منتدى الأربعاء في مؤسسة الإمام الحكيم يستضيف الأستاذ عصام كرم في لقاء حواري

منتدى الأربعاء في مؤسسة الإمام الحكيم يستضيف الأستاذ عصام كرم في لقاء حواري
رام الله - دنيا الوطن
استضاف منتدى الأربعاء في مؤسسة الإمام الحكيم نقيب المحامين الأسبق الأستاذ عصام كرم في لقاء حواري تحت عنوان: "العدالة الموضوعة تحت الجدل" بحضور حشد من الشخصيات الدينية والسياسية والدبلوماسية والأكاديمية والإعلامية..

قدّم اللقاء وأداره المحامي الأستاذ بلال الحسيني..

تحدث بعدها الأستاذ عصام كرم شاكراً على هذه الدعوة؛ ثم افتتح كرم حديثه عن لبنان الذي يستحق قضاءً أفضل من القضاء الذي يتولى شؤون الناس في هذه الأيام..

وتوقف كرم عند كلام مقدم الندوة الذي أشار إلى أن فصل السلطات هو أساس الديمقراطية، لكن فصل السلطات إنما كان في الثورة الفرنسية عام 1789، وقبلها لم يكن هناك من شيء اسمه فصل السلطات..

وأعتبر كرم أن ما يسيء إلى مسيرة الدول في مفهوم الدولة الراقي في هذه الأيام؛ إنما هو أمران: الأول، انعدام المسائلة؛ والثاني، طغيان السلطة التنفيذية على السلطتين القضائية والتشريعية.. وهذا أمر واقع في لبنان وخارجه..

أما بالنسبة لعنوان الندوة فأوضح كرم بأنه قد وقع اختياره على هذا العنوان، لأن القضاء في لبنان واقع تحت الجدل.. في الوقت الذي يجب أن يكون فيه القضاء فوق كل جدل، وأن يكون الجدل أمام القضاء وليس عليه..

وتابع: الحق والعدالة.. الحق ليس خطاً مستقيماً، إنه مرات ـ دهليز ـ، والعدالة في تحديدها هي القولة العادلة، هي الوجه الآخر من العملة، حيث أن الحق وجه والعدالة الوجه الآخر.. الحق يمثل حالة السلم لأنه يؤّمن التجانس في المجتمع.. بينما العدالة تعلن حالة الحرب لأنها مدعوة إلى بت الخلافات الناشئة عن عدم التقيّد بالحق.. وإذا كان الميزان رمز العدالة، فالسيف هو خصوصيتها، لأنه يحفر في اللحم الحي، وإذا كانت هي مرّات غير عادلة ـ وهذا في كلام التبرير عند القضاة ـ فلأن القانون أراد ذلك، وكأن القاضي والمشترع يتبادلان الكرة حتى لا يُعرف أحياناً هي في ملعب مَن..

لكن الأكيد هو أن الجسم المريض في عالم اليوم هو العدالة، فهي حامية الحريات..

يوم طعن رئيس الجمهورية السابق "ميشال سليمان" في قانون التمديد سبعة عشر شهراً للمجلس النيابي المنتخب في سنة 2009، كتبت إليه تحت عنوان "كتاب مفتوح إلى رئيس الجمهورية: تداركوا القضاء"!.. وقلت فيه: بادرة تكاد تكون يتيمة، أن تعمد يا فخامة الرئيس ـ وأنت القاضي الأول ـ إلى مراجعة القضاء، فالطعن الذي قدمته في قانون التمديد سبعة عشر شهراً للمجلس النيابي بادرة تسجل لك في تجديد الثقة بالسلطة الثالثة..

المجلس الدستوري مرجعية أساس.. وهو على رغم تعثره منذ نشأته حتى اليوم، يستحق ثقة تحدوه أكثر على حمل المسؤوليات.. ولا يستوقفني كلام يقول إن المجلس الدستوري مدعوّ، إذ ينظر في الطعن الذي قدمته إليه؛ إلى مواجهة مع المجلس الذي انتخبه، وهو المجلس النيابي الذي يقول إنه سيد نفسه والذي ما دل ـ طوال حياته ـ على أنه حقاً سيد في شيئ.. فالمجلس النيابي في لبنان قائم منذ سنة 1922، وبعد ستة سنوات يكون لبنان قد قضى مائة سنة مع المجالس النيابية، ومنذ ذلك الوقت ما استطاع المجلس النيابي أن يقوم بدور مقدور على المجالس النيابية، فلا هو حاسب حكومة، ولا استطاع أن يسقط حكومة في المجلس النيابي، ولا هو اشترع مثلما يجب أن يكون الاشتراع في الوضاءة المطلوبة للاشتراع والمشترعين.. كما لم يستطع المجلس النيابي مرة أن ينتخب رئيس جمهورية منذ 1922 وحتى اليوم!.. فحتى عندما يتم إقرار جلسة لاجتماع مجلس النواب كي يتم انتخاب رئيساً للجمهورية، فإنهم يكونون يقولون أشياء لا ترتقي إلى مستوى الحقيقة بأية صلة كانت، لأن المجلس النيابي يملك صفة إعلامية لا صفة كيانية أي صفة إعلان لا صفة إيجاد.. إذ ينتخب رئيس الجمهورية في الخارج، ويدخل النواب ليعلنون اسم ذلك الرئيس في المجلس النيابي.. وهكذا هو الحال منذ عام 1922 وحتى يومنا هذا.. ذلك بأن قناعاتي أن القاضي لا يكون موظفاً عند من سماه، انتخاباً كان ذلك أو تعييناً، فهو قاضي الشعب اللبناني، وقراراته تصدر باسم الشعب اللبناني..

وأضاف: كلنا نعرف أن المجلس الدستوري حديث العهد في لبنان.. ففي فرنسا وبريطانيا، يبلغ عمر المجلس الدستوري أكثر من خمسين سنة، وهناك ليس لزاماً أن يكون أعضاء المجلس الدستوري من أهل القانون، بل هم سياسيون متقاعدون يسميهم كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الشيوخ بدون مناقشة علنية أو نيابية.. وهذا المجلس الدستوري، مجلس لا محكمة، ووجود رؤساء الجمهورية السابقين في عداد أعضائه؛ يكرّس هذا التفكير.. فمحكمة التمييز الفرنسية تحرق أوراق المستتسارين، ومجلس شورى الدولة يخفي المذكرات عن الباحثين، أما المجلس الدستوري فيكشف أوراقه كل خمس وعشرين سنة كما هي..

أكثر من خمسين سنة وسلطات المجلس الدستوري محدودة.. لا يستطيع وضع يده على نص، والسلطات السياسية تحيل عليه النصوص، ولذلك هو لم يمارس رقابة على أكثر من سبعة في المئة من القوانين التي صدرت من 1958..

أعرق منه بكثير، المجلس الدستوري الألماني في كارلسّروهي، لكن القضاء إجمالاً لم يحظَ باهتمام الدول، ولا سيّما رؤساء الدول..

ولنعترف بشيء، هو أن السلطة التنفيذية خافت دوماً من السلطة القضائية.. فخفضت الثورة الفرنسية منزلة "القضاء" لتصبح بمعنى "سلطة".. وقد ذهب الجنرال ديغول في تشريعات 1958 مذهب الثورة الفرنسية، وهو أصلاً ما كان ينظر النظرة المنيفة إلى القضاء مُغلباً "حجة الدولة" التي تتراجع عند الناس لتصير "خطل الدولة"..

ولنعترف بشيء آخر، هو أن القضاء كان دوماً واحداً من كبار المنسيين، فهناك تحركات قامت من أجل أشياء كثيرة، إلا القضاء ما استحق إضراباً من أجل تحسينه وتحصينه، ولا قامت تظاهرة من أجل أن تُرفع اليد عنه يوم كانت السلطة التنفيذية تبالغ في وضع يدها عليه..

وجاء في كتابه الموجه للرئيس سليمان ما ذكره أيضاً في محاضرته:

اعتمادك مراجعة القضاء الدستوري بادرة مبرورة يجب أن يكون لها رجع على حالة القضاء في لبنان..

فالقضاء ليس بخير.. إذ كان الشواذ استثناءً فصار الشواذ قاعدة.. إخلاءات السبيل تتقرر بكيفية يبرأ منها النص وتتنافى مع العُرف والتبليغات ـ حتى في الهيئات التأديبية القضائية ـ تجري خلافاً للأصول، والسرية تخترق، والمزاجية تسمح لنفسها بالكلام على "سياسة قضائية" تطيح القواعد وتزري بالتقاليد..

وتمنى كرم على فخامة الرئيس سليمان أن يبحث حول الموضوع ويسأل كرم، ليجيبه، حيث أن الوقائع كلها موثقة لديه، والأسماء يعرفها والمستندات في حوزته!..

وأكمل كرم: أن يقول القاضي الحق، يعني أنه هو القيّم على المساواة بين الناس وعلى المبادئ الكبرى، كالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.. حيث أن المساواة تعني الديمقراطية، وبدون المساواة لا توجد هناك من ديمقراطية..

قيمة السنهوري أنه قال "لا" لجمال عبد الناصر، كمثل قيمة الإمام الأوزاعي من قبل..

وقيمة "أنطونين بيسون" أنه قال "لا" للجنرال ديغول النائب العام لدى محكمة التمييز آنذاك، حينما أمره ـ خطيا ـ بأن يخالف القانون، فاستقال وكتب كتابه الشهير "خرافة العدالة"..

وقيمة "أندري جيريس" رئيس محكمة جنايات باريس، وكان ظنّ فرانسوا ميتيران سيكون أرأف بالعدالة من ديغول، فخاب ظنه واستقال هو أيضاً، وكتب كتاباً عنوانه "وحدها الحقيقة الجارحة" أو "شرف اللإرضاء"..

وفي لبنان عرفنا مثل هؤلاء، فـ"إميل تيّان قال "لا" للسلطان في محاكمة القوميين السوريين.. وكذا الحال بالنسبة لـ"إميل أبو الخير، وكلا الإميلين رئيس أول للقضاء، هذاك في مطلع الاستقلال وهذا بعد محاولة انقلاب 1961..

"لا"، القضاء ليس بخير..

إنني أتحدث عن قضايا محددة ومعروفة، ويا ليت ينبري من يرد عليّ في أيّ مقام كان..

وتوجه كرم في وارد كلامه أيضاً إلى أهل الرأي خصوصاً كتّاب الافتتاحيات الصحفية، طالباً منهم تخصيص يوم تكون الافتتاحيات فيه فاتحة استنهاض في سبيل القضاء، لئلا تنحني القمم وتُمحى الذمم وتضمر الهمم..

كما توجه إلى زملائه المحامين، وهم طليعة أهل المعاناة في السيرورة القضائية، ودعاهم إلى موقف حازم حاسم.. فليلبسوا "الروب" وليكونوا كما في سيرتهم الطبيعية المقدورة، أهل رفض صارخ في تظاهرة تذّكر الناس بأهن العدالة والحق سيّدان ضخمان..

لا للاستكانة! لا للاستسلام! لا لكلمة "هكذا لبنان".. ولا لكلمة "القضاء ليس قضاء، بل هو قضاء وقدر"..

وكنت قد دعوت المحامين إلى حرق "روباتهم"، لكني ما زلت أحترم القضاء.. وخصوصاً أني ما زلت أعترف بأن في لبنان قضاة يكبر مَن أمامهم يترافعون..

هذا نص الكتاب المفتوح.. لكن الرد عليه انعدم، وكأن لم يقرأه أحد، حتى الذي قد وُجّه مفتوحاً إليه..

لذلك، كلما كان هناك رئيس دولة يقول "وقروا القضاء".. فإننا كنا نقول دائماً له: "فليوقر القضاء نفسه حتى نوقره نحن"..

الحق يصدر عن "الأيادي البيضاء"، فلبنحث عن "الأيادي البيضاء" في دار العدل في لبنان، فهي موجودة على قلّتها.. ويوم ننتقد القضاء الانتقاد الموضوعي في ظل القانون الوضعي، إنما يكون كلامنا دفاعاً عن هؤلاء.. لقد صارت، مع الأسف "الأيادي البيضاء" إستثناءً في القضاء حيثما كان، لا في لبنان فقط، بل في القضاء حيثما كان، جهالة وفساد وطمأنة ظهر للسلطة..

من هنا، يظل القضاء مسألة تحت الجدل، لأن لا مساءلة ترعاه، ولأنه يخفض الجبين أمام السلطة التنفيذية.. ولذلك ما اقتنعت مرة بعبارة "ارفعوا يدكم عن القضاء" لأني أعتبر أن القاضي الحق هو الذي لا يد فوق يده إلا يد الرحمن..

وقد دعا كرم إلى أننا في لبنان نريد:

·        الدولة، لأن الدولة كانت لتنظيم المجتمع..

·        إدارة حديثة عقلانية تساوي بين الناس..

·        قضاءً مستقلاً، ويعني إذاً مسؤولاً.. لأن الاستقلال يعني المسؤولية..

·        مجلساً نيابياً يؤمن بأنه هو سيّد نفسه.. يشترع ويراقب الحكومات..

·        مجتمعاً ترعاه الحرية وتغشاه الديمقراطية وتشغله حقوق الإنسان..

·   جيشاً قادراً قوياً حامياً الحدود من عدوِّ لا يقيم حرمة إلا للقوة.. وإذا أخفقت، فلمزيد من القوة.. ولا حسبة عنده للشرعات الدولية ولا للمنظمات..

·        شعباً يؤمن بأن تعايشه هو جوهر خلاصه.. فلا صليبية ولا جهاد، ولا صِفين ولا كربلاء..

·        مواطناً سيّداً حراً كريماً ليكون لنا وطن سيد حرّ كريم..

وقد رأى أن الحل هو أن يصير إلى اختيار القضاة بناءً على مواصفات يكون فيها العلم والأخلاق والسيرةُ الحسنة.. فكل مسؤولية؛ هي علمٌ وأخلاق.. ماسح الأحذية؛ علمٌ وأخلاق.. ورئيس الجمهورية؛ علمٌ وأخلاق.. ونحن نقع بين هاتين الدفتين..

وأنا غير مقتنع بالحديث عن إجراء تشكيلات قضائية، وليعذرني السادة القضاة الحاضرين، لأني أعتبر أن حبة الزُوان إن قمنا بنقلها من صيدا إلى بيروت لا تصير حبة قمح.. إذاً يجب أن ننتقي القضاة بمعايير صارمة جداً، وبمعايير راقية جداً، حتى لا يهون القضاء وحتى لا نقف أمام الحالة التي نحن فيها اليوم..

أعتقد أن أهم وزارتين في البلد، ليس تلك التي يُقال بأنها وزارات سيادية ـ وهذا مصطلح جديد.. فكل الوزارات سيادية إن عرفنا كيفية توليها ـ أو الوزارات الخدماتية؛ بل أظن أنهما وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة التربية، لأن هاتين الوزارتين هما اللتين تمنحان الحق الاجتماعي، وهما اللتان تعملان على تنشأة الطلاب التنشأة التي يُفترض أن تكون تنشئة وطنية سليمة..

لكل أمر بداية؛ والبداية هي أن ننتقي القضاة بالمقاييس التي تؤّمن لنا قضاءً يستطيع أن يقول قولة الحق في الناس.. لأن ثمة في القضاء جهالة وفساد، كما يوجد خنوع أمام السلطة التنفيذية، حيث تصدر أحكاماً لا نفهم ما كتب فيها..

هناك من يطلب منا أن نرأف بالقضاء؛ ولكن على القضاء أن يرأف بنفسه أولاً.. وبعدها نرأف به ونتماشى معه، لا أن يبقى كما هو ونرأف به، لأن ذلك صعب علينا..

 

وقد تلا المحاضرة حوار بين الأستاذ كرم والحضور..

التعليقات