تداعيات مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف

تداعيات مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف
الشيخ الدكتور تيسير التميمي قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً أمين سر الهيئة الإسلامية العليا بالقدس
قال تعالى { وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ } آل عمران 169-171
صادف يوم أمس الخميس ذكرى مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف ، ففي فجر يوم الجمعة منتصف شهر رمضان المبارك ، وبتاريخ 25/2/1994م خطَّت يد الغدر في سجل التاريخ سطوراً حمراء ، وسفك الحقد الصهيوني المسعور أزكى الدماء في صباح رمضاني عابق بالإيمان ؛ حيث ارتكب السفاح المجرم باروخ جولدشتاين من سكان مغتصبة قريات أربع مجزرة دموية نكراء سقط فيها المصلّون العزّل مضرجين بدمائهم ، فاختلطت رائحتها العطرة برائحة المسك المنبعثة من غار أبي الأنبياء ، وتعطرت بها جنبات الحرم الشريف ؛ قال صلى الله عليه وسلم { والذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم لونه لون دم وريحه مسك } رواه مسلم .
كانت المجزرة مسلسلاً من القتل استباح الدم الفلسطيني ؛ ابتدأ في المحراب وامتد إلى مداخل الحرم والسُّلَّم المؤدي إليه ، ووصل إلى الشوارع والطرقات ومحيط المشافي فطال رصاص الجيش الإرهابي مَن هبُّوا للتبرع بالدم وإنقاذ الجرحى ونقل المصابين ، حتى المقابر صارت ساحات للموت فلم يسلم الذين شيَّعوا الشهداء بل دُفنوا معهم بعد لحظات فارتقى نتيجة ذلك عشرات الشهداء { وَلاَ تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } البقرة 154 ، أما الجرحى والمصابون فكانوا بالمئات .
وتنصل جيش الاحتلال الإسرائيلي كعادته من دوره في الجريمة رغم كل الأدلة والأحداث وإفادات الشهود حتى من اليهود أنفسهم التي أكدت مسؤوليته الكاملة ، فقد كان الرصاص ينهمر على المصلين من كل صوب ، ولم يقدم الجنود أية مساعدة للمصابين ، بل لم يسمحوا لسيارات الإسعاف بالوصول إلى مداخل الحرم ؛ ومنعوا المصلين نقل الجرحى والمصابين ، كما أن استعراض الأحداث والاستفزازات قبل المجزرة وبعدها تدل على التخطيط المبيت لارتكابها ؛ فقد عوقب أهل الخليل الذين ارتقى أبناؤها البررة إلى العُلا بالاعتقالات ومنع التجول وفرض الحصار ، أما المجرم جولدشتاين فقد كوفىء بإقامة نصب تذكاري له يحج إليه المستوطنون باعتباره بطلاً قديساً .
يوم لا ينسى في تاريخ مدينة خليل الرحمن الباسلة التي غضبت وثارت وخرجت معها جماهير شعبنا الفلسطيني في كل مكان في القدس والضفة وغزة ؛ وامتدت الشرارة إلى داخل فلسطين المحتلة عام 48 ، وتفجر بركان الغضب واشتعلت المدن ناراً تحت أقدام الطغاة ؛ في مسيرات ومظاهرات ومواجهات دامية ، فتصدت لهم قوات الاحتلال وجنودها المدججون بالسلاح وعرباتهم العسكرية المجنونة ؛ وفتحوا عليهم الرصاص والنار فسقطت كوكبة جديدة من الشهداء غيلة وغدراً ممن اصطفاهم الله عز وجلّ ومنحهم هذا الوسام ، قال تعالى { ... وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } آل عمران 140 .
ترجمت هذه المجزرة الجديدة ضد شعبنا العنصرية والحقد الصهيوني وخروجه على كل القيم الأخلاقية والشرائع الإلهية والقوانين والمعاهدات الدولية ، الجريمة التي اهتز لهولها كل صاحب ضمير حي ، فقد انتهكت فيها قداسة المكان والزمان وجلال الصلة بالله عز وجلّ ؛ فالمكان هو الحرم الإبراهيمي الشريف مثوى الأنبياء وبيت الله المقدَّس ؛ والزمان هو شهر رمضان المبارك شهر الصيام والقيام ، وأما الصلة بالله تعالى فقد انتهكت بذبح المصلين الركّع السجود بين يديه سبحانه في صلاة الفجر التي تشهدها ملائكة الرحمن .
إن الحقد الغاشم لم يراعِ قدسية لمكان ولا حرمة لزمان أو دم إنسان ؛ فقد صب حميم نيرانه على المدنيين الآمنين ؛ فسقط عشرات الشهداء والجرحى في جريمة خطط لها فكر صهيوني استيطاني وعسكري له تاريخ حافل بالمجازر قبلها وبعدها ضد شعبنا الصامد المرابط ؛ فما زلنا نشهد مجازر جديدة تستهدف الأطفال والنساء والشيوخ ؛ وتطال بعدوانها البشر والشجر والحجر والمقدسات وكل مظاهر الحياة ؛ سقط فيها من الشهداء والجرحى عشرات الألوف الذين يغفر لهم بإذن الله لقوله صلى الله عليه وسلم { يٌعطى الشهيد ستُّ خصال : يغفر له بأول قطرة من دمه ... } رواه الترمذي .
لقد ارتكبت مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف لهدف اتَّضحت معالمه هو تهويد مدينة الخليل ، فبعد انقضاء فترة حظر التجول الذي فرض على المدينة واستمر أكثر من شهر للحفاظ على أمن المستوطنين ولضمان حياتهم ، وبعد إغلاق الحرم في وجه المصلين المسلمين دام أكثر من شهرين ؛ فوجىء أهل الخليل بإجراءات تهويد الحرم الإبراهيمي ، فقد شكلت سلطات الاحتلال الإسرائيلية بعد المجزرة لجنة " شمغار" المتطرفة التي قضت بتقسيم الحرم واقتطاع جزئه الأكبر للمستوطنين ، وتقطيع أوصال المدينة وإغلاق أجزاء كبيرة من أسواقها ، وإغلاق شارع الشهداء الذي يعد عصب الحياة الرئيسي للمدينة ، وإغلاق سوق الخضار المركزي والشوارع المؤدية إليه وإلى مقبرة الخليل .
ثم تواصلت المؤامرات على هذه المدينة الأبية حتى اليوم ، فقد غُرست فيها البؤر الاستيطانية وأغلقت شوارعها ، وارتكبت فيها أفظع الانتهاكات لحقوق الإنسان : فقتلت فيها الأنفس وأزهقت فيها الأرواح البريئة ، وحظر التجول على أهلها يستمر فرضه لفترات طويلة ، ويمنع رفع الأذان من على مآذن الحرم الإبراهيمي الشريف باستمرار ، والحصار الاقتصادي المتواصل أدى إلى شلّ الحركة التجارية في أسواقها تماماً ، والاعتداء مستمر على ممتلكات أهلها بهدم المباني الأثرية والتاريخية في أبشع مذبحة تستهدف طمس معالمها الحضارية وتغيير هويتها العربية الإسلامية ، وبفتح طريق استيطاني يربط بين مستوطنة قريات أربع والحرم الإبراهيمي الشريف وجميع البؤر الاستيطانية داخل مدينة خليل الرحمن لتحويلها إلى مدينة يهودية ، بل لقد أقدمت سلطات الاحتلال عام 2010 على ضم الحرم الإبراهيمي الشريف إلى قائمة التراث اليهودي المزعوم .
واليوم تنفذ هذه السلطات الغاشمة لوناً جديداً وأسلوباً إضاقياً من الإجراءات التعسفية ضد الحرم الإبراهيمي الشريف تمهيداً لمنع المسلمين وصوله نهائياً للهيمنة الكاملة عليه وذلك باستهداف من يصله أو يسلك الطرق المؤدية إليه شيباً وشباناً رجالاً ونساء بالإعدام الميداني الفوري بتهمة محاولة طعن الجنود .
لكن هذه المدينة الصامدة التي شهدت مذبحة الفجر وودعت شهداءها الأحياء وعاودت الوقوف بثبات ؛ ستبقى عربية إسلامية بجهود أبنائها المخلصين الأوفياء ؛ الذين يعاهدون الله على التمسك بها والدفاع عنها ، ومواصلة إعمارها والتسوق من أسواقها والمواظبة على الصلاة في حرمها الإبراهيمي الشريف ليبقى مسجداً عامراً بالمؤمنين يصدح من على مآذنه صوت الحق الله أكبر ، فلن تزيدهم المجازر إلا إصراراً على رفض الانكسار ، فهم موقنون بأن الحياة الطبيعية لمدينة الأنبياء والصالحين لن تعود إلا برحيل آخر مغتصب وجندي محتل عن أرضها الطهور .
وإننا في الذكرى الثانية والعشرين لهذه المجزرة النكراء ندعو كافة فصائل العمل الوطني الفلسطيني إلى وضع استراتيجية وطنية لمواجهة اعتداءات قطعان المستوطنين المتواصلة على أبناء شعبنا الفلسطيني في كل مكان ، ويجب أن ترتكز هذه الاستراتيجية على الأسس التالية :
* وقف المفاوضات مع حكومة المستوطنين حكومة نتانياهو التي تستند إلى المشروع الصهيوني الاستئصالي الاستيطاني الذي يسعى إلى تهجير الشعب الفلسطيني من وطنه وأرضه بقوة السلاح وإرهاب الدولة المنظم ، فكل وقت يمضي تزداد الأدلة الواقعية على عبثية هذه المفاوضات التي لم تحقق لشعبنا أو لقضيتنا أي مكسب سياسي أو وطني حقيقي .
* تطوير وسائل المقاومة الشعبية بتشكيل فرق من أهالي المدن والقرى والتجمعات الفلسطينية لمواجهة ميليشيات المستوطنين المدعومين بجنود جيش الاحتلال ، ومنعهم القيام بالأعمال الإرهابية ضد أبناء شعبنا بالقتل والحرق ومحاربتهم بالرزق ولقمة العيش .
* إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية الشاملة والتسامي على كل الخلافات ، والاتفاق على برنامج عمل وطني يقوم على إنهاء الاحتلال ومواجهة التحديات والمؤامرات التي تتعرض لها القضية الفلسطينية ، والتصدي لعدوان قطعان المستوطنين على شعبنا وممتلكاته ومقدساته ، ونبذ كل محاولات الاستقطاب والإقصاء وتكميم الأفواه والاعتقال السياسي ، فكل الشعب الفلسطيني بلا استثناء مستهدف من قبل الاحتلال .
* إعادة البعد الإسلامي والعربي للقضية الفلسطينية استناداً إلى حق الشعب الفلسطيني التاريخي في أرضه ووطنه ، فالأمتان العربية والإسلامية تشكلان العمق الحقيقي لقضيتنا العادلة والحماية المساندة لها ، ورفض كل المشاريع التصفوية الخادعة لتصفية القضية وعلى رأسها مؤامرة الوطن البديل .
* الالتزام بالثوابت الفلسطينية التي أجمع عليها الشعب الفلسطيني وقضى من أجلها شهداؤنا الأبرار وضحى أسرانا الأبطال بحريتهم وسلامتهم وعلى رأسها حق العودة .
* مقاومة الدعوة إلى الاعتراف بيهودية الكيان الصهيوني وكل مشاريع القوانين المقترحة لشرعنة تهويدها لتنافيها مع عقيدتنا بحقنا الديني والوطني الثابت في كل فلسطين التاريخية ، ولدورها في تصفية القضية الفلسطينية نهائياً والاستيلاء على المسجد الأقصى المبارك وسائر المقدسات الإسلامية والمسيحية ، وطرد الشعب الفلسطيني من أرضه ووطنه .