"رفاق مرح" .. أطفال مرضى الكلى بغزة: فصول المعاناة تختصرها "ماكينة الفلترة"

"رفاق مرح" .. أطفال مرضى الكلى بغزة: فصول المعاناة تختصرها "ماكينة الفلترة"
غزة  - خاص دنيا الوطن - من عبدالله عبيد

في غرفة لا يُسمع فيها إلا صوت أجهزة لا يرى في الأنابيب الموصولة بها من كل صوب وحدب سوى لون الدم، تخترق أجساد هزيلة لأطفال ممدين على أسرتهم يخفون خلف وجوههم البريئة التي استقبلتنا بابتسامة خفية، آلام وآهات وأوجاع عانت طيلة سنوات من مرض "القصور الكلوي" أو ما يعرف بـ"الفشل الكلوي".

أطفال عذّبهم مرض الفشل الكلوي.. لتكن مأساتهم اليومية في غرفة "غسيل الكلى" من داخل مستشفى عبد العزيز الرنتيسي التخصصي، حيث كان ترقد معهم الطفلة "مرح دياب" التي خطفها الموت الشهر الماضي، بعد صراع امتد لعدة سنوات مع هذا المرض، والتي قضت تنتظر السفر للعلاج، لكن كل المحاولات والطرق بائت بالفشل.

يقول والد الطفلة مرح: أن "غسيل الكلى أنهك جسدها الصغير جداً، وأدى إلى خلل في تفاعلاته وإفراز الهرمونات لديها حتى أصبحت لا تقوى على الحراك"، في حين تكمن مشكلتها في عدم وجود متبرع بكليته لها، حيث أن الفحوص الطبية أثبتت أن والديها وأشقاءها لا يصلحون للتبرع لها لاختلاف الأنسجة الطبية ونوع فصيلة الدم، حسب قول والدها.

"مرح" كان لها سريرها الخاص في تلك الغرفة فهي كانت تغسل بشكل يومي منذ 6 أعوام، إلا أن الإغلاق المستمر لمعبر رفح أثر بشكل كبير في حالتها، مما فاقم من وضعها الصحي مؤخراً"، بحسب الطبيب نبيل عياد أخصائي أمراض كلى أطفال بمستشفى الرنتيسي.

وقال عياد لـ"دنيا الوطن"، بأنه كتب تحويلة علاج للخارج للطفلة مرح قبل وفاتها بيومين، مستدركا "لكن الحصار وإغلاق المعبر المستمر أودى بحياتها دون علاجها".

خوف وقلق

وأعرب أهالي الأطفال المصابون بهذا المرض المتواجدين في غرفة غسيل الكلى بمستشفى الرنتيسي، عن قلقهم  وخوفهم على أطفالهم خصوصاً بعد وفاة الطفلة "مرح"، جراء استمرار الحصار على قطاع غزة، حيث أن أغلبهم بحاجة ماسة إلى السفر للخارج للعلاج أو زراعة كلى.

رائد أبو غوطة، شقيق الطفل محمد ابن العشر أعوام، المصاب بمرض "القصور الكلوي"، يقول لمراسل " دنيا الوطن"، أن أخيه محمد بحاجة ماسة إلى السفر لزراعة كلى"، مشيراً إلى أنه مصاب بهذا المرض بعد التهابات الكلى بالحصى الشديدة حين ولادته.

ويضيف أبو غوطة وعلامات القلق قد بدت واضحة على وجهه: بالأمس القريب توفيت الطفلة مرح، حيث كانت تجلس بسرير مجاور لسرير محمد"، معرباً عن بالغ قلقه على شقيقه الأصغر الذي يعاني الويلات من عملية غسيل الكلى.

والطفل محمد من مدينة رفح تبدأ رحلة العذاب اليومية من الساعة الخامسة فجراً، للذهاب إلى مستشفى الرنتيسي الموجودة بالنصر غرب غزة، ليقوم بعملية غسيل كلى من ثلاث إلى خمس ساعات، حيث يشكو من العديد من الأمراض الأخرى التي طرحته على سرير المستشفى.

وفيما يتعلق بعدد المصابين بالفشل الكلوي في قطاع غزة ذكرت وزارة الصحة أن الذين يقومون بعملية غسيل شبه يومي في قطاع غزة, (505) مريضا منهم (380 ذكور) و (125أنثى) , بينهم (20 طفلاً) تصل نسبتهم لـ(4%) يتلقون العلاج في مستشفى عبد العزيز الرنتيسي بغزة والذي يعتبر المركز الوحيد للغسيل الكلوي للأطفال.

معاناة يومية

أما معمر عاشور، والد الطفلة "داليا" التي لم تكمل ربيعها الثامن، والمصابة بمرض الفشل الكلوي، أوضح أن ابنته بدأت عملية الغسيل منذ 6 أشهر، مشيراً إلى أنها تعاني من هذا المرض منذ أن أبصرت عيناها على الحياة.

وعبر عاشور خلال حديثه لمراسل " دنيا الوطن" عن المعاناة اليومية التي يعانيها جراء علمية غسيل الكلى التي يقوم بها شبه يومياً لـ"داليا"، منوهاً إلى أن نفسية ابنته تزداد سوءاً يوماً بعد الآخر، خصوصاً بعد وفاة "مرح دياب".

وتابع: بعد وفاة مرح شعرت بالحزن في عيني داليا، فهي كانت بجانبها وكانوا يداومون يومياً أكثر من ثلاث ساعات، لذلك نفسية الطفلة تأثرت بشكل كبير، ونحن أيضاً ازدادت تخوفاتنا على أطفالنا أكثر من السابق، خصوصاً وأنهم بحاجة ماسة للعلاج إلى الخارج بين الفينة والأخرى".

وبنظرات تعب ويأس باتت واضحة على عيني الطفلة داليا وأنابيب عديدة موصولة بجسدها الهزيل، تنظر إلينا وتقول: نفسي أتعالج وأبطل أتوجع، الإبر كثير بتجعني كل يوم"، وما أن تحدثت بتلك الكلمتين إلا أن دموع والدها قد بدت تسيل شيئاً فشيئاً، ليضيف: مفروض تسافر كل ثلاثة شهور خارج غزة، لكن إغلاق المعبر يقف سداً منيعاً".

ولم تقتصر معاناة المرض على الأطفال المصابين بل تطال ذويهم  نتيجة لشعورهم بالضغوط النفسية التي يعانيها المريض, إضافة إلى ما يحتاجه المريض من رعاية داخل المستشفى وخارجها كذلك لالتزامهم بالبقاء بجوار أبنائهم في البيت والمستشفى وفي أماكن عديدة , ما يضطر بعض أفراد العائلة للبقاء بجوار المريض لمساعدته في قضاء حاجاته نتيجة لصعوبة الحركة التي يواجهها المريض بسبب الغسيل المتكرر للكُلى.

لا توجد أقسام لزراعة الأعضاء

وبحسب الدكتور عياد فإن عدد الحالات المسجلة في قسم أمراض الكلى بمستشفى الرنتيسي تعدت الـ 500 حالة، لافتاً إلى أن عدد الأطفال في قسم "غسيل الكلوي" حوالي 25 حالة يتم لهم عملية الغسيل شبه يومياً، بمعدل 10 حالات يومياً على مدار الأسبوع.

وأوضح لـ"دنيا الوطن" أن الغسيل الكلوي مرحلة تعد ما قبل عملية زراعة الكلى، " وننتظر إلى أن يتم زراعة كلى لهؤلاء الأطفال وإلا مصيرهم الموت"، منوهاً إلى أنه لا يوجد لدينا إلى اللحظة قسم خاص لزراعة الأعضاء، "ويأتي وفد كل6  شهور تقريباً لمعاينة بعض الحالات".

وافتتح قسم الكلى في مستشفى عبد العزيز الرنتيسي منذ ما يزيد عن الثلاث سنوات، للأطفال الذين يقل معدل أعمارهم عن(12) عاما ما قلل نسبة الوفيات من هذا المرض, بعد عمل اللازم لهم من غسيل كلوي والذي يعتبر أحد أهم جوانب العلاج بالنسبة للمريض.