سير ذاتية نضالية أم حالة علاجية للذات
بقلم أ.د. خالد محمد صافي
تعد السير الذاتية ذات أهمية كبيرة في كتابة التاريخ المعاصر لاسيما إن كان صاحب السيرة ممن له مكانة سياسية في تاريخ بلده، وممن ساهم وشارك في صناعة القرار. وكلما كان صاحب السيرة في الدائرة الأولى لصناعة الحدث كلما كانت كتابته ذات قيمة. ويمكن القول إن تاريخنا الحديث والمعاصر لا يزال يتضمن الكثير من الفجوات التي لم يسلط عليها الضوء بدرجة كافية. فقد شهدت فلسطين الكثير من الأحداث في القرن العشرين وعقدي القرن الواحد والعشرين ممن لها التأثير الكبير على حاضرها ومستقبلها. ومع ذلك لم تكن الكتابة التاريخية بحجم هذه الأحداث، ولم تصل بعد إلى مرحلة النضج في الكتابة. فلا زالت الثغرات كبيرة في تغطية تاريخ الحركة الوطنية قبل عام 1948م، حيث لم يصدر عن النكبة سوى بعض الكتب مثل كتاب عارف العارف، وكتابات وليد الخالدي مثل كتاب "قبل الشتات"، و"كي لا ننسى، إضافة لكتابات أخرى. ولكنها لم تكن كافية للتعبير عن كارثة بحجم النكبة. ولم تتضمن رؤية نقدية تقييمية لما حدث من ضياع وطن. وقد صدرت مذكرات تاريخية لبعض قادة الحركة الوطنية نذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر مثل يوميات أكرم زعيتر، ومذكرات محمد عزة دروزة. ومع ذلك فإن الفترة التاريخية تعج بالثغرات كما أسلفنا، حيث لا نجد الكثير من المعلومات عن دور جنوب فلسطين في ثورة البراق، وثورة 1948م. هذا إضافة لثغرات كثيرة على مستوى القيادة الميدانية في العديد من مناطق فلسطين خلال ثورة 1936م، وحركة المقاومة في قرى ومدن فلسطين الجنوبية والشمالية خلال حرب 1948م سواء ما يتعلق بحرب المتطوعين أو حتى خلال الحرب النظامية.
وينطبق ذلك على فترات تاريخية لاحقة تتعلق بالنضال الفلسطيني في خمسينيات القرن العشرين، والذي شهد أحداث هامة مثل مشاريع التوطين وإسقاطها مثل مشروع سيناء في منتصف الخمسينيات، وكذلك المقاومة التي قادها مصطفى حافظ، والمقاومة خلال العدوان الثلاثي على غزة ومصر في عام 1956-1957م. ولم تبرز سير وطنية جادة لتغطية هذه الفترة بشكل كاف. والأمر ينطبق كذلك على تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية في الستينيات والسبعينيات وحتى الثمانينيات. ويمكن القول بشكل عام أن فن كتابة السير هو فن ضعيف في العقل السياسي الفلسطيني بشكل خاص والعقل السياسي العربي بشكل عام. ويعود ذلك ربما إلى طبيعة العقل السياسي الفلسطيني والعربي الذي يخاف من النقد. ويخشى من كشف المستور في النشاط الخاص والعام. وعدم توفر الجرأة في الكتابة التاريخية خشية ما يتعرض له الوطن العربي من متغيرات. أما على الصعيد الفلسطيني فهناك خشية دائمة من كتابة السيرة الذاتية خوفاً من ملاحقة الاحتلال الصهيوني الجاثم على أرض فلسطين والذي يلاحق كل من له نشاط في الحركة الوطنية لاسيما في مجال العمل العسكري.
وقد كان هناك قادة عظام، ولهم من المشاركة الوطنية والشعبية ما يستحق الذكر ومع ذلك ربما تأففوا عن كتابة سيرتهم الذاتية حتى لا يتهموا بالنرجسية وتضخيم الأنا، وأرادوا أن يكتب الآخرين تاريخهم ونضالهم تقديرا لهم. وكانوا يروا أنهم عظماء بعطائهم، وأنهم ليسوا بحاجة لإبراز الذات من خلال كتابة سيرتهم الذاتية. والبعض فضل أن يكون نضاله وعطائه من أجل الوطن دون الحاجة لإبرازه. وأنهم ساهموا وضحوا من أجل وطن وليس من أجل الذات أو الأنا. ومن الجدير بالذكر أن العديد من القادة قد فاجئهم الموت في ريعان شبابهم، ولم يحظوا بالفرصة الكافية والوقت الكافي لكتابة سيرهم لأنهم كانوا في خضم النضال الوطني السياسي والعسكري، وسقطوا شهداء على يد الكيان الصهيوني. وهناك من توفرت لهم الوقت، وأطال الله عمرهم ومع ذلك عزفوا عن كتابة سيرهم الذاتية. ونذكر على سبيل المثال وليس الحصر الدكتور حيدر عبد الشافي الذي لم يصدر له سيرة ذاتية في حياته أو بعد وفاته بالرغم من أن حياته كانت حافلة بنشاطه الدؤوب الذي لم ينقطع حتى اللحظات الأخيرة من حياته الطويلة. فحياته كانت ليس حياة عادية بل سجل وطني حافل بأحداث تاريخية هامة في مراحل تاريخية مختلفة ومفصلية في تاريخ النضال الفلسطيني. ولم يصدر بشأنه سوى كتيب صغير عبارة عن سلسلة مقابلات أجريت معه. ورغم أهمية الكتيب فإنه لم يف المرحوم حقه، ولم يف التاريخ الفلسطيني حقه. وكان محاولة ضئيلة لو قورنت بحجم تاريخ نضالي للدكتور حيدر. وقد فقدت فلسطين أيضاً في الأيام الماضية شخصية هامة وطنية أخرى كان لها دورها ونشاطها في الحركة الوطنية الفلسطينية في مراحل مختلفة وهو السيد موسى سابا_رئيس جمعية الشبان المسيحية، فالرجل كان نشطاً ومناضلاً في خمسينيات القرن الماضي وما بعدها. حيث ناضل ضد مشروع التوطين في سيناء في منتصف الخمسينيات، وناضل ضد مشروع تدويل غزة في سنة 1957م. وناضل واعتقل في فترة الاحتلال الصهيوني. وله مواقف وطنية مشهورة وبارزة في تاريخ الشعب الفلسطيني المعاصر. وكانت جمعية الشبان المسيحية تشكل تحت رئاسته بؤرة النشاط الثقافي والسياسي والاجتماعي الفلسطيني في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. حيث احتضنت النشاط السياسي والفني والثقافي والتعليمي ونشاط مؤسسات حقوق الإنسان. وفتحت أبوابها للجميع دون استثناء. ولا يمكن أن يحصى دورها الريادي في تلك الفترة. ومع ذلك لم نسمع عن قيام السيد موسى بكتابة مذكراته في حياته. مع أملنا أن يكون قد كتب شيء لورثته قد يرى النور قريباً أو بعد حين.
تجدر الإشارة أن هناك بعض السير الذاتية التي ظهرت في السنوات الماضية، وغطت فترات تاريخية هامة مفصلية من تاريخ شعبنا المعاصر. ولكنها لا تزال دون المستوى المطلوب. فهناك أيضاً ثغرات كثيرة في تاريخ نضال فصائل العمل الوطني في منظمة التحرير الفلسطينية وتواجدها في ساحات عدة أردنية ولبنانية وتونسية وغيرها. وما نشر كان قليلا مقارنة بحجم أحداث تلك الفترة. فهناك كتاب فلسطيني بلا هوية للمناضل الشهيد صلاح خلف، والذي يعد من أعظم السير التي كتبت في السبعينيات. وهناك كتابات أبي مازن وأبو علاء قريع عن فترة اتفاقيات مدريد وأوسلو وما بعدها ولكنها ليست كافية لأحداث بحجم اتفاقية أوسلو وغيرها. وهناك كتاب درب الأشواك للمهندس عماد الفالوجي الذي حاول أن يغطي به جزء من نشاط الحركة الإسلامية في الانتفاضة الفلسطينية الأولى 1987-1994م، هذا إضافة لكتاب سيرته أثناء وجوده في الحكومة الفلسطينية. وهي كتابات جادة وقدمت إضافة لكتابة التاريخ الفلسطيني ولكنها مع ذلك ليست كافية. فالأحداث كثيرة ومتشعبة ولا يمكن إحاطتها بهذا العدد اليسير من السير الذاتية. وكذلك فإن الحركة الأسيرة ورغم ظهور العديد من السير الهامة حولها مثل " مذكرات جبريل الرجوب في زنزانته"، وكتاب محمد أبو شاويش " قبل أن يموت الجلاد" والذي صدر حديثاً، وغيرها من السير القديمة والحديثة فإنها لا تزال محدودة مقارنة بحجم تاريخ نضال الحركة الوطنية الأسيرة.
وفي المقابل ظهرت في الآونة الأخيرة سلسلة من السير التي تتسم بالسطحية، والنرجسية وتضخم الذات على حساب القضية. فالسير الذاتية التي نرغب بها هي سير تضع القائد في خضم الحدث، وتكون سيرته تاريخ ومسيرة قضية دون تضخيم الأنا على حساب القضية. وأن تكون هذه السير صادرة ممن كانوا في بؤرة الحدث وصناعة القرار. وأن تشكل هذه السيرة بالفعل إثراء وإغناء للكتابة التاريخية الفلسطينية وليس حالة استعراضية لتضخم الأنا. وحالة سردية لحوادث فردية غير ذات قيمة على الصعيد النضالي أو الوطني.
فنحن بحاجة بالفعل إلى كتابة سيرة ذاتية تتصف بقدر كبير من الموضوعية، وبقدر كبير من الرؤية النقدية لأحداث شهدها تاريخنا المعاصر. سير تعبر عن مسيرة وذاكرة شعب تنبض بالمصداقية، وتتصف بحالة من التوازن بين الأنا والقضية، الأنا والشعب، الأنا والحدث التاريخي. وليس حالة تهدف إلى معالجة للذات، وحالة استعراضية للأنا بعد أن أصابها الإهمال والتهميش.
تعد السير الذاتية ذات أهمية كبيرة في كتابة التاريخ المعاصر لاسيما إن كان صاحب السيرة ممن له مكانة سياسية في تاريخ بلده، وممن ساهم وشارك في صناعة القرار. وكلما كان صاحب السيرة في الدائرة الأولى لصناعة الحدث كلما كانت كتابته ذات قيمة. ويمكن القول إن تاريخنا الحديث والمعاصر لا يزال يتضمن الكثير من الفجوات التي لم يسلط عليها الضوء بدرجة كافية. فقد شهدت فلسطين الكثير من الأحداث في القرن العشرين وعقدي القرن الواحد والعشرين ممن لها التأثير الكبير على حاضرها ومستقبلها. ومع ذلك لم تكن الكتابة التاريخية بحجم هذه الأحداث، ولم تصل بعد إلى مرحلة النضج في الكتابة. فلا زالت الثغرات كبيرة في تغطية تاريخ الحركة الوطنية قبل عام 1948م، حيث لم يصدر عن النكبة سوى بعض الكتب مثل كتاب عارف العارف، وكتابات وليد الخالدي مثل كتاب "قبل الشتات"، و"كي لا ننسى، إضافة لكتابات أخرى. ولكنها لم تكن كافية للتعبير عن كارثة بحجم النكبة. ولم تتضمن رؤية نقدية تقييمية لما حدث من ضياع وطن. وقد صدرت مذكرات تاريخية لبعض قادة الحركة الوطنية نذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر مثل يوميات أكرم زعيتر، ومذكرات محمد عزة دروزة. ومع ذلك فإن الفترة التاريخية تعج بالثغرات كما أسلفنا، حيث لا نجد الكثير من المعلومات عن دور جنوب فلسطين في ثورة البراق، وثورة 1948م. هذا إضافة لثغرات كثيرة على مستوى القيادة الميدانية في العديد من مناطق فلسطين خلال ثورة 1936م، وحركة المقاومة في قرى ومدن فلسطين الجنوبية والشمالية خلال حرب 1948م سواء ما يتعلق بحرب المتطوعين أو حتى خلال الحرب النظامية.
وينطبق ذلك على فترات تاريخية لاحقة تتعلق بالنضال الفلسطيني في خمسينيات القرن العشرين، والذي شهد أحداث هامة مثل مشاريع التوطين وإسقاطها مثل مشروع سيناء في منتصف الخمسينيات، وكذلك المقاومة التي قادها مصطفى حافظ، والمقاومة خلال العدوان الثلاثي على غزة ومصر في عام 1956-1957م. ولم تبرز سير وطنية جادة لتغطية هذه الفترة بشكل كاف. والأمر ينطبق كذلك على تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية في الستينيات والسبعينيات وحتى الثمانينيات. ويمكن القول بشكل عام أن فن كتابة السير هو فن ضعيف في العقل السياسي الفلسطيني بشكل خاص والعقل السياسي العربي بشكل عام. ويعود ذلك ربما إلى طبيعة العقل السياسي الفلسطيني والعربي الذي يخاف من النقد. ويخشى من كشف المستور في النشاط الخاص والعام. وعدم توفر الجرأة في الكتابة التاريخية خشية ما يتعرض له الوطن العربي من متغيرات. أما على الصعيد الفلسطيني فهناك خشية دائمة من كتابة السيرة الذاتية خوفاً من ملاحقة الاحتلال الصهيوني الجاثم على أرض فلسطين والذي يلاحق كل من له نشاط في الحركة الوطنية لاسيما في مجال العمل العسكري.
وقد كان هناك قادة عظام، ولهم من المشاركة الوطنية والشعبية ما يستحق الذكر ومع ذلك ربما تأففوا عن كتابة سيرتهم الذاتية حتى لا يتهموا بالنرجسية وتضخيم الأنا، وأرادوا أن يكتب الآخرين تاريخهم ونضالهم تقديرا لهم. وكانوا يروا أنهم عظماء بعطائهم، وأنهم ليسوا بحاجة لإبراز الذات من خلال كتابة سيرتهم الذاتية. والبعض فضل أن يكون نضاله وعطائه من أجل الوطن دون الحاجة لإبرازه. وأنهم ساهموا وضحوا من أجل وطن وليس من أجل الذات أو الأنا. ومن الجدير بالذكر أن العديد من القادة قد فاجئهم الموت في ريعان شبابهم، ولم يحظوا بالفرصة الكافية والوقت الكافي لكتابة سيرهم لأنهم كانوا في خضم النضال الوطني السياسي والعسكري، وسقطوا شهداء على يد الكيان الصهيوني. وهناك من توفرت لهم الوقت، وأطال الله عمرهم ومع ذلك عزفوا عن كتابة سيرهم الذاتية. ونذكر على سبيل المثال وليس الحصر الدكتور حيدر عبد الشافي الذي لم يصدر له سيرة ذاتية في حياته أو بعد وفاته بالرغم من أن حياته كانت حافلة بنشاطه الدؤوب الذي لم ينقطع حتى اللحظات الأخيرة من حياته الطويلة. فحياته كانت ليس حياة عادية بل سجل وطني حافل بأحداث تاريخية هامة في مراحل تاريخية مختلفة ومفصلية في تاريخ النضال الفلسطيني. ولم يصدر بشأنه سوى كتيب صغير عبارة عن سلسلة مقابلات أجريت معه. ورغم أهمية الكتيب فإنه لم يف المرحوم حقه، ولم يف التاريخ الفلسطيني حقه. وكان محاولة ضئيلة لو قورنت بحجم تاريخ نضالي للدكتور حيدر. وقد فقدت فلسطين أيضاً في الأيام الماضية شخصية هامة وطنية أخرى كان لها دورها ونشاطها في الحركة الوطنية الفلسطينية في مراحل مختلفة وهو السيد موسى سابا_رئيس جمعية الشبان المسيحية، فالرجل كان نشطاً ومناضلاً في خمسينيات القرن الماضي وما بعدها. حيث ناضل ضد مشروع التوطين في سيناء في منتصف الخمسينيات، وناضل ضد مشروع تدويل غزة في سنة 1957م. وناضل واعتقل في فترة الاحتلال الصهيوني. وله مواقف وطنية مشهورة وبارزة في تاريخ الشعب الفلسطيني المعاصر. وكانت جمعية الشبان المسيحية تشكل تحت رئاسته بؤرة النشاط الثقافي والسياسي والاجتماعي الفلسطيني في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. حيث احتضنت النشاط السياسي والفني والثقافي والتعليمي ونشاط مؤسسات حقوق الإنسان. وفتحت أبوابها للجميع دون استثناء. ولا يمكن أن يحصى دورها الريادي في تلك الفترة. ومع ذلك لم نسمع عن قيام السيد موسى بكتابة مذكراته في حياته. مع أملنا أن يكون قد كتب شيء لورثته قد يرى النور قريباً أو بعد حين.
تجدر الإشارة أن هناك بعض السير الذاتية التي ظهرت في السنوات الماضية، وغطت فترات تاريخية هامة مفصلية من تاريخ شعبنا المعاصر. ولكنها لا تزال دون المستوى المطلوب. فهناك أيضاً ثغرات كثيرة في تاريخ نضال فصائل العمل الوطني في منظمة التحرير الفلسطينية وتواجدها في ساحات عدة أردنية ولبنانية وتونسية وغيرها. وما نشر كان قليلا مقارنة بحجم أحداث تلك الفترة. فهناك كتاب فلسطيني بلا هوية للمناضل الشهيد صلاح خلف، والذي يعد من أعظم السير التي كتبت في السبعينيات. وهناك كتابات أبي مازن وأبو علاء قريع عن فترة اتفاقيات مدريد وأوسلو وما بعدها ولكنها ليست كافية لأحداث بحجم اتفاقية أوسلو وغيرها. وهناك كتاب درب الأشواك للمهندس عماد الفالوجي الذي حاول أن يغطي به جزء من نشاط الحركة الإسلامية في الانتفاضة الفلسطينية الأولى 1987-1994م، هذا إضافة لكتاب سيرته أثناء وجوده في الحكومة الفلسطينية. وهي كتابات جادة وقدمت إضافة لكتابة التاريخ الفلسطيني ولكنها مع ذلك ليست كافية. فالأحداث كثيرة ومتشعبة ولا يمكن إحاطتها بهذا العدد اليسير من السير الذاتية. وكذلك فإن الحركة الأسيرة ورغم ظهور العديد من السير الهامة حولها مثل " مذكرات جبريل الرجوب في زنزانته"، وكتاب محمد أبو شاويش " قبل أن يموت الجلاد" والذي صدر حديثاً، وغيرها من السير القديمة والحديثة فإنها لا تزال محدودة مقارنة بحجم تاريخ نضال الحركة الوطنية الأسيرة.
وفي المقابل ظهرت في الآونة الأخيرة سلسلة من السير التي تتسم بالسطحية، والنرجسية وتضخم الذات على حساب القضية. فالسير الذاتية التي نرغب بها هي سير تضع القائد في خضم الحدث، وتكون سيرته تاريخ ومسيرة قضية دون تضخيم الأنا على حساب القضية. وأن تكون هذه السير صادرة ممن كانوا في بؤرة الحدث وصناعة القرار. وأن تشكل هذه السيرة بالفعل إثراء وإغناء للكتابة التاريخية الفلسطينية وليس حالة استعراضية لتضخم الأنا. وحالة سردية لحوادث فردية غير ذات قيمة على الصعيد النضالي أو الوطني.
فنحن بحاجة بالفعل إلى كتابة سيرة ذاتية تتصف بقدر كبير من الموضوعية، وبقدر كبير من الرؤية النقدية لأحداث شهدها تاريخنا المعاصر. سير تعبر عن مسيرة وذاكرة شعب تنبض بالمصداقية، وتتصف بحالة من التوازن بين الأنا والقضية، الأنا والشعب، الأنا والحدث التاريخي. وليس حالة تهدف إلى معالجة للذات، وحالة استعراضية للأنا بعد أن أصابها الإهمال والتهميش.
