رغم استهدافها من قبل قوات الاحتلال الاراضي الزراعية.. حمضيات غزة من التصدير الي الاستيراد

رام الله - دنيا الوطن-عبد الفتاح الغليظ
استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي في السنوات الماضية، الأراضي الزراعية في قطاع غزة بشكل كبير ، وتعمدت تجريف آلاف الدونمات واستهدافها بقنابل المدفعية والتي ينتج عنها مواد سامة ومهلكة للتربة وللأشجار، وخاصة الأراضي المزروعة بأشجار الحمضيات، فباتت أسواق قطاع غزة تعاني من قلة الحمضيات، وعدم قدرة القطاع الزراعي على تلبية ما تحتاجه الأسواق بعد أن كانت الحمضيات هي المنتوج الأساسي للتصدير.

ويمثل القطاع الزراعي الفلسطيني القاعدة الإنتاجية الأساسية للاقتصاد الفلسطيني في قطاع غزة إذ يشغل ما نسبته 10% من إجمالي القوى العاملة في قطاع غزة, حيث يتجاوز عدد العاملين في القطاع الزراعي 38 ألف عامل, ويساهم بنسبة تزيد عن 5% في الناتج المحلي الإجمالي لقطاع غزة, كما تساهم الصادرات الزراعية بنصيب كبير في التجارة الخارجية وتوفير العملات الأجنبية, بالإضافة إلى أن القطاع الزراعي يوفر الكثير من المواد الأولية للقطاع الصناعي, كذلك يساهم بتوفير جزء كبير من السلة الغذائية للمواطنين.

المزارع "أبو زهير"، يمتلك بيارة حمضيات مساحتها 60 دونماً بالقرب من وادي غزة، يعتمد على هذه الأرض كدخل أساسي لأسرته إضافة إلى عائلات مزارعين آخرين يعملون في أرضه ، ويقول "كان يعمل في البيارة نحو 22 عاملاً، وفي أيام جني الثمار كان يصل عددهم ما بين 60 إلى 70 عاملاً، ولكن بعد ما تعرضت أشجار البيارة للتجريف من قبل قوات الاحتلال عام 2003م، ولم يتبق شيئاً من الأشجار، اضطررت إلى الاستغناء عن العمال".

ويضيف "أبو زهير"، "لم أستطع أن أعيد الحياة لأرضي بعد تجريفها، بسبب عدم توفر أشتال الحمضيات في السوق، وإن وجدت ففي طبيعة الحال تكون رديئة الجودة"، لم ييأس المزارع وأصر على زراعة جزء من أرضه بأشبال الحمضيات التي تأخذ عدة سنوات حتى تبدأ بطرح ثمارها، إلا أن جرافات الاحتلال عادت لاقتلاع ما زرعه في أرضه عام 2008م، بالإضافة إلى هدم آبار المياه، ليتكبد خسائر فادحة مرة أخرى.

ويرى المزارع، أن زراعة أشجار الحمضيات بشكل عام، أصبحت في وقتنا الحالي غير مجدية ولا تكسب مالاً كغيرها من المزروعات وذلك لما تحتاجه من تكلفة عالية، ولذا اتجه غالبية المزارعين في الأعوام الأخيرة إلى زراعة الخضار وإنشاء الدفيئات الزراعية باعتبارها غير مكلفة وتحتاج لفترة زمنية قصيرة للنضوج خلافاً لما هو عليه أشجار الحمضيات.

وما زال المواطن "أبو إياد" مصراً على إبقاء شجر برتقال الفلنسيا الشموطي في أرضه البالغة مساحتها نحو 40 دونما بحي الزيتون في مدينة غزة وغيرها من الحمضيات، ويقول "ما زالت نسبة أشجار الفلنسيا والشموطي تحتل النسبة الأعلى، لأنني أعشق تلك الأشجار التي تمتاز بالعديد من الميزات عن غيرها من أشجار الحمضيات".

وخلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2008م، تعرضت أرض المواطن "أبو إياد" للتجريف، إلا أنه أصر على زراعتها مجددا بأشجار الفلنسيا والشموطي، ويضيف "واجهتني صعوبة كبيرة في الحصول على الأشتال التي احتاجها، وبعد حصولي عليها وزراعتها، تعرضت الأرض للتجريف مجدداً من قبل الاحتلال خلال الحرب الأخيرة عام 2014م، ولم أستطع حتى الآن الحصول على أشتال فلنسيا وشموطي لإعادة زرعها".

أما المواطن "أبو محمد"، والذي يمتلك العديد من الأراضي قرب وادي غزة وجباليا، يقول "ورثت بيارات عن والدي منذ القدم، وكانت مزروعة بالعديد من أنواع الحمضيات، كالبرتقال والجريبفوت والكلمنتينا والليمون والبوملي والفرنساوي، وكنت أعتمد عليها بشكل أساسي في دخلي ودخل أسرتي، إضافة إلى العديد من العائلات التي يعمل أبناءها كمزارعين في أرضي".

ويتابع "أبو محمد"، "تعرضت غالبية الأراضي للتجريف منذ عام 2002م وحتى عام 2008م، وباتت غالبية الأراضي قحلاء لا يوجد بها أشجار، وبسبب التجريف المتكرر للأشجار، لم أعد أقوى على زراعتها بالحمضيات، وتحمل كافة تلك المخاسر مرات عدة".

المواطن "أبو محمد"، ومنذ قبل سنتين بدا في تقسيم بيارة مساحتها 57 دونماً قرب وادي غزة، وعرض أراضيها للبيع حتى يستطيع المضي قدماً في حياته وحياة أسرته، ويقول "قسمت قطعة أرض لأجزاء وعرضتها للبيع، وحولت البيارة الأخرى لعدة مشاريع صغيرة، كصالة للأفراح، ومحطة تحلية مياه، وحديقة صغيرة كمتنزه، لأن الزراعة لم تعد تصلح في أراضينا بسبب الاحتلال وممارساته".

ويقول الخبير الاقتصادي الدكتور "ماهر الطباع"، "تأزم وضع القطاع الزراعي منذ العام 2000م، عندما استهدفت قوات الاحتلال قطاع الزراعة بشكل منظم ومبرمج

من خلال تجريف مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وتدمير شبكات الري وردم آبار المياه, ومنعت وحظرت الزراعة أو الاقتراب لمسافة تتجاوز 500 متر من حدود قطاع غزة وحولتها لمنطقة عازلة لا يمكن الاستفادة منها".

وأضاف د. الطباع، "وتأزم وضع القطاع الزراعي أكثر بعد أن فرضت إسرائيل حصارها على قطاع غزة منذ أكثر من تسع سنوات, حيث استمرت إسرائيل وعلى مدار سنوات الحصار في استهداف الأراضي الزراعية بالتجريف واقتلاع أشجار الحمضيات, بالإضافة إلى أنها منعت تصدير كافة المنتجات الزراعية وخاصة الحمضيات من قطاع غزة إلى العالم الخارجي, وتسويقها في أسواق الضفة الغربية".

وتباعاً لسياسة إسرائيل انخفضت كميات إنتاج وتصدير الحمضيات في السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ ومفاجئ، وذلك نتيجة للإجراءات الإسرائيلية من تجريف الأراضي الزراعية واقتلاع الأشجار، حيث انخفضت كمية إنتاج الحمضيات من عام 1994 إلي عام 2006 بنسبة تزيد عن 70% حيث بلغت الكمية المنتجة في عام 1994 ب 103774 طن وبلغت عام 2006 بـ19500 طن تقريباً.

ويقدر إنتاج قطاع غزة من الحمضيات لعام 2013 بحوالي 20 ألف طن وهو ما يشكل 65% من احتياجه, أي أن نسبة العجز بلغت 35%، حيث أن الاحتياج الكلى يبلغ 35 ألف طن سنوياً, و خلال سنوات الحصار اعتمد قطاع غزة على جلب الحمضيات من جمهورية مصر العربية عبر الأنفاق نتيجة شح المحصول ولتغطية العجز في الأسواق, أما الآن وبعد إغلاق الأنفاق أصبح الاعتماد الكلى على الأسواق الإسرائيلية في تغطية احتياجاته من كافة أنواع الحمضيات.

وحول الأسباب التي أدت إلى انخفاض إنتاج الحمضيات، يقول د. الطباع "تجريف مساحات واسعة من الأراضي المزروعة بالحمضيات من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، وعدم اهتمام المزارعين بشجرة الحمضيات نتيجة لتدني الأسعار وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتقليص المساحات المزروعة بالحمضيات بسبب النقص الحاد في المياه المتاحة للري، وتحويل جزء من الأراضي المزروعة بالحمضيات إلي زراعة الزهور والتوت الأرضي والخضار ومنتجات أخري لوجود جدوى اقتصادية فيما يتعلق في استخدام المياه و التصدير الخارجي، إضافة إلى ارتفاع أسعار الأراضي و التوسع السكاني، كل هذه الأسباب كانت كفيلة بتحويل قطاع غزة من مصدر للحمضيات إلى مستورد".