عاجل

  • 5 شهداء وعدة مصابين جراء غارة إسرائيلية على نقطة شرطة في محيط موقع الـ 17 غرب مدينة غزة

الباحث رأفت حمدونة يؤكد أن التجربة الديمقراطية للأسري الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية إبداعية في ظروفها

رام الله - دنيا الوطن- عبد الفتاح الغليظ 
أكد الباحث في شؤون الأسري رأفت حمدونة أن التجربة الديمقراطية للأسري الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية إبداعية في ظروفها وبحاجة المعتقلين إليها وايجابية حيث أنها شكلت حماية للفرد والجماعة ووحدت من التسيب مشيرا أنها نظمت العلاقة وأوضحت الحقوق لكل فرد ما له وما عليه وسيرت الحياة الصعبة والمعقدة في ظل اعتقال طويل له متطلبات وله اشتراطات قاسية تضغط علي الإنسان في رغباته وغرائزه وحريته الفردية .

وقال حمدونة خلال دراسة له بعنوان" التجربة الديمقراطية للأسري الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية " أن  من الغرابة الحديث عن تجربة ديمقراطية للأسرى بين جدران سجون تجريم مبدأ التجمع على أساس تنظيمي أو بتكوين نواة مجتمع اعتقالي قائم على الحد الأدنى من القيم والشراكة والعقد الإجتماعى في أدنى صوره وشكله ، وتقييد الحريات وتكميم الأفواه والعقابات على أتفه القضايا ، والرقابة الشديدة على حركة الأسرى بكل أشكالها الحياتية والثقافية والتنظيمية والأمنية ، ومنع عقد اللقاءات بين أعضاء الكوادر التنظيمية المنتخبة ، ونقلهم المتواصل لإيجاد حالة من عدم الاستقرار التنظيمي الذي يرسى دعائم الممارسة الديمقراطية وثقافتها على أيدي نخب تألقت وأبدعت في استيعاب الأسرى الجدد وزرع مبادئها بهم منذ لحظات الاعتقال الأولى.

وأوضح حمدونة أن على الرغم من كل تلك العوائق فقد تجاوز الأسرى تلك العقبات ببدائل ، وتطورت المسيرة الديمقراطية في السجون مع تطور الأوضاع الداخلية للأسرى مرحلة بعد أخرى ،  كل كان لها خصائصها وظروفها في شكل الإمكانيات ، والروابط ، واللوائح الداخلية ، وإفراز القيادات وكيفية اتخاذ القرارات ، والرقابة ، والمحاسبة ، والمساواة ، والحقوق ، والحريات .

وقال أن الممارسة الديمقراطية في السجون تبقى نسبية ، قائمة على المشاركة فى صناعة القرار السياسي والكفاحي ، أكثر من الحديث عن العلاقة بين الحكم والمواطن ، وقوانين وتشريعات وأنظمة وحريات وتعددية سياسية وثقافية وحقوق للفئات الاجتماعية المهمشة والضعيفة  وغير ذلك من أهداف وقيم ومبادئ .

بدايات الديمقراطية في السجون :

وبين حمدونة أن منذ بداية الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة عاملت السلطات الإسرائيلية الأسرى بالكثير من أشكال السطوة والقوة ، وحاربت كل أشكال ومظاهر الديمقراطية في السجون ، فانتقت مصلحة السجون قوانين قهرية طبقتها على الأسرى السياسيين أسوة بالجنائيين اليهود كونهم تحت نفس المسئولية والإدارة ، متجاوزة الفارق الجوهرى في أسباب الاعتقال والنظام والخصوصية بهدف الانتقام وعدم الاعتراف بالمسؤولية القانونية الدولية لهم كأسرى حرب ، ومع هذا فمنعت الفلسطينيين السياسيين من كل امتياز ايجابى منحته للجنائيين ، على سبيل المثال لا الحصر : طبقت علي الأسرى الفلسطينيين السياسيين نظام التفتيش العارى بسبب تهريب الجنائيين للمخدرات والسموم ، وفى المقابل منعت الأسرى الفلسطينيين من تحديد حكم المؤبد بعشرين عاماً ، وإفراجات  ثلثى المدة ، والاتصالات الهاتفية مع الأهالي ،  و حق الإنجاب ، وغير ذلك من الامتيازات التى منحتها للجنائيين ، فتعاملت مع الطرفين بشكل انتقائي لصالح الجنائيين اليهود.

وأشار أن رغم هذه العنصرية في التعامل اليومي مع الأسرى الفلسطينيين، والقولبة السلبية التي روجتها سلطات الاحتلال باتجاههم على المستوى المحلى والدولي إلا أن الأسرى بقوة القوة العنيفة تارة ، والناعمة والنضال السلمى تارة أخرى ، وبمنطق القانون الدولي والحق والعقل والمنطق استطاعت الحركة الفلسطينية الأسيرة أن تجابه التحديات والمخططات وأبدعت في عشرات بل مئات القضايا ومنها تطور الحالة الديمقراطية ، حيث أنها حولت السجون إلى مجتمعات أشبه وأرقى من المجتمعات خارج السجون ، وجعلت من الممارسة الديمقراطية أساساً مهماً للنجاحات في الكثير من المستويات ، فأسست مجتمع قائم على تداول السلطة ، وإجراء الانتخابات لاختيار القيادة التي تدير شؤون مجتمع الأسرى في المعتقلات ، واحترام الحقوق الأساسية كمبدأ المساواة والحقوق " حق التعبير عن الرأي ، وحق الفرد في حماية المجتمع له من الاعتداء على شخصه أو كرامته الإنسانية ، ووجود القوانين التي تحكم الحياة اليومية ، وتنظم علاقة الفرد بالفرد ، والفرد بالمجتمع ، وفصل السلطات ، ووجود عقد إجتماعى يتم التنازل من خلاله عن جزء من الحرية النسبية التي يتمتع بها الأسرى ، وتفويض جهة منتخبة لهذه السلطات لكى تصرف شؤونهم باسم المجموع.

وأكد الباحث من خلال مشاركته وتجربته في عمل المؤسسات التنظيمية والإعتقالية العامة ، وملاحظته ومراقبته لواقع السجون والأسرى ، أن الديمقراطية في السجون برزت في ثلاث مركبات ، الأول : على المستوى الفردي بالثقافة والسلوك والممارسة ، والثاني : على صعيد بنية التنظيم الواحد وهياكله ولجانه وشكل القرارات فيه ، والثالث : تجلى بشكل واسع على صعيد العلاقة التي تحكم الفصائل والمؤسسات الإعتقالية العامة في كل سجن ، وبين السجون لحظة اتخاذ القرارات الجماعية الإستراتيجية العامة .

على الصعيد الفردى :

وأشاد الباحث بوظيفة المجتمع الإعتقالى الذي يصهر الأسرى بالمفاهيم والأفكار الوطنية ، وبتغليب المصالح العليا على الأنانيات والحاجات الشخصية ، ويعمل على استيعابهم من خلال التدرج في تربيتهم وصقلهم من الناحية النظرية بالمفاهيم والمعرفة والمبادئ الديمقراطية ، ومن الناحية العملية بتمرينهم وتدريبهم على السلوك القويم والنضالي والجماعي المنضبط .

ونوه إلي أن الأسرى اكتسب  المفاهيم الديمقراطية من خلال انتمائه للفصائل الفلسطينية قبل الاعتقال والتي مارست العملية الديمقراطية في مؤسساتها بنسب متفاوتة ، والتي حملت نويات ديمقراطية غير مكتملة تحتاج للمزيد من النمو من أجل حسم نقاط هامة ومفصلية في تفكيرها بهذا الشأن  ويرجع هذا الأمر لعملية النضال الطويل مع الاحتلال وظروف الشتات والاعتقال ، والتي شكلت عائقاً ضخماً في مواجهة تطوير الممارسة الديمقراطية ، ومن خلال الأدبيات والكتب والتلفاز والراديو والصحف ومنها العبرية التي دخلت المعتقلات ، ومؤخراً من الجامعات التي انتسب إليها الأسرى وخاصة الجامعة المفتوحة في إسرائيل والجامعات الفلسطينية والدولية عبر الدراسة ، والأهم من خلال الشعور بحاجة المفاهيم الديمقراطية في مواجهة السجان الذي يحاربهم بمؤسسات منظمة قائمة على تلك الأسس وتتبع نظام سياسي أثنى الديمقراطية لصالح المواطنين اليهود في المجتمع الإسرائيلي  ، ولأهمية إيجاد نظام داخلي للفصائل يدير العمل الإعتقالى بوسيلة سَلِسَة وناجحة في السجون بعيداً عن الخلافات والصراعات .

وأكد حمدونة أن التنظيمات داخل المعتقلات بدأت بالقيام بأعباء وظيفتها الاجتماعية الريادية ، وذلك ببناء أسير متشبث بالثوابت الوطنية ، والمقدر لرموزها وقيمها الحضارية المنفتحة ، والمتمسك بهويته بشتى روافدها ، والمعتز بانتمائه لقضيته

والمدرك لواجباته وحقوقه ، بالإضافة إلى تربيته على التحلي بفضيلة الاجتهاد المثمر ، وتعريفه بالتزاماته تجاه نفسه ومجتمعه الإعتقالى ، وعلى التشبع بقيم التسامح والتضامن والتعايش، ليساهم في الحياة الديمقراطية كحاجة أساسية فى مواجهة المحتل بثقة وتفاؤل ، في اعتماد على الذات وتشبع بروح المبادرة .

كما أن السجن كمجتمع صغير ، يعد الورشة الحقيقية التي يتمرن فيها الأسير على الحياة الفضلى وعلى التعاون الاجتماعي وعلى السلوك المدني بصفة عامة ، ويعمق

من خلالها الممارسة الفعلية في حدود التعايش والتقبل المتاحين ، وبذلك ينتج معتقلاً حداثياً قوياً بعلمه وغزارة معارفه وبسلوكه المدني الموجه بداهة نحو البناء لا الهدم.

وكشف حمدونة أن المجتمع الاعتقالى أدرك منذ بدايته أن لا سيّد على الديمقراطية ، إلا الديمقراطية نفسها ، وليس هنالك من مؤتمن على الديمقراطية ، إلا الفرد الديمقراطي الحر، وحين ينجب المجتمع الإعتقالى ذلك الفرد ، يضع اللبنة الأولى ، للمجتمع الاعتقالى الديمقراطي، كون أن كل أسير يشكل في ذاته نواة ذلك المجتمع ، ومن هنا انطلقت نظرية البناء كفكرة .

ونوه إلي أن المجتمع الإعتقالى اجتهد بتكريس مبدأ المسئولية لدى الأسرى ، مبدأ قام على المفاعلة ، أي علاقة تفاعل متبادل، أو منظومة علاقات : علاقة بين الأسير والأسرى الآخرين ، والعلاقة بين الأسير والمجتمع الإعتقالى، والعلاقة التي تضبط الأسير بالتنظيم الذي ينتمي إليه ويعيش في كنفه وتحت مظلته ، وبذلك يتحول الأسير من شخص باحث عن الذات والمصالح الشخصية إلى شخص يتطلع للأهداف الكبرى والمصالح العليا للمجموع الإعتقالى.

كما مارس المعتقلون مرتكزات ومبادئ الديمقراطية في السجون ، في إطار الفصيل والمجتمع الإعتقالى العام ، في الكثير من المجالات ، كحق الانتخاب والترشيح ، والحقوق والواجبات ، وتقبل التعددية الإعتقالية واحترام الأطر الأخرى وعناصرهم وأفكارهم ومعتقداتهم الفكرية والسياسية والدينية ، وبالانصياع لمفهوم الأغلبية فى التمثيل الاعتقالى ، وتداول التوجيه النضالي " الموجه العام " ، واللجان التنظيمية بناءاً على أرضية تداول السلطة ، وممارسة الحرية على قاعدة أن الحرية الشخصية تنتهى عند حدود حرية الآخرين ، فمارس الأسير حريته في ظل حدود الانضباط ، دون تعكير صفو ومزاج زملاءه ، فى النوم والسهر والرياضة ، وحتى على صعيد الصوت والضوء والحركة داخل الغرفة .

وفى هذا السياق وجد المعتقلون أن التعاون بينهم تمليه الضرورة والواجب ، وبدونه لا يمكن الارتقاء بأوضاع المعتقل ، وإن هذا التعاون يلزمه وجود حد أدنى من

التفاهم ، وتنسيق المواقف ، وعبر الخبرة والتجربة تم التوصل إلى الوسيلة الصحيحة بدلاً من الضغط والعنف والإكراه ، ومع تطور الأوضاع وازدياد الوعى 

ويرى الباحث أن التجربة الديمقراطية للأسرى الفلسطينيين بعد أربعين عاماً فى السجون الإسرائيلية أضحت ثقافة متداولة عبر البرامج التنظيمية ، وتربية اعتقالية من القدامى إلى الجدد منذ بدء الاعتقال ، وقيم ومعاملة يمارسها الأسرى فى شؤون حياتهم اليومية ، قبل أن تكون ممارسة وسلوك ومؤسسات وقرارات ، واعتبر الأسرى أن الكثير من تلك القيم مستوحاة من دينهم كالتسامح والحريات والحقوق والمساواة وقبول الآخر وسيادة القانون والشورى فيما بينهم .

في نهاية الدراسة ومن وحى التجربة الخاصة يرى الباحث أن الأسرى بتجربة إبداعية حقيقية استطاعوا من خلال المقدرة على التعايش، ووعيهم لمتطلبات الواقع الإعتقالى القائم على التعددية الحزبية، والتوجهات الفكرية المختلفة، والعدو المشترك المشرع سيفه والمسلط على رقاب الكل الاعتقال بلا استثناء، وإدراكهم لخطورة الموقف الذى يحتاج للتقارب والوحدة والتفاهم والاستقرار النسبى المناهض لإستهدافات إدارة مصلحة السجون الساعية لشرذمة الأسرى وانفلاشهم وزرع نبذة الخلافات والصراعات بينهم ، ولتقويض واقعهم التنظيمي والنضالي ، أن يرسوا دعائم مشتركة قائمة على مبادئ وتفاهمات ديمقراطية 

التعليقات