست" وهي مبادرة بريطانية تحمل شعار(سلام عادل لفلسطين) لحشد الرأي العام البريطاني لإنهاء الإحتلال ودعم السلام والعدل في فلسطين وتحمل شعار كايروس فلسطين " نحن الآن في لحظة حق ومطالبون برفع صوتنا ".
- هولندا: الكنيسة البروتستانية فيها كانت في السابق من أكثر الكنائس تأييداً لإسرائيل، و بعد نشر الوثيقة حدث تحول كبير في موقفها و قامت بترجمتها إلى اللغة الهولندية، وبتاريخ17/2/2010م وجهت رسالة رسمية للحكومة الإسرائيلية من خلال سفيرها في هولندا طالبت فيها ألا يكون أمن إسرائيل على حساب حقوق الشعب الفلسطيني، وأدانت الكنيسة تشييد جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية وآثاره المأساوية على الفلسطينيين من حيث سلب أراضيهم وتدمير منازلهم ومزارعهم وطالبوا الحكومة الإسرائيلية بالإلتزام وتنفيذ قرار محكمة العدل الدولية بعدم قانونيته وتعويض المتضررين منه, ودعت إسرائيل إلى منح الفلسطينيين الحق في البناء في مناطقهم الواقعة في منطقتي ب, ج وفقاً لاتفاق أوسلو داعية المجتمع الدولي إلى تطبيق العدل والقانون بين الفلسطينيين واليهود، و تبع ذلك إصدار مجلس الكنائس البروتستانية فيها بياناً لدراسة خيار سحب استثماراتهم من الشركات التي تدعم الإحتلال الإسرائيلي.
- ألمانيا:- قام مجلس الكنائس البروتستانية فيها بإرسال رسالة تأييد ودعم لمعدي الوثيقة ودعى لتبني مقاطعة إسرائيل الواردة في الوثيقة داعياً اسرائيل لإنهاء إحتلالها لفلسطين والكنائس الألمانية لتنفيذ ذلك.
- الدول الاسكندنافية( النرويج-السويد-الدنمارك): قامت هذه الدول بترجمة هذه الوثيقة للغاتها المحلية وتعميمها وعلاوة على ذلك قام مجلس كنائس النرويج والكنيسة اللوثرية فيه بتبني الوثيقة في مؤتمر بالعاصمة أوسلو، والحال ذاته في العاصمة السويدية ستوكهولم والعاصمة الفنلندية هلسنكي, ودعم مماثل من الدنمارك سيما من اتحاد الشباب المسيحي فيه.
- ايطاليا:- نظمت مؤسسة سلام المسيح فيها عام 2010 مهرجان انطلاقة ثانية للوثيقة.
+ القارة الأمريكية:-
-الولايات المتحدة: حيث دعا رئيس الكنيسة اللوثرية فيها للوقوف مع محنة الشعب الفلسطيني وتبني وثيقة كايروس الفلسطينية على المستوى الأمريكي والعالمي وقد تبعها في ذلك عدد من الكنائس الأخرى كالكنيسة الميثودية وكنيسة المسيح المخلص ...وغيرها.
- كندا: أعلنت الكنيسة الكندية المتحدة احدى أكبر الكنائس في كندا عن دعمها للوثيقة ولتطبيق توصياتها.
-وفي دول أمريكا اللاتينية: قامت البرازيل ودول عديدة بإطلاق الوثيقة ودعمها وأرسلت وفوداً إلى فلسطين لمعاينة المأساة والمعاناة الفلسطينية.
وهنالك مواقف مماثلة في الدعم والتأييد من دول عديدة كالهند وفرنسا وسويسرا وماليزيا وإندونيسيا وأستراليا واسيا, وكان أبرزها من الفلبين وشبكة السلام من أجل الحياة فيها وهي شبكة عالمية تضم العديد من الأديان والقوميات ومقرها العاصمة مانيلا حيث تبنت الشبكة الوثيقة ودعت أعضاءها للشروع في تعميمها وتطبيق توصياتها.
- مجلس الكنائس العالمي, فقد سارع هذا المجلس إلى تبني الوثيقة وتوصياتها أيضاً وخاطب المجلس الكنائس القارية في قارات العالم الست لتبنيها والإسراع بذلك معتبراً الوثيقة إعلاناً تاريخياً ومحطة رئيسية في تاريخ المعاناة الفلسطينية، والحال ذاته مع مجلس كنائس الشرق الأوسط.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد, بل تطور إلى تشكيل أطر دائمة لدعم الوثيقة وتوصياتها, وقد تجلى ذلك من خلال تأسيس حركة دولية داعمة للوثيقة سميت بــــ " الكايروس الدولي للعدالة" Global kairos groupتتولى التعريف بها ونشرها في شتى بلدان العالم خصوصاً الدول الأعضاء في الحركة (حيث تمت ترجمتها لأكثر من عشرين لغة) ومراقبة تطبيق توصياتها لتقديم دعم عملي وفعلي ناصر للشعب الفلسطيني المظلوم.
ب - عربيــــــــــا ً: الواضح أن مستوى التعريف بها ونشرها في العالم العربي ودوله محدود ودون المطلوب، وبالرغم من ذلك فإن هنالك العديد من رسائل الدعم والتأييد للوثيقة وتوصياتها ويبدو أن ذلك راجع إلى محدودية تأثير العالم العربي في الضغط على إسرائيل مقارنة بالمجتمع المسيحي الغربي والدول الغربية.
ج - وطنيـــــــــــاً : فقد كان واضحاً الدعم الرسمي والشعبي لها على حدٍ سواء وإن كان منحصراً في المستوى النخبوي أو المسيحي الى حد كبير, فقد نالت الوثيقة تأييدا من رؤساء الكنائس في القدس لها رغم الحذر الشديد في الترويج و التنظير لها خشية ردة فعل اسرائيل عليهم وسحب اعترافها بهم سيما أن أغلبيتهم غير فلسطينيين و مرتبطون بمرجعياتهم في الخارج ، وقد صرح رئيس الوزراء السابق سلام فياض من جانبه أن الوثيقة هي رسالة الفلسطينيين جميعاً للعالم, فيما نظمت لقاءات عديدة مع الفصائل الفلسطينية وأخرى شعبية بمشاركات محلية مختلفة، غير أن الوثيقة لم تأخذ الزخم الوطني الكبير المطلوب باعتبارها فلسطينية المنشأ والمنبع وحدثاً وطنياً مفصلياً وتاريخياً هاماً في مسيرة النضال الوطني لدحر الإحتلال وانجاز الإستقلال.
هذا الحراك الدولي والاقليمي والمحلي المتنوع والداعم للوثيقة أثار اللوبي الصهيوني فعمل من خلال مؤسساته المنتشرة في انحاء العالم وأذرعتها السياسية والاعلامية والاجتماعية ...الخ على تشويه موقف الوثيقة لدى الرأي العام المسيحي الدولي والتهديد باعتبارهم لاساميين ويمارسون الارهاب الفكري و السياسي.
بيد أن هذه الأصداء و ردود الفعل التراكمية والمتصاعدة تشكل أرضية منتجة وفاعلة لموقف عالمي متنام وداعم لقضيتنا و ضاغط على اسرائيل ، وله ما بعده من النتائج المستقبلية المبشرة لتحقيق أهداف كايروس وغاياتها باذنه تعالى .
** كايروس فلسطين... نموذج المسيحية الوطنية:
مما لا شك فيه أن مبادرة كايروس ابداع فلسطيني جديد في التصدي للإحتلال الإسرائيلي لبلادنا ولون جديد يضاف إلى ألوان وأشكال النضال الوطني المستمر على مدار زهاء سبعة عقود شارك فيه أبناء فلسطين مسلمين ومسيحيين، بيد أن هذه المبادرة الجريئة تتفرد بأنها مبادرة فلسطينية مسيحية صرفة – و هذا وإن كان يعتبره البعض تغريداً منفرداً خارج السرب الوطني الجامع أو ابرازاً مقصوداً للبعد المسيحي في ظل التناقص الملحوظ لأعداد المسيحيين في فلسطين بسبب ممارسات الإحتلال اللانسانية والتي جعلت الوطن كانتونات داخل سجن كبير- إلا أنها مبادرة تصب في المحصلة في الدائرة الوطنية الأم وفي خدمة المشروع الوطني الجامع وتجسد الإنتماء الوطني الراسخ للمواطنين المسيحيين باقتدار واعجاب, وحتى وإن صدقت رواية البعض بتعمد معدي الوثيقة أن تكون مبادرة مسيحية خالصة لابراز دور الاشقاء المسيحيين ومساهمتهم في مسيرة التحرر الوطني فلا أجد غضاضة في ذلك فهناك مبادرات اسلامية بذاتها وهنالك مبادرات مشتركة والعبرة أن تكون هذه المبادرات روافد في البحيرة الوطنية الكبيرة تماماً كما هي وثيقة كايروس الفلسطينية رافعة حقيقية لنضال شعبنا وابداعاته في المقاومة و مواجهة الإحتلال الغاشم.
فالمسيحية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية والدينية لفلسطين, ففلسطين منشأ المسيحية ومنها انطلقت إلى العالم بأسره وفي رحابها مهد السيد المسيح عليه السلام وفي مدنها تضم أقدم الكنائس والمقدسات المسيحية, والمواطنون المسيحيون هم جزء أصيل من النسيج الإجتماعي الفلسطيني ورغم أقليتهم وسط أغلبية مواطنيهم المسلمين إلا أن لهم حضوراً مشهوداً وأداء متميزاً يفوق عددهم بكثير فهم في الخارطة السياسية والإقتصادية والأكاديمية والتجارية والفنية لبلادنا بل ويمتد هذا الحضور ويتميز في الشتات والمنافي حيث كانوا دوماً ذخراً لبلادهم وقضيتهم وأدوارد سعيد و جورج حبش وكمال ناصر و يوجين قطران وميشيل عبد المسيح و كبوتشى... وغيرهم نماذج ساطعة على ذلك خارج الوطن تماماً كما هو ميشيل صباح, عطاالله حنا ومنويل مسلم وأميل حبيبى وهند خوري ورفعت قسيس ومنيب يونان وحنا ناصر وعيسى طرزي... وغيرهم نماذج مضيئة أخرى داخل الوطن.
الوثيقة التي صيغت بنصوص مؤثرة تخاطب العقل والوجدان والقلب معاً وتسرى فيها متدفقة بروح وطنية صافية وصادقة ومعبرة أكدت على الانغماس الكامل للمواطنين المسيحيين في المشروع الوطني جنباً إلى جنب مع اشقائهم المسلمين, وأن أي تردد أو لا مبالاة أو صمت قد حدث في السابق مرفوض وغير مقبول ولا حياد في مسيرة الوطن بوصفها " نحن جزء من التحديات وشركاء في كل ما حصل ويحصل", وفي موضع آخر من الوثيقة" قد نكون أفراداً أو رؤساء كنيسة قد صمتنا في حين كان يجب أن يرتفع صوتنا ليندد بالظلم ويشارك في المعاناة, هو زمن توبة عن الصمت وعن اللامبالاة وعن عدم المشاركة", وفي انتقاد واضح لانكفاء البعض المسيحي في الدائرة المسيحية فقط بعيداً عن شعبه ككل واندماجه فيه نصت الوثيقة" توبة لاهتماماتنا بمؤسساتنا في بعض الأحيان على حساب رسالتنا, فَلُجِم الصوت النبوي الذي يمنحه الروح للكنائس"
بل ذهب معدو الوثيقة بوطنيتهم أبعد من ذلك بالاشتباك مع بعض الكنائس المتصهينة والتي تستخدم الكتاب المقدس لدعم الظالم ضد المظلوم واعتبرت ذلك استخدامات سياسوية للانجيل وانحرافاً عنه واطلقتها مدوية أن الاحتلال خطيئة ضد الله وضد الناس وعلى المسيحي الفلسطيني مقاومته الى جانب أخيه الفلسطيني المسلم.
ان هذه المراجعات الهامة داخل البيت المسيحي الفلسطيني الداخلي تعكس وعياً متجدداً وشعوراً عاليا بالمسؤولية الوطنية وادراكاً ناضجاً أن الجميع في قارب الوطن الواحد إما ينجون أو يغرقون معاً وأن المصير مشترك.
هذه المسيحية الوطنية النموذج المطلوب من اخواننا و مواطنينا المسيحيين والوثيقة بلا شك التجسيد العملي لذلك، وهي تحتاج إلى وقفة وطنية داعمة لها ولمعديها والى تكريم حقيقي ومشهود لهؤلاء النفر الغياري على شعبهم ووطنهم وقضيتهم.
** رؤية اسلامية للوثيقة:
لو أريد أن يكون لهذه الوثيقة عنواناً اسلامياً لأخترت لها عنوان " وقفة المستضعفين في وجه الظالمين", ولو بحثت عن اطار قرآني لها لما وجدت أنسب من قوله تعالى " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم كانوا يحذرون" سورة القصص (الآيات 5-6)، فالكرامة الإنسانية فلسفة الاسلام والأديان السماوية جمعاء مصداقاً لقوله تعالى " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً " سورة الاسراء الآية 70 والمخاطب هنا قرآنياً هو الإنسان أي انسان على وجه البسيطة بغض النظر عن دينه أو عرقة أو لونه أو خلفيته الاجتماعية أو إقامته , وهي بذلك حق أصيل لشعبنا بمسلميه ومسيحييه وحتى لخصومه اليهود الصهاينة مع الاحتفاظ لشعبنا بحقه في مقاومة هذا الاحتلال وبكل أشكال المقاومة.
والظلم آفة كل شيء في عالمنا الحاضر وعوالم من سبقنا ومن سيأتي بعدنا, والظالم لا دين له ولا انتماء له وهو يعمل ضد رسالة الله العادل العدل وضد كتب رسله وانبيائه أجمعين, وقد حرمه الله على نفسه سبحانه وتعالى في الحديث القدسي" يا عبادي اني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا" فهي دعوة للمؤمنين جميعاً للتعاون على الظالم.
فالوثيقة اسلامية الروح أو مسيحية بروح اسلامية وهذا يعزز أن منبع الأديان السماوية واحد ورسالتها واحدة, وهي تتقاطع تماماً في أهدافها مع أهداف الاسلام في إغاثة الملهوف ونصرة المظلوم ومواجهة الطاغوت كما أكدت الوثيقة في نصوصها".
البعض يريد حرف البوصلة و أن نغرق في تكفير بعضنا البعض ويريد لاختلاف الدين أن يكون جداراً فاصلاً بيننا, وأصوات تريد لنضالنا الوطني أن يرتد للداخل كما حدث في الانقسام السياسي عام2007 ولا يزال– للأسف الشديد- قائماً ومستمراً, ونسوا قول الله تعالى" يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم " النساء -135، و قوله " و أقسطوا إن الله يحب المقسطين" الحجرات – 9 وقوله أيضاً " لا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى" المائدة - 8, وعلى قاعدة "لا إكراه في الدين", و" لكم دينكم ولي دين" وفي ظل العهدة العمرية الخالدة التي أكدت على أن " المواطنين المسيحيين لا يكرهون على دينهم و لا يضار أحد منهم و لا يسكن بايلياء معهم أحد من اليهود " .
الاسلام يحثنا على الالتحام مع هذه الوثيقة من باب التعاون على البر مصداقاً لقوله تعالى " وتعانوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" المائدة – 2 ولا يوجد بر يفوق بر التصدى للظلم, ولا يوجد إثم وعدوان أكبر من هذا الإحتلال الغاشم, ولنا في التاريخ عبر عديدة على هذا التعاون وكيف خاض مسيحيو الشرق إلى جانب اخوانهم المسلمين في جيش صلاح الدين الأيوبي القتال ضد الهجمات الصليبية الغربية التي تدثرت بثوب المسيحية لاخفاء أهدافهم الاستعمارية وسرقة ونهب ثروات المنطقة واحتلالها، ومن باب الوطن الواحد والمواطنة الواحدة.
فالمواطنة تظللنا جميعاً وهي العقد الإجتماعي بيننا والإنسانية تبقى مظلتنا الأم وهذا ما أكدت عليه الوثيقة بأن المعركة في فلسطين ليست بين اليهود والمسلمين وانما بين الإحتلال والمحتل وبين الظالم والمظلوم , بل وذهب معدو الوثيقة - الذين أصفهم بالفدائيين والمقاتلين من أجل الحرية- أبعد من ذلك باعتبار اللاهوت الداعم لإسرائيل لاهوت محرف وخاطئ وأن الإحتلال ضد الدين في خطوة جريئة وتصحيحية قد تقلب الرأي العام المسيحي العالمي المتعاطف تقليدياً مع الإحتلال حيث تهدف الوثيقة لحشد دعم المسيحيين في العالم من أجل قضيتنا, فالعالم المسيحي ومناصروه هو الأكبر في خريطة العالم الدينية والديمغرافية, وبالتالي أفضل من يخاطبه هو إخواننا المسيحيين كما أنه من الأنجع أن نخاطب نحن الفلسطينيين المسلمين العالم الإسلامي لتتكامل الجهود، فالدين محرك أساسي في عالم اليوم وقراراته.
كما أن هذه الوثيقة أضحت اليوم أرضية متميزة لحوار اسلامي مسيحي في فلسطين دائم ومستمر وناجح بل نموذجاً يحتذى في الاقليم والمنطقة أيضاً.
نقول هذه الوثيقة تمثلنا جميعاً مسلمين ومسيحيين وأبناء الإنسانية الصادقين معنا أيضا .
** الموقف المطلوب :
ان مدخل الموقف الإسلامي المطلوب من الوثيقة قوله تعالى" قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم" وأن أفضل كلمة سواء هو مواجهة الظالم والمحتل الإسرائيلي.
لقد نصت الوثيقة على أنها مبادرة كلمة الفلسطينيين المسيحيين انطلقت من قلب المعاناة الفلسطينية وأن خيارهم المسيحي في مواجهة الإحتلال هو المقاومة لوقف الظلم و اجبار الظالم على التراجع عن بغيه وظلمه، وبالتالي فإن معدي كايروس الأبطال لهم علينا حق النصرة كفلسطينيين مسلمين ومن واجبنا الديني والوطني والأخلاقي دعمهم والتعاضد معهم كفريق واحد وأبناء شعب واحد وليس كما يروج الإحتلال بأنهم مجموعة صغيرة راديكالية لا تمثل المسيحيين الفلسطينيين, ونحن نقول له وللعالمين أن كايروس تمثلنا جميعاً وأن معدوها لا يمثلون الفلسطينيين المسيحيين فحسب بل والمسلمين أيضاً وأن الوثيقة تشكل مصدر الهام لنا جميعاً.
نحذر من الوقوع في فخ الفتنة الدينية والسقوط في وحل "فرق تسد" وتأجيج صراع ديني في فلسطين (إسلامي-مسيحي) في وقت تعتبر فلسطين الأرض المقدسة واحة للتسامح والتعايش الديني ونموذجاً راسخاً للاخاء بعض النظر عن موقف أرعن هنا أو أخر مشبوه هناك، فالمسيحيون يا أبناء شعبنا المسلمين هم ملح هذه الأرض وهم أسبق منا في هذه الديار وديانتهم هي الأسبق من ديانتنا, وبلادنا مهد ديانتهم وأن الكثير من عوائلنا وقبائلنا المسلمة اليوم هي مسيحية الأصل.
مسيحيو فلسطين في هذه الوثيقة يدافعون عن القضية الوطنية المشتركة وعن صورتنا الإسلامية ويرفضون العنصرية ضد المسلمين ( الاسلاموفوبيا) أي كراهية المسلمين ويدعون العالم إلى ادانتها ويرفضون وصف المقاومة بالارهاب وإنما دفاع مشروع وحق مكفول, يؤمنون بدولة فلسطينية وتعددية ونحن نؤيد دولة مدنية غير ثيوقراطية, دولة لجميع مواطنيها بعيداً عن التمييز العرقي أو الديني.
البعض في أوساطنا الإسلامية – بكل أسف ومرارة - لا يزال أسير صورة نمطية قديمة بائسة و متخلفة تجاه مواطنيهم المسيحيين بأنهم طابور خامس وامتداد للغرب الصليبي و ربما يضعهم في كفة واحد مع اليهود في مساواة ظالمة بين الضحية والجلاد وبين ابن شعبه و عدوهما المشترك ويتحفظ تجاه أي مبادرة تصدر عنهم وبالتالي سيكون موقفهم الرفض وفي أحسن حال التحفظ تجاه وثيقة كايروس, وهذه النظرة الجاهلية العقيمة وهذا النفر المعزول والمنبوذ يناقض موقفه قوله تعالى" ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين و رهبانا و أنهم لا يستكبرون " المائدة - 82, ولو كان عمر بن الخطاب حياً لكان أول من تبرأ منهم, ولعل غياب اللقاء والحوار مع هؤلاء و عدم تعارفهم و اختلاطهم بمواطنيهم المسيحيين سبباً لهذه الأفكار واستمرارها.
كما أن البعض الاسلامي الأخر للأسف قد يتحسس باعتبار أن الوثيقة مسيحية النشأة وأطلقتها الكنائس الفلسطينية ونسى أن الفضل في السبق لأصحابه والاشقاء المسيحيين هم أصحاب السبق والفضل معاً و هذا يؤكد الشراكة التاريخية والراسخة في النضال الوطني وابداعاتهم في ذلك رغم أصوات الاحتواء والتوجيه المشوهة والاستعمارية لسلخهم عن وطنهم وشعبهم الأم وقضيته الوطنية العادلة ، وجاءت هذه الوثيقة لتثبت بالدليل القاطع و العملي فشل هذه الاصوات ورهانات من يقف خلفها.
المواطنون المسيحيون يقدمون من خلال وثيقة كايروس نموذجاً راقياً في التعامل مع الإختلاف وإدارة الأزمات وتحليل المواقف والانخراط في مشروعهم الوطني كما تفرض عليهم مواطنتهم في وقت تمنع بعض الدول والحكومات الإسلامية ابنائها وشعوبها حتى من التضامن مع فلسطين, فهؤلاء علينا أن نحافظ على وجودهم كما نحافظ على وجودنا وحياتنا.
نداء وثيقة كايروس نداء المظلوم الفلسطيني والمظلومية الفلسطينية, نداء المستضعفين في الأرض المقدسة صادر عن إخواننا وأخواتنا المسيحيين من أبناء فلسطين, ورسالتنا لهم: وصلت رسالتكم، لستم وحدكم نحن معكم, نداؤكم نداؤنا, وصرختكم صرختنا وألمكم ألمنا وأهدافكم أهدافنا وطموحاتكم طموحاتنا, والخندق الواحد يجمعنا.
دقت الساعة للعمل معاً لإنهاء الإحتلال عن بلادنا واجلاء مستوطنيه وتشييد دولتنا الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس نعيش في رحابها أخوة متحابين ومواطنين صالحين ليعم السلام أرض السلام.
أن الإيجاب في المبادرة من المسيحيين الفلسطينيين لاشقائهم ومواطنيهم المسلمين يحتاج إلى قبول(بالمفهوم القانوني) وبالتالي من الواجب أن يكون هنالك موقفاً فلسطينياً اسلامياً واضحاً ومفهوما للوثيقة لتكون وثيقة وطنية جامعة يخاطب فيها الشعب الفلسطيني المظلوم بمسلميه ومسيحييه العالم كل العالم لوضع حد لمعاناته وظلم الاحتلال الغاشم له، وهذه الدراسة ان شاء الله أرضية و نواة لهذا الموقف المطلوب .
هذا ما نريد أن نعمل عليه ونصل إليه ونحققه بجهد الجميع المسيحي والإسلامي ليعود لفلسطين ضياؤها ووهجها وايصال رسالتها للعالمين ليقول العالم كلمة حق وعدل في وجه هذا الاحتلال البغيض وقد حانت هذه اللحظة من الوقت فلنعمل معاً وسوياً.
** رسالتنا لمعدي الوثيقة :
مما لا شك فيه أنكم قمتم بدور وطني بطولي غير مسبوق، وتصديتم لمرحلة مفصلية من تاريخ شعبنا ونضاله العنيد ضد الاحتلال و ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي ونقل قضية شعبكم و وطنكم بلسان مسيحي مبين للعالمين ، ودعوني أذكركم هنا بما قاله القس الجنوب الأفريقي برام هانيكوم في مؤتمر انطلاقة الوثيقة الثالث عام 2012 وهو يخاطبكم " لا تعون تماماً ماعملتوه فأنتم استطعتم وضع القضية الفلسطينية في موقعها الصحيح من اهتمام العالم واستطعتم اعادة تقديم الفلسطينيين للعالم كشعب مكافح ومناضل في سبيل حريته, ومن العار على العالم أن لا يقوم بدعم قضيته العادلة" , وأنا بدوري أقول لهؤلاء الأخوة والأخوات أنكم بهذه الوثيقة أعدتم كتابة تاريخ المسيحية في فلسطين وسطرتم بأحرف الوطن شراكة مصير واحد مع إخوانكم المسلمين وسددتم طعنة نافذة لدعاة الطائفية داخل بيتنا الفلسطيني وخارجه و وقفتم سنداً منيعاً في وجه اللاهوت المنحرف المشوه الداعم زوراً للظلم والاحتلال باسم الرب والدين وطرزتم وثيقة دستورية لوطن منقسم ومظلوم ستتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل وأطلقتم صرخة لا زالت أصداؤها تتردد في أرجاء الكون ولن تتوقف إلا باسترداد سيادتنا الوطنية على مقدساتنا المسيحية والإسلامية على السواء.
كما أؤكد للأخوة في مجموعة كايروس الوطنية الطلائعية: الوثيقة ليست نهاية مشواركم دعوني أقول لكم أنها البداية بعد تحديد مسار البوصلة، مطلوب منكم اليوم أن تشمروا عن سواعدكم وأن تطوروا وتمأسسوا ذاتكم و تعملوا مع الجميع المسيحي والإسلامي على بسط سيادتكم و رفع الوصاية الأجنبية على المقدسات المسيحية وعلى الطوائف المسيحية في بلادنا وتعريب وفلسطنة الكنائس واسنادها لأبناء فلسطين المسيحيين سيما في مدن بيت لحم والقدس والناصرة فأهل مكة أدرى بشعابها تماماً كما هو حال إشراف السعودية على الأماكن المقدسة الإسلامية في مكة والمدينة، فالأمر جزء من سيادتنا الوطنية غير القابل للمساومة، وكذلك الإشراف على مواسم الحج المسيحي وتنظيم استقبال الحجيج إلى الأراضي المقدسة والسياحة الدينية المسيحية عموماً وتغيير الواقع المشوه من حيث إشراف الإحتلال والأجانب على ذلك بعيداً عن أهل الدار ليكون ذلك رافعة اضافية لمشروع التحرر الوطني من خلال تحصين هؤلاء الحجيج من الرواية الإسرائيلية المضللة التي تصور الإحتلال الظالم بحامي حمى المسيحية ومقدساتها، وتزويدهم بحقائق الجغرافيا والتاريخ ومظلومية شعبنا وقضيتنا ليعودوا سفراء لنا في بلادهم ولعل نص الوثيقة الموجه لهؤلاء الحجيج " تعال وأنظر" يصلح عنواناً لهذا الحراك المرجو والمنشود.
نقول لكم أيها الأحبة طوبى لكم وليبارككم الرب وليبارككم شعبكم ووطنكم لاخلاصكم ونبلكم, وستخلدون في تاريخ بلادكم بأحرف من نور وستحفظ الذاكرة الوطنية همتكم وشجاعتكم ووطنيتكم الحقة, وأن شجرة جهدكم ستزهر عاجلاً أم آجلاً حرية واستقلالاً وكرامة وأن الغزاة العابرون سيمضون ويرحلون كما بشر بذلك درويشنا الراحل.
الخاتمــــــــــــة :
مما لا شك فيه أن وثيقة كايروس فلسطين مبادرة رائدة ونوعية وبروح وطنية وبنكهة افريقية تحتاج إلى تبني وطني عريض لتحقيق أهدافها المرجوة، كما أن هذه الوثيقة وفلسفتها - في تقديري - نقطة تحول مفصلية في تاريخ المسيرة الوطنية المسيحية في فلسطين وخط فاصل بين مرحلة تقوقع وإنطواء وتردد سابقة ومرحلة انخراط كامل للفلسطينيين المسيحيين وترسيخ لانتماء وطني تاريخي في مسيرة شعبهم وبلادهم وقضيتهم وبشراكة كاملة مع مواطنيهم وإخوانهم المسلمين.
إن المطلوب اليوم بوضوح تعزيز الوطنية المسيحية في فلسطين وإبراز البعد المسيحي لفلسطين كجزء لا يتجزأ من الهوية الفلسطينية حيث فلسطين منبع الدين المسيحي ومحج المسيحيين في شتى أرجاء العالم من خلال حشد المجتمع المسيحي في مسيرة النضال والبناء الوطني وتطويره أدائه.
أخــــــــــيراً ... كايروس الجنوب افريقية نجحت وحققت أهدافها بامتياز ونجاح منقطع النظير فيما كايروس الفلسطينية أمامها الكثير للعمل، عملنا نحن جميعا مسيحيين و مسلمين ومعنا أمتنا والعالم الحر، وحتماً على موعد مع النصر والحرية فكما هُزم الفصل العنصري في جنوب افريقيا سيهزم هذا الاحتلال العنصري في فلسطين وان لغداً لناظره قريب.
