هيكل بصراحة

هيكل بصراحة
خاص دنيا الوطن
كتب د نبيل عمرو

بالنسبة لجيلنا الذي يصغر هيكل بعقدين او ثلاثة، فقد تعرفنا على الرجل، من خلال صلته الوثيقة بالزعيم جمال عبد الناصر، وكذلك من خلال مقالته الاسبوعية في الاهرام والتي كانت تنشر يوم الجمعة وتذاع على موجات البرنامج العام " الاذاعة المصرية الرئيسية" وكانت بعنوان ثابت " بصراحة"

ومنذ وعيت السياسة في منتصف الستينات والى آخر ما قرأته لهيكل وسمعت منه، وانا شديد الاعجاب بلغة الرجل، واختياره للكلمات والمصطلحات ولا يجادلن احد بأن ما كان يكتبه من حيث المستوى الابداعي ، كان قمة في الادب السياسي ونموذجا متفردا استحال تقليده او موازاته فكيف بالتفوق عليه.

ومن ابرز خصائص هيكل وفاؤه النادر لمهنة الصحافة ورغم المغريات التي لم يكن غيره ليقاومها بالانتقال الى السياسة والزعامة، الا انه قاوم بوعي وعناد مكتفيا بدور المستشار الاقرب  للزعيم، محتفظا بمكتنته الاصلية على رأس الهرم الرابع - الصحافة.

كان عبد الناصر يرى في هيكل ما هو اهم واعظم فائدة من كونه صحفيا مميزا، ومعبرا ببلاغة عن اتجاهات الزعيم المستقبلية ومفسرا لخطواته الصحيحة منها والاشكالية ، فعند عبد الناصر ما يكفي ويفيض من الكفاءات الصحفية المميزة ، لقد كان الزعيم يرى في الرجل نافذة مشرعة على العالم يرسل ويستقبل ، ما اتاح للقيادة العسكرية الثورية مجالا تفهم فيه من قبل النخب السياسية في الحياة الدولية، اضافة الى فهمٍ كانوا بأمس الحاجة اليه لمجريات الامور خارج حدود مصر والعالم العربي، لقد لعب هيكل دور المجس الحاذق والدقيق لجمال عبد الناصر ، اذ ارسله للوقوف على حقيقة القذافي حين قام بانقلابه ، والى ياسر عرفات حين اعلن الثورة والى الملك حسين حين وصل الخلاف معه الى ذروته، وفوق ذلك لم يبقى زعيم مؤثر في العالم ، الا وحاوره هيكل مستشفا فكره وسياساته ، وكان يضع استخلاصات جهده الواعي والمميز بين يدي عبد الناصر الذي كان بالثقة والاقتناع يعتمد وبنسبة عالية على تحليلاته ويأخذ بخلاصاتها.

كان لهيكل خصوماً اقوياء وكثيرين، من مستوى رئيس دولة الى اي مستوىً آخر، كان يسدد فواتير تفوقه على الذين عادة ما يصيبهم اليأس بفعل عدم الجدارة بالمنافسة ، وكان يسدد فواتير عبد الناصر الذي ما ان يفرغ من خصم داخلي او خارجي حتى تتوالد له خصومات لا حصر لها، وكان يسدد فواتير اقتحاماته للمحرمات حتى وصف في بداية عهد السادات بالمرتد عن الناصرية، والمنظر الصريح للتوجه نحو امريكا.

وقد ظنَّ الذين احبوه وكرهوه انه رقم انتجته الحالة الناصرية ، وانه لابد وان يتلاشى حين يختفي بطل الحالة من الشهد، الا ان ما حدث كان عكس ذلك تماما فقد اختفى عبد الناصر بموت مبكر وظل هيكل حاضراً وبقوة كقطب من اقطاب الحياة الفكرية والسياسية في مصر والعالم العربي ، معتمدا على ذاته وامكاناته اعزلا تماما عن اي نفوذ سلطوي يفتح الابواب او يغلقها امام الكتاب والمبدعين.

لقد تابعت هيكل بل وسعيت للقاءه ، فمن يتعاطى الصحافة والاعلام والسياسة لابد وان يرى هيكل ويتحادث معه وجهاً لوجه، غير ان انبهاري بسيرة الرجل ومسيرته، لم تحل دون رؤية ما اعتبرته سقطات كم تمنيت لو انها لم تحدث معه، فلم يعجبني كتابه خريف الغضب عن السادات ورغم الاحتفاء الذي اظهره كارهو السادات حين صدر هذا الكتاب الا ان اخفاق هيكل فيه بدا لي جليا في طغيان الانفعال الشخصي على المعالجة الموضوعية الراقية، فليس هيكل الذي في خاطري من يعيب على السادات لون بشرته، وينسب الى امه او جدته السودانية جذر ما اعتبره هيكل سوء اداء لدوره

، كما لم يعجبني ركوبه موجة التشهير بمبارك ، من خلال اعلانه عن ان ثروة الرجل بلغت احد عشر ملياراً، فقد كان منتظرا من هيكل ان يقدم تحليلا عميقاً لعهد قارب ثلث القرن اقترن بمبارك وفيه ما فيه مما يقال ويستنتج.

ولم يعجبني كذلك ما قاله عن ايقونة مصر المشير ابو غزالة حين اتهم ورثته بالتقاتل على ما يزعمه تركة للرجل تقدر بمائة مليون دولار ، ما ثبت قضائيا ومعلوماتيا بطلان هذا الزعم.

كنت وانا من المؤمنين بكفاءة الرجل ، وتفوق ادواته بل واستثنائيتها، اتمنى لو انه تجنب هذه السقطات فهي بلا فائدة تذكر حين تتخذ صفة الشائعات المستهلكة، ثم ان مكانة الرجل في تاريخنا وحياتنا وتشكيل وعينا لا تتناسب اطلاقا مع هذا النوع من السقطات، التي لا سبب لها سوى التأثر الشخصي وسنوح فرصة رد الفعل العنيف.

ولأن الكمال لله وحده ، فهذه النماذج من السقطات او ما اراه سقطات لن تحجب الحقيقة الاكثر سطوعا في سيرة ومسيرة الرجل ، فلقد كان وبكل المقاييس وبالاجمال استثنائيا ومتفوقا وذكيا كسياسي واشكاليا عند خصومه ما منحه مكانة واحد من الخالدين في تاريخ مصر.